يعني الاتصال "التخاطب" عملية متبادلة بين شخصين على الأقل أحدهما مرسل والثاني مستقبل، والاتصال لا يقصد به الكلام الموجه لشخص آخر، وإنما هو الكلام مع شخص آخر، إنه عملية يجب أن تسير في كلا الاتجاهين، ويعني ذلك بالنسبة للإرشاد أن يكون من المرشد للمسترشد، ومن المسترشد للمرشد.
والموضوع الذي يجري توصيله هو الذي يفهمه المستقبل، أما الذي لم يفهمه فإنه لم يتم توصيله، ولهذا فينبغي ألا يقصر المرشد اهتمامه بما يقوله هو والمسترشد، وإنما يهتم أيضا بما يفهمه المسترشد، وبما يدركه في إطار العلاقة الإرشادية، ويتوقف مدى فهم المسترشد للمرشد على ثلاثة عوامل أساسية هي:
١- علاقة المعلومات بحاجات المسترشد.
٢- العلاقة مع المعلومات الموجودة في المجال الإدراكي للمسترشد.
٣- انفتاح المجال الإدراكي للمسترشد لحظة الاتصال.
ولكي تكون المعلومات ذات فاعلية، فإنها يجب أن ترتبط بالمشكلات، والاهتمامات الراهنة للمسترشد، وسوف يستقبل المسترشد ما يحتاجه، ولكن الحاجات الفورية تكون أكثر إلحاحا، ومثابرة عن تلك الخاصة بالمستقبل.
والمعلومة أو الخبرة تكون أكثر دلالة للفرد عندما تكون مرتبطة بوعيه الحالي، وعندما يكتشف شخص ما العلاقة بين المعلومات الجديدة، أو الخبرات لما يفهمه فعلا، فإن ذلك سيعطيه معنى جديدًا، وأحد الإحباطات التي تحدث في الاتصال تكون نتيجة أن أحد طرفي الاتصال لم ينجح في معاونة الثاني على إدراك المعلومة الجديدة في الوعي الحاضر، إذ من الصعب أن نستوعب الأفكار الجديدة عندما لا تكون متسقة مع تلك الموجودة لدينا فعلا.
ومن العوامل الأساسية الهامة في الاتصال انفتاح المسترشد، وعندما يشعر الفرد بالتهديد، فإنه سيصبح أكثر انغلاقًا أمام الاتصال الجديد، وأمام الكشف عن معلومات جديدة عن نفسه، ويمكن أن نصور انفتاح المسترشد من خلال التعرف على نموذج جوهاري للوعي.
[ ٦٦ ]
نموذج جو هاري للوعي Johari،s Awareness Model:
طور هذا النموذج جولفت وهاري إنجهام "١٩٦٣" Joe Luft & Hary Ingham، ويعرف باسم نافذة جوهاري The Johari widow ويساعد هذا النموذج، أو هذه النافذة على تصوير عملية الاتصال المنفتح بين المرشد والمسترشد ويوضح شكل "٤" أنه في أي علاقة بين شخصين يوجد أربعة أنواع من المعلومات تمثلها الخلايا الأربع "أو الأرباع" الخاصة بالنافذة، ففي الخلية رقم "١" هناك المعلومات التي يعرفها الفرد عن نفسه "المسترشد"، وكذلك يعرفها عنه الطرف الآخر في الاتصال "المرشد".
أما الخلية رقم "٢"، فتيشير إلى المعلومات التي يرى الفرد ألا يبوح بها، أو يكشفها للآخرين، مثل المخاوف، جوانب القلق، الشكوك، الحياة الجنسية، المشاجرات والخلافات مع الآخرين، مشاعر الصراع ومشاعر التشويش.
وتشير الخلية الثالثة إلى المعلومات التي يعرفها الآخرون عن الفرد، ولكنه لا يعرفها عن نفسه، وتعرف أحيانا بالمنطقة "العمياء"، أو منطقة "النفس الكريه" Bad Breathe أما الخلية الرابعة، فتشتمل على الجوانب الفضولية حول الذات، والتي لا يملك أي من الطرفين جوابا كافيا، أو معلومات جيدة حولها: لماذا لا أستطيع أن أضبط غضبي؟ لماذا لا أستطيع أن أتوقف على التدخين؟
معلوم للآخر غير معلوم للآخر
شكل "٤" نموذج -نافذة- جوهاري Johari window
[ ٦٧ ]
ويمكن أن ندرك من واقع تعرفنا على نافذة جوهاري أن الاتصال الأولى المنفتح بين المرشد، والمسترشد يهتم بمساعدة المسترشد على أن يشعر بالأمن، وعدم التهديد "من خلال التقبل والاحترام، والمشاركة والأصالة التي يظهرها المرشد في العلاقة الإرشادية"، وبذلك فإن المسترشد يحرك بعض المعلومات من الخلية رقم "٢"، والتي تشتمل على المعلومات التي يحاول المسترشد أن يحجبها، إلى الخلية رقم "١" التي تمثل منطقة المعلومات المعروفة للمسترشد وللمرشد.
وهذه العملية لا تكون سهلة بالنسبة لمعظم المسترشدين إذ قد تكون هذه المعلومات لم يسبق أن أطلع المسترشد أحدًا عليها، وربما يرجع ذلك لطبيعة محتواها، المتمثل عادة في مشاعر الغضب والخوف والقلق، وكذلك بعض الأفكار غير المقبولة، ويجد المسترشد أنه من الصعب عليه أن يواجهها، ويتعامل معها، وليس من الغريب أن يسمع المرشد من المسترشد أنه لم يسبق له أن تحدث بهذه المعلومات مع أحد غيره، وعندما يحدث ذلك فإن شعور المسترشد هنا يكون الإحساس بالتنفيس أكثر من كونه إحساسا بالقلق.
ويساعد استخدام نموذج أو نافذة جوهاري للوعي على تفهم مستويات العمق في العلاقات بين الأشخاص، وكذلك معنى الثقة، وكل المعلومات التي يعرفها المسترشد عن نفسه يمكن وضعها إما في خلية رقم "١"، أو خلية رقم "٢"، كذلك فإن أي معلومات يعرفها شخص عن الآخر يمكن وضعها في الخلية رقم "١"، أو الخلية رقم "٣"، وفي العادة فإن الناس يختارون بين أن يحتفظوا أو يبوحوا بالمعلومات الخاصة بأنفسهم "المعلومات التي في الخلية رقم "٢" كذلك، فإنهم يختارون بين أن يشتركوا أو يحجبوا المعلومات، والانطباعات التي لديهم عن الآخرين "خلية رقم٣".
ويمكن أن نقدر مدى قوة العلاقة بين أي شخصين على أساس من مقدار، ونوع المعلومات التي سوف يختار كل منهم أن يشترك بها مع الآخر "أي تحركه من الخلية رقم٢ إلى الخلية رقم١"، وكلما زادت كمية وأهمية المعلومات التي يختار الفرد أن يشارك بها مع غيره زاد التركيز في العلاقة وازداد عمق الثقة، وعلى العكس من ذلك فإن عدم الثقة يمكن أن ننظر إليه على أنه يرتبط مباشرة مع كمية، ونوع المعلومات التي يختار الفرد ألا يطلع عليها غيره، والفرق بين العلاقة القوية والعميقة، والعلاقات السطحية هو كمية
[ ٦٨ ]
المعلومات التي يرغب كل طرف في أن يشترك بها مع الآخر، ومن الواضح أنه من المهم للمرشد أن يكون هو الشخص الذي يمكن لكثير من الناس أن يطوروا معه علاقات شخصية عميقة.
التغيرات التي تحدث في خلايا نافذة جوهاري أثناء الإرشاد:
تساعد نافذة جوهاري على وصف جانب الوعي الذاتي في عملية الإرشاد. وعندما يبدأ المسترشد في الكلام عن نفسه مع المرشد، فإن كمية المعلومات التي تكون معروفة لكل من المسترشد، والمرشد تتسع بينما تضيق كمية المعلومات المعلومة للمسترشد وحده، وتكون غير معلومة للمرشد، أي المعلومات الخاصة "خلية رقم٢".
ويوضح هذه العملية شكل رقم "٤" حيث يزداد حجم الخلية رقم "١"، وينقص حجم الخلية رقم "٢".
معلومة للمرشد غير معلوم للمرشد
شكل "٥" عملية المشاركة في الإرشاد كما تصورها نافذة جوهاري نتيجة بدء المسترشد في المشاركة بمعلوماته:
ومع استمرار التفاعل، فإن المرشد يبدأ في صياغة انطباعات، وفروض حول المسترشد، وحول دوافع هذا المسترشد لتصرفاته، وفروض حول كيف يؤثر سلوك المسترشد على الآخرين من حوله، وافتراضات حول آراء المسترشد، وتفسيرات لنشوء مشاعر قوية مثل القلق، والغضب، والشك، والتشوش، وكثير من هذه الفروض التي يضعها المرشد لا تكون جزءًا من وعي المسترشد، ويمكن أن ننظر لها على أنها تقع في
[ ٦٩ ]
الخلية رقم٣- أي المعلومات غير المعروفة للمسترشد، ولكنها معروفة للمرشد، وفي مراحل تالية فإن جانبا هاما من عملية الإرشاد يتمركز حول تبادل هذه الفروض، والملاحظات مع المسترشد "أي توصيلها له"، وهنا نجد استخدام رسائل موجهة من المرشد تبدأ بضمير المتكلم "أنا"، وكذلك المواجهة البناءة مع المسترشد تشكلان قواعد اقتراب المرشد من مشاركة المعلومات، وعندما يجعل المرشد هذه الملاحظات، والفروض متاحة للمسترشد ليفكر فيها ويكتشفها، فإن التحرك يكون من الخلية رقم "٣" إلى الخلية رقم "١" في نافذة جوهاري، ويبدأ المسترشد في معرفة المزيد عن نفسه، وتصبح وتصحب مجموعة من الأشياء المجهولة "العمياء" أكثر قربا للفهم، ومع مرور الوقت فإن ما حدث خلال هذه العملية يمكن تصويره في نافذة جوهاري، كما في شكل "٥"، ويصبح بوسع المرشد والمسترشد أن يفهما سويا واقع المسترشد بشكل أكبر، ويقل ذلك الجانب المجهول حول المسترشد وسلوكه، وهذه العملية تعتبر عملية موجهة لفهم الذات واكتشافها، وقد تكون هذه العملية مؤلمة في بعض الأحيان.
معلومة للمرشد غير معلوم للمرشد
شكل "٦" العلاقة بين خلايا نافذة جوهاري بعدما يزود المرشد المسترشد بانطباعاته:
إن العلاقة الإرشادية ابتداء من انفتاح المسترشد، وثقته في المرشد تجعل بعض المعلومات "أو كثيرًا منها" التي كان المسترشد يخفيها عن الآخرين متاحة للمرشد، وبذلك تتحرك من الخلية رقم "٢" إلى الخلية رقم "١"، ومع استمرار العلاقة وبدء المرشد في التعامل بصراحة مع المسترشد، فإنه يدلي بانطباعاته، وافتراضاته حول سلوك المسترشد مما يجعل جزءًا من المعلومات المتاحة للمرشد وغير المعروفة للمسترشد، تدخل إلى وعي المسترشد، ويتعامل معها وتصبح في الخلية رقم "١"، وذلك يمكن القول أن الاتصال في الإرشاد يكون هدفه زيادة وعي المسترشد بمشكلته، ومن ثم زيادة الجانب الواضح من السلوك، واتساع الخلية رقم
"١"، وضيق باقي الخلايا.
[ ٧٠ ]