إن استجابات الإصغاء التي تناولها، الاستيضاح، وإعادة الصياغة، وعكس المشاعر، والتلخيص، تشتمل على الاستجابة لرسائل المسترشد من الإطار المرجعي لهذا المسترشد، أي من منطلق وجهة نظر المسترشد، ومع ذلك فإنه في وقت ما من الإرشاد يجد المرشد أن عليه أن يتحرك وراء الإطار المرجعي للمسترشد، وأن يستخدم استجابات ناشئة عن البيانات التي حصل عليها حول المسترشد، وأيضا إدراكاته عن هذا المسترشد، وهذه الاستجابات هي التي اصطلح على تسميتها استجابات التصرف "استجابات الإجراءات"، وهي استجابات نشطة، وليست من النوع المنعقد على المسترشد، وعلى حين يكون تأثير استجابات الإصغاء على المسترشد تأثيرًا غير مباشر، فإن استجابات التصرف يكون لها تأثير مباشر عليه، وتبنى استجابات التصرف في كثير من جوانبها على إدراكات المرشد، وافتراضاته بجانب رسائل المسترشد وسلوكياته. ونركز في حديثنا على أربعة أنواع من استجابات التصرف هي -التساؤلات Probes أو المسابير، والمواجهة Confrontation، التفسير Inter pretation إعطاء المعلومات Information giving، والغرض الأساسي من استجابات التصرف من وجهة نظر إيجان "١٩٨٢" Egan هو مساعدة المسترشدين على أن يروا الحاجة للتغير، والتصرف من خلال إطار مرجعي أكثر موضوعية.
توقيت استخدام استجابات التصرف:
من الأمور الصعبة في استخدامات استجابات التصرف عملية التوقيت، أي تحديد الوقت الذي نستخدم عنده هذه الاستجابات في المقابلة الإرشادية، وكما رأينا من قبل فإن بعض المرشدين يميلون إلى القفز إلى استجابات التصرف قبل الإصغاء، وتكوين الألفة مع المسترشد، وبصفة عامة فإن استجابات الإصغاء تعكس فهم المسترشدين لأنفسهم، وعلى العكس من ذلك فإن استجابات التصرف تعكس فهم المرشدين للمسترشدين، ويمكن استخدام استجابات التصرف بشكل أكبر في المقابلة، طالما كان المرشد دقيقا في بناء الأساسي لعمليات الحضور والإصغاء، وتساعد قاعدة الإصغاء على زيادة مدى استقبالية
[ ١٠٠ ]
المسترشد لرسالة التصرف الصادرة عن المرشد، وإذا بنى المرشد على أدائه، وإدراكاته بسرعة أكبر من اللازم، فإن المسترشد قد يستجيب بالإنكار والدفاعية، بل وربما بالانسحاب من الإرشاد، وعندما يحدث ذلك فإن المرشد يحتاج إلى أن يتراجع إلى مستوى أقل فضولية في التأثير، وأن يزيد من الإصغاء على الأقل إلى حين تكوين أساس قوي من ثقة المسترشد فيه.
ونناقش فيما يلي الأنواع الأربعة من استجابات التصرف:
١- المسابير: "التساؤلات" Probes:
تعتبر المسابير أو التساؤلات جانبا هاما في المقابلة، وتتوقف فاعليتها على نوع السؤال ومدى تكرارية الأسئلة، وفي الواقع فإن توجيه الأسئلة قد يمضي في يسر كما قد يقابل بضيق من المسترشد، ذلك يتوقف على مهارة المرشد، وقد نصادف أحيانا مع بعض المرشدين المبتدئين أنهم يديرون مقابلاتهم على أنها سلسلة من أسئلة، وقد يؤدي ذلك بهم إلى أن يوجهوا الأسئلة غير المناسبة في الوقت غير المناسب، وهذه الطريقة قد تجعل المسترشد ينظر إلى المقابلة على أنها أسئلة، أو تحقيقات بدلا من كونها بيئة للفهم، ويمكن أن تفيد الأسئلة في عمل المرشد حين تسود بينه، وبين المسترشد فترة من الصمت، أو عندما يفتقد الكلمات المناسبة، ويجب ألا يوجه المرشد الأسئلة إلا إذا كان هناك هدف من السؤال الذي في ذهنه.
الأسئلة المفتوحة، والأسئلة المقفلة:
تصاغ معظم الأسئلة الفعالة في صيغة ذات نهاية مفتوحة بادئة بأدوات مثل: ماذا، كيف، متى، أين أو من، والسؤال المفتوح يحتاج إلى إجابة بالتفصيل والشرح، ويستلزم الانفتاح ولا يمكن أن نجيب عليه بنعم أو لا.
ويحتاج المرشد أن يستخدم الأداة المناسبة لما يريده من معلومات، فاستخدام أداة مثل ماذا يستدعي الإجابة بحقائق ومعلومات، أما التساؤلات باستخدام "كيف"، فإنه يرتبط بالتتابعات والعمليات، والانفعالات وتستخدم أداة "لماذا" عندما نبحث عن الأسباب والجوانب الذهنية، كما تثير الأسئلة الموجهة باستخدام "متى" "وأين"
[ ١٠١ ]
المعلومات الخاصة بالوقت والمكان، بينما الأسئلة التي تبدأ بـ "من"، فهي ترتبط بالمعلومات عن البشر، والأسئلة ذات الطرف المفتوح تؤدي مجموعة من الأغراض في المواقف المختلفة للإرشاد مثل:
١- بدء المقابلة "ماذا تود أن نناقشه اليوم؟ ".
٢- تشجيع المسترشد على التعبير عن مزيد من المعلومات، "ماذا أيضًا يمكنك أن تقوله حول هذا الموضوع"؟
٣- التعرف على أمثلة من سلوكيات أو أفكار أو مشاعر معينة، بحيث يمكن للمرشد أن يفهم الظروف التي تسهم في مشكلة المسترشد "ماذا تفعل في هذا الموقف؟ " "ماذا تفكر في مثل هذا الموقف؟ " "كيف تشعر حول هذا الموقف؟ ".
٤- تنمية التزام المسترشد للاتصال مع المرشد عن طريق طريق دعوته للحديث، وتوجيهه من خلال تفاعل مركز.
وعلى عكس الأسئلة المفتوحة الطرف، فإن الأسئلة المقفلة أو المركز يمكن أن تكون مفيدة إذا احتاج المرشد إلى حقيقة معينة أو معلومة محددة، ومثل هذه الأسئلة تبدأ عادة باستخدام أدوات مثل: هل، ألم، أيس، أيمكنك، أظن، أعتقد، وهذه الأسئلة تكون إجابتها عادة بـ"نعم" أو"لا" أو بإجابة مختصرة، وتعتبر الأسئلة على هذا النحو أدوات هامة جدًّا في مرحلة تحديد المشكلة، وتدخل في إعدادا المقاييس.
وفيما يلي بعض الأمثلة لأسئلة مقفلة:
- من بين المشكلات التي ناقشناها، أيها يشغلك أكثر؟
- هل يوجد من بين أفراد عائلتك من تعرض لحالة اكتئاب؟
- هل تقوم بالبحث عن وظيفة في الوقت الحاضر؟
وتشتمل الأغراض التي تدار من أجلها الأسئلة المقفلة على ما يلي:
١- تضييق مجال المناقشة عن طريق تحديد إجابة.
٢- جمع معلومات محددة، "هل لا زلت تسكن في نفس المنزل؟ "
[ ١٠٢ ]
٣- التعرف على مستويات المشكلة، "هل لاحظت أي شيء يجعل المشكلة أسوأ؟ "
٤- مقاطعة المسترشد الثرثار، الذي يحكي مجموعة من القصص المتتالية "هل تريد أن نركز الآن على موقف الأسرة الذي تحدثت عنه من قبل؟ ".
ويجب أن ينتبه المرشد إلى المباعدة بين الأسئلة المقفلة؛ لأن زيادة هذا النوع من الأسئلة قد يحبط المناقشة، ويعطي للمسترشد العذر في أن يتجنب الموضوعات الهامة والحساسة.
إرشادات في استخدام التساؤلات:
يمكن للمرشد أن يزيد من فاعلية، وكفاءة استخدامه للأسئلة إذا تذكر بعض القواعد البسيطة في استخدامها.
١- استخدم أسئلة تركز على مشغولية المسترشد، وعادة فإن الأسئلة الفعالة تبرز من خلالما قاله المسترشد فعلا، وليس من فضول المرشد أو حاجته للانتهاء.
٢- عندما توجه سؤالًا للمسترشد، توقف لتعطيه فرصة كافية للإجابة، وتذكر أن المسترشد قد لا تكون لديه جاهزة، وعندما يكون مطلوبا من شخص أن يجيب بسرعة، فإنه يشعر بالتهديد وهذا بدوره يهدد العلاقة الإرشادية المتصفة بالأمن.
٣- وجه للمسترشد سؤالا واحدا في الوقت الواحد، ولا توجه عدة أسئلة دفعة واحدة، فذلك يؤدي إلى إرباك المسترشد، وقد يجيب على واحد من هذه الأسئلة فقط، وقد يكون أقل الأسئلة أهمية هي الذي اختاره المسترشد للإجابة عليه.
٤- تجنب الأسئلة التي تشتمل على اتهامات أو هجوم، وقد يشعر المسترشد أن الأسئلة هجومية من نبرة صوت المرشد، أو لاستخدامه لأداة الاستفهام لماذا؟ وقد تؤدي الأسئلة الهجومية إلى أن يصبح المسترشد دفاعيا.
٥- تجنب الاعتماد على الأسئلة على أنها الوسيلة الأولى للاستجابة التي تقدمها خلال المقابلة "يستثنى من ذلك جمع البيانات الأولية، أو الحصول على تاريخ المسترشد، أو في جلسات التقويم والقياس"، وفي بعض الثقافات فإن توجيه الأسئلة يعتبر بمثابة الاتهام أو الاقتحام، وهو في جميع الأحوال يجعل المرشد يبدو بمثابة الخبير، ويقلل
[ ١٠٣ ]
مشاركة المسترشد، ومسئوليته كما يثير حالة من الامتعاض أو الاستياء لديه، وقد يؤدي الشعور الذي يتولد لدى المسترشد المتراخي، بأنه في موقف المساءلة، إلى الإضرار به، وتزداد فاعلية الأسئلة عندما تتيح الفرصة لاستبصارات جديدة، وتنمي معلومات جديدة ويمكن للمرشد أن يسأل نفسه أولا السؤال الذي يود أو يوجهه للمسترشد، فإذا وجد إجابة عليه، فإنه لا حاجة حينئذ أن يوجهه للمسترشد، وقد تكون طريقة أخرى من طرق استجابات التصرف أكثر فاعلية، وفائدة في هذه الحالة.
خطوات استخدام الأسئلة:
١- حدد الغرض من أسئلتك.
٢- تأسيسًا على الغرض حدد أي نوع من الأسئلة يكون أكثر فائدة، أسئلة مفتوحة؟، أم أسئلة مقفلة؟.
٣- تأكد من أن أسئلتك تركز على مشغوليات المسترشد، وليس على المسائل والقضايا التي تهتم بها.
٤- تذكر أن تقدر فاعلية الأسئلة بتحديد ما إذا كانت أهدافها قد تحققت.
مثال: المسترشد لقد كان ذلك الصباح تعيسا بالنسبة لي، فقد كانت ذاهبا للامتحان حين تعطلت سيارتي في منقطة بعيدة عن العمران
المرشد: أي امتحان كنت ذاهبا لأدائه؟
٢- المواجهة Confrontation:
المواجهة هي استجابة لفظية، فيها يصف المرشد تلك الفروق، والصراعات والرسائل المختلطة الواضحة في مشاعر المسترشد، وأفكاره وتصرفاته، ويعتقد باترسون وأيزينبرج "١٩٨٣" Patterson & Eisenberg أن المواجهة هي أداة لتركيز انتباه المسترشد على جانب ما من سلوكه، الذي إذا تغير سيؤدي إلى أداء أكثر فاعلية "ص٧٥".
الغرض من المواجهة:
للمواجهة عدة أغراض يمكن إيجازها فيما يلي:
[ ١٠٤ ]
١- مساعدة المسترشدين على اكتشاف طرق أخرى لإدراك أنفسهم، أو لإدراك قضية ما مما يؤدي في النهاية إلى تصرفات، أو سلوكيات مختلفة.
٢- مساعدة المسترشد على أن يصبح أكثر وعيا بالفجوات، وصور عدم التطابق في أفكاره، ومشاعره وتصرفاته.
٣- التعامل مع الرسائل المختلطة للمسترشد بتوضيح التناقض الموجود فيها.
٤- التعامل مع الرسائل التي تشتمل على معلومات لا يريد المسترشد أن يتعامل معها.
٥- تعديل سلوكيات المسترشدين أثناء الإرشاد.
إن المواجهة تكون مؤلمة لكلا الطرفين المشتركين فيها، وعملية المواجهة عملية واعية يقررها المرشد، وهي في نفس الوقت تصف يدل على الاهتمام الحقيقي بالمسترشد، والمواجهة في نفس الوقت هي عملية مخاطرة قد تؤدي إلى تغير في طبيعة العلاقة بين المرشد والمسترشد، فإذا لم يدرك المسترشد الاهتمام الذي تحمله عملية المواجهة، أو لم يتقبله أو إذا كان المرشد يقوم بالمواجهة لتصريف مشاعر الغضب التي بداخله نحو المسترشد بدلًا من أن يقدم له انطباعاته، فإن النتيجة ستكون الغربة، أما إذا كان المرشد يهتم بالمسترشد عن صدق، وإخلاص
وإذا كانت دوافعه مبنية على الاهتمام، وكان هذا الاهتمام مفهوما من المسترشد، فإن العلاقة بين المرشد والمسترشد من المحتمل أن تمضي في شكل أعمق، وأكثر انفتاحا وأكثر تركيزا وقوة.
بعض القواعد الإرشادية لاستخدام أسلوب المواجهة:
١- لا تواجه شخصا آخر إذا لم تكن تنوي زيادة علاقتك معه.
٢- واجه فقط إذا كنت تشعر باهتمام نحو هذا الشخص، فإذا لم تشعر بذلك فلا تواجهه.
٣- استخدم المواجهة إذا كانت العلاقة قد تجاوزت المراحل الأولى في تطورها أو إذا كانت الثقة بينك، وبين المسترشد قد تم تكوينها.
٤- إذا توافرت الشروط الثلاثة السابقة، ولم يكن المسترشد مستعدا للتعامل مع المعلومات بطريقة غير دفاعية، فإن المرشد أمامه خياران: إما أن يتجنب المواجهة، أو أن يساعد المسترشد على أن يصبح جاهزا لاستخدام المعلومات عند تقديمها.
[ ١٠٥ ]
٥- لا تثقل المسترشد بمواجهات تتطلب منه كثيرًا من المطالب في وقت قصير، ابدأ بمواجهة المسترشد بشيء يستطيع القيام به والنجاح فيه، ويذهب كارخوف إلى اعتبار أن استخدام المرشد للمواجهة مرتين متتاليتين أمر مجهد للمسترشد، ويجب أن نتحاشاه.
٦- يجب أن ندرك أن هناك حدودًا للمواجهة، فالمواجهة تلفت نظر المسترشد ووعيه إلى فجوة أو صراع، ويعتبر الوعي بوجود الفجوات خطوة أولى في حل الصراعات، وقد تكون المواجهة، كاستجابة منفردة، غير كافية لتوفير الحل للفجوات الموجودة في رسائل المسترشدين، ويحتاج الأمر إلى استخدام مناقشة إضافية، أو أساليب علاجية مثل أداء الأدوار، تبادل الأدوار، والحوار الجشطلتي وغيرها.
ردود فعل المسترشدين نحو المواجهة:
يحدث في بعض الأحيان أن يخشى المرشد أن يواجه المسترشد حيث لا تكون لديه الخبرة في التعامل مع ردود الفعل التي يمكن أن تصدر عن المسترشد نتيجة لمواجته، ولا نريد أن نخفف من أثر المواجهة على المسترشد، فهناك ردود فعل لا بد أن يتوقعها المرشد حتى من أولئك المسترشدين الذين يقرون بالمواجهة، فإنهم قد ينتابهم القلق أو الضيق، ويمكن للمرشد أن يتوقع أربعة أنواع من ردود فعل المسترشدين بصفة عامة وهي: الإنكار، والتشويش، والتقبل الزائف، والتقبل الصادق.
وفي إنكار المواجهة فإن المسترشد لا يريد أن يعرف، أو يوافق على الرسالة الصادرة عن المرشد، ويمكن أن نستدل من الإنكار أن المسترشد غير مستعد بدرجة كافية لمواجهة السلوك المتناقش أو المشوش، وقد أورد إيجان بعض الأساليب التي يستخدمها المسترشد لإنكار المواجهة "١٨١، ١٩٨٢ Egan".
١- التقليل من شأن المرشد: مثلا يقول له: "كيف تعرف وأنت لم تجرب الرسوب؟ ".
٢- يقنع المرشد بأنه لم يفهم ما قاله: "أنا لم أقصد أن أقول ذلك".
٣- التقليل من قيمة الموضوع "ذلك لا يستحق الوقت الذي نضيعه فيه".
[ ١٠٦ ]
٤- يبحث عن مساندة في مكان آخر "لقد أخبرت زملائي عما قلته لي الأسبوع الماضي، ولم يوافق أحد منهم على ذلك".
وفي بعض الأحيان، فإن المسترشد قد يشير إلى التشوش، أو عدم التأكد بالنسبة لمعنى المواجهة، وفي بعض الأحيان قد يكون المسترشد فعلا صادقا في التشوش الذي يجده في كلام المرشد، وهذا يدل المرشد على أن مواجهته لم تكن دقيقة ومحددة، وفي أحيان أخرى يستخدم المسترشد عدم الفهم كستارة ليتجنب التعامل مع أثر المواجهة.
وفي بضع الأحيان قد يبدو أن المسترشد يتقبل المواجهة، ويكون هذا التقبل صادقا إذا استجاب المسترشد برغبة صادقة في تمحيص سلوكه الخاص، وقد يمكن لمثل هؤلاء المسترشدين أن يتعرفوا على التناقضات الموجودة لديهم بل، وأن يواجهوا أنفسهم.
ويحذر إيجان من أن التقبل الذي يظهره المسترشد للمواجهة قد يكون زائفا، ويعتبر ذلك لعبة جديدة يقوم بها المسترشد، وفي هذه الحالة نجد المسترشد يوافق المرشد لفظيا، لكنه بدلا من أن يتابع المواجهة، فإنه يوافق فقط ليجعل المرشد يخرج بانطباع أفضل.
وليس هناك طرق محددة للتعامل مع ردود فعل المسترشدين للمواجهة، وإنما ينصح أن يعود المسترشد مرة أخرى إلى استجابات الإصغاء، وخاصة ما يتصل بإعادة الصياغة، وعكس المشاعر ويهيئ الأساس مرة أخرى للمواجهة، وأن يعود إلى هذا الأساس أيضًا بعد المواجهة.
مثال على ذلك:
المرشد: يبدو أنك تشعر بالحزن؛ لأنك رسبت في الامتحان "عكس المشاعر".
المسترشد: أبدا أنا لا أشعر بأي حزن؛ لأنه سيصبح بإمكاني أن أفهم المقررات بشكل أفضل: "يقول ذلك بصوت خافت وحزين مما يدل على وجود رسالة مختلطة".
المرشد: تقول أنك غير حزين وفي نفس الوقت، فإن نبرة صوتك تحمل الأسى، ويبدو لي أنك تشعر فعلا بالحزن "مواجهة".
[ ١٠٧ ]
المسترشد: أنا لا أعرف ما تتحدث عنه حقيقة "إنكار".
المرشد: أشعر أن ما قلته لتوى قد ضايقك "عكس للمشاعر".
خطوات المواجهة:
تشتمل المواجهة الفعالة على أربع خطوات هي:
١- لاحظ المسترشد بدقة للتعرف على نوع الفجوة، أو الرسالة المختلطة التي يقدمها، لاحظ المؤشرات اللفظية وغير اللفظية، والسلوكيات التي تدعم وجود التفاوت أو الخلط.
٢- لخص العناصر المختلفة للفجوة أو التفاوت، لتقوم بذلك استخدام عبارة تربط بين أجزاء الصراع بدلا من أن تدحض أي جانب وحده، حيث إن الهدف العام من المواجهة هل حل الصراعات، وتحقيق الاندماج.
مثال للتلخيص:
"أنت من ناحية ومن الناحية الأخرى فإنك ".
لاحظ أننا ربطنا الأجزاء بحرف العطف "و" بدلا من أن نستخدم كلمات مثل لكن أو رغم ذلك.
٣- تأكد أن تستخدم كلمات مما يستخدمها المسترشد حتى تتمشى المواجهة مع خبرة المسترشد.
٤- تذكر أن تحكم على مواجهاتك، والمواجهة تكون فعالة عندما يقر المسترشد بوجود التفاوت أو الصراع.
مثال:
المسترشد: إنه من الصعب على أن أؤدب ابني، أعرف أني مهمل في ذلك، وأعرف أنه يحتاج إلى حدود، ولكني لم أفعل ذلك، لقد تركت له الحبل على الغارب ليفعل ما يريد "يقول ذلك في صوت منخفض".
[ ١٠٨ ]
هنا يسأل المرشد نفسه عن: التفاوت الذي تحمله هذه الرسالة في شطريها، كيفية تلخيص عناصر التفاوت، ما هي الكلمات التي يستخدمها، والتي تتمشى مع لغة المسترشد.
المرشد: أنت من ناحية تشعر بأنه لا بد من حدود لتساعد ابنك على السلوك القويم، ومن الناحية الأخرى فإنك تترك له العنان ليفعل ما يحب، كيف يمكن الجمع بين هذين الجانبين؟
٣- التفسير Interpretation:
التفسير مهارة تشتمل على تفهم، وتوصيل معنى رسالة صادرة عن المسترشد، وعن صياغة عبارات التفاسير فإن المرشدين يزودون المسترشدين بنظرة جديدة لأنفسهم، أو بتوضيح جديد لاتجاهاتهم أو سلوكياتهم، وفي رأي برامر وشوستروم "١٩٨٢" Brammer & shostrom أن التفسير يشتمل على "إمداد المسترشد بفرض حول العلاقات، أو المعاني التي تتخلل سلوكياته"، ويرى جونسون "١٩٨١" Johnson أن التفسير يفيد المسترشدين؛ لأنه يؤدي إلى الاستبصار، والاستبصار يعتبر مفتاحا لحياة نفسية أفضل، ومقدمة لتعديل فعال للسلوك.
ويعرف كورميير وكورميير "١٩٨٥" Cormier & Cormier التفسير بأنه "عبارة أو تقرير من جانب المرشد يجدد الرابطة، أو العلاقة السببية بين السلوكيات المختلفة للمسترشد، والوقائع والأفكار، أو تقدم تفسيرا ممكنا لسلوك المسترشد "المشتمل على مشاعره وأفكاره، والتصرفات المشاهدة"، ويختلف التفسير عن استجابات الإصغاء "إعادة الصياغة والاستيضاح، والعكس، والتلخيص" في أنه يتعامل مع الجزء الضمني "غير الظاهر" من رسالة المسترشد، ذلك الجزء الذي لا يتحدث عنه المسترشد بشكل ظاهر أو مباشر. "ص١٢٤".
أغراض التفسير:
١- التفسير الفعال يمكنه أن يسهم في تنمية علاقة إرشادية إيجابية بتعزيز الانفتاح الشخصي للمسترشد، وزيادة وثوقه بالمرشد، وتوصيل اتجاهات الإرشاد للمسترشد.
[ ١٠٩ ]
٢- التعرف على العلاقات السببية أو الأنماط بين الرسائل، والسلوكيات الصريحة والضمنية للمسترشد.
٣- مساعدة المسترشدين على تمحيص سلوكهم من إطار مرجعي مختلف، أو بتفسير مختلف للوصول إلى فهم أفضل للمشكلة.
٤- تحفيز المسترشد لاستبدال سلوكه المنهزم، أو غير الفعال وإحلال سلوكيات أكثر وظيفية محلها.
وفي المعتاد فإن الإطار المرجعي الذي يستخدمه المرشد في التفسير يجب أن يتسق مع التوجيه النظري له، فالتفسير من منطلق نظرية أدلر يختلف عن التفسير من وجهة نظر التحليل الخاص بالتعاملات عنه في المدرسة المعرفية، ومن الملاحظ أن نظرية العلاج الجشطلتي تنظر للتفسير على أنه خطأ علاجي؛ لأنه ينزع المسئولية من المسترشد بينما تنمية المسئولية هدف أساسي في ذلك النوع من العلاج.
القواعد الأساسية للتفسير:
يعتبر التفسير أحد الأنشطة التي يقوم بها المرشد، والتي تساعد المسترشد على مواجهة الصراع، أو المشكلة بدلا من التصرف بدفاعية أو بالهروب منها، غير أن فاعلية هذا الأسلوب تتوقف إلى حد بعيد على مهارة المرشد في استخدامه، وتوقيته لهذا الاستخدام، وتعتبر القواعد التالية أساسية في استخدام استجابة التفسير.
١- كن دقيقا في توقيت الاستخدام، وفي المعتاد فإن مثل هذه الاستجابة تؤجل للجلسات الأخيرة، ولا تستخدم في الجلسات الأولى، حيث يحتاج التفسير إلى معلومات كافية، وكذلك فإن المرشد يستخدم هذه الاستجابة في وقت مناسب من الجلسة بحيث يكون في الجزء الأول، أو الجزء الأوسط من المقابلة، ولا يستخدمه في نهاية المقابلة.
٢- تأكد من أن تفسيرك قائم على أساس من رسالة المسترشد، وليس على أساس من تحيزاتك، أو قيمك التي تسقطها عليه، مثلا لا تسحب خبرتك مع أولادك على المسترشد".
[ ١١٠ ]
٣- انتبه إلى صياغة التفسير، ومن المفضل استخدام عبارات مثل، ربما، أو من الممكن أن، أو يبدو لي، أو إني أتساءل فهذه الأساليب تقريبية وليست قاطعة حتى لا نضع المرشد في جانب ونستحث مقاومة المسترشد، أو دفاعياته نحو التفسير.
خطوات التفسير:
١- أصغ وتعرف على المعنى الضمني لاتصال المسترشد، ماذا يقول المسترشد بشكل غير مباشر.
٢- ضع تفسيرًا يزود المسترشد بطريقة مختلفة قليلا للنظر في المشكلة، وهذا الإطار المرجعي الجديد للنظر للمشكلة يجب أن يكون نابغا من النظرية التي تستخدمها.
٣- تأكد من نظرتك للقضية أو المشكلة، وإطارك المرجعي يركزان على العوامل الإيجابية دون السلبية "التي لا يمكن للمسترشد أن يعدلها".
٤- تخير الكلمات المناسبة لصياغة التفسير، والتي تناسب كلمات المسترشد.
٥- اختبر فاعلية التفسير الذي قدمته للمسترشد عن طريق تقدير ردود فعل المسترشد له، ابحث عن علامات الإقرار غير اللفظية مثل الابتسام، وكذلك الجوانب اللفظية التي تدل على أن المسترشد يأخذ المسألة من إطار مختلف.
٤- تقديم "إعطاء" المعلومات Informationtd:
في كثير من الحالات، نجد أن المسترشد بحاجة إلى تزويده بمعلومات معينة، فعلى سبيل المثال المسترشد الذي أصيب مؤخرا بحالة عجز، أو إعاقة قد يحتاج إلى تزويده بمعلومات عن فرص التأهيل الممكنة، والطالب الذي وصل إلى نهاية مرحلة دراسية قد يكون بحاجة إلى معلومات حول الفرص التعليمية، والتدريبية المتاحة له.
يعرف كورميير وكورميير إعطاء المعلومات بأنه "الاتصال اللفظي الذي ينقل البيانات، أو الحقائق حول الخبرات والوقائع، والبدائل أو الناس" "١٩٨٥ ص١٣٠".
[ ١١١ ]
أغراض إعطاء المعلومات:
١- تعتبر المعلومات ضرورية عندما لا يعرف المسترشد الفرص، والاختيارات المتاحة، وكما يقول جيلات وزملاؤه Gelatt et al، فإن اختيارات الشخص تزداد إذا أمكنه أن يولد بدائل جديدة على أساس من معلومات.
٢- يكون إعطاء المعلومات هاما إذا كان المسترشد غير واع بالنتائج الممكنة لاختيار، أو خطة أو إجراء معين.
٣- يساعد إعطاء المعلومات المسترشد على الحكم على الاختيارات، والإجراءات المختلفة المتاحة له، ويعتبر ذلك الجانب هاما في عملية اتخاذ القرارات.
٤- يساعد إعطاء المعلومات على تصحيح البيانات غير الصادقة، أو غير المتسقة.
٥- يساعد إعطاء المعلومات المسترشدين على تمحيص المشكلات، والقضايا التي كانوا يتحاشونها.
الفرق بين إعطاء المعلومات، وإسداء النصيحة:
هناك اختلاف بين إعطاء المعلومات وتقديم النصيحة، ففي تقديم النصيحة، فإن الفرد الناصح يوصي عادة، أو يصف حلا معينا أو إجراءات معينة يتبعها من ينصت له "المنتصح"، أما إعطاء المعلومات فيشتمل على تقديم المعلومات المناسبة حول قضية أو مشكلة، ويكون القرار المتصل بالإجراءات النهائية صادرا عن المسترشد، ويوضح المثال التالي الفرق بين النصحية وإعطاء المعلومات:
المسترشد: لقد حصلت على الثانوية بمجموع مرتفع، ولكني متحير إلى أي الكليات أتجه.
المرشد "يقدم نصيحة": طالما أن درجاتك مرتفعة لماذا لا تتقدم لكلية الطب.
المرشد "يقدم معلومات": قد يكون من المناسب قبل أن تحدد الكلية التي تتقدم لها أن تتعرف على قدراتك، وميولك وبعض الجوانب الاجتماعية في حياتك، وأن تحصل على معلومات عن الفرص الدراسية المتاحة
[ ١١٢ ]
أمامك، دعنا نعد هذه المعلومات سويا لتستفيد منها في اتخاذ القرار المناسب.
وفي المثال الأول فإن المرشد قدم توصية "نصيحة" للطالب أن يلتحق بكلية الطب، أما في المثال الثاني، فإنه بدأ في تحديد المعلومات التي ينبغي على الطالب أن يعرفها.
وهناك عدة مخاطر ترتبط بإعطاء النصيحة تجعلها أشبه بالفخ الذي يقع فيه المرشدون وهي:
١- قد يرفض المسترشد هذه النصيحة، ويرفض معها أيضا كل الأفكار التي عرضها المرشد في محاولة لتأكيد استقلاليته.
٢- إذا قبل المسترشد النصيحة، وقادته هذه النصيحة إلى تصرف غير مناسب عاد عليه بنتاج سيئة، فإنه سيلقي باللائمة على المرشد، وقد ينسحب من الإرشاد قبل إتمامه.
٣- إذا تبع المسترشد النصيحة وكان سعيدا بنتيجتها، فإنه قد يصبح معتمدا بشكل واضح على المرشد، ويتوقع أو يطلب من المرشد المزيد من النصائح في الجلسات التالية:
٤- هناك احتمال أن يسيء المسترشد فهم النصيحة، وقد يسبب ضررا لنفسه، أو للآخرين في محاولته الالتزام بها.
القواعد الأساسية لإعطاء المعلومات:
إن تزويد المسترشد بالمعلومات يجب أن يكون أداة، أو وسيلة للإرشاد وليس غاية في حد ذاته، ويكون إعطاء المعلومات مناسبة بصفة عامة إذا كانت الحاجة للمعلومات ترتبط بشكل مباشر بمشكلات المسترشد وأهدافه، وكذلك عندما يكون عرض ومناقشة المعلومات وسيلة نساعد بها المسترشد على تحقيق أهدافه، ولكي ينجح المرشد في عملية إعطاء المعلومات للمسترشد، فإنه ينبغي عليه أن يأخذ في اعتباره ثلاثة جوانب أساسية تتصل بالإجابة على التساؤلات الآتية: متى نقدم المعلومات؟ ما هي المعلومات التي يحتاج إليها المسترشد؟ وأخيرا كيف تقدم هذه المعلومات؟
[ ١١٣ ]
وبالنسبة للسؤال الأول "متى نقدم المعلومات"؟ فإنه يتصل بالتعرف على حاجة المسترشد للمعلومات، فإذا كان المسترشد ليس لديه البيانات الكافية، أو كانت البيانات التي لديه يعوزها الصدق، فإنه تكون هناك حاجة للمعلومات، ولكي تكون المعلومات فعالة، فإنها ينبغي أن تعطى للمسترشد في الوقت المناسب، فإذا أعطيت المعلومات قبل وقت الحاجة إليها، فإن المسترشد قد يهملها أو يتجاهلها.
أما ما يتصل بالسؤال الثاني "ما هي المعلومات التي نقدمها"، فهو يتعلق بتحديد المعلومات المفيدة، والمناسبة للمسترشد، وتكون المعلومات مفيدة عندما تكون غير متوافرة للمسترشد، وكذلك إذاك ان لديه الإمكانيات، لأن يستفيد منها، كذلك ينبغي أن نقدم المعلومات الهامة أولا حيث إن الفرد تكون قابليته للتذكر أكبر بالنسبة للأسبق في الترتيب من المعلومات، كذلك يحسن بالمرشد ألا يفرض أنواعا معينة من المعلومات على المسترشد الذي يلمس فيه الإحساس بالمسئولية.
أما "كيف نقدم المعلومات؟ " فإنه جانب هام يتصل بتقديم المعلومات داخل المقابلة الإرشادية، ويجب أن تناقض المعلومات بطريقة تجعلها مفيدة للمسترشد، وأن نشجعه على أن يتلقى المعلومات ويستفيد بها، كذلك ينبغي على المرشد أن يقدم المعلومات بصورة موضوعية، وألا يتجنب المرشد الحقائق لمجرد أنها مؤلمة، كما يحسن عدم إعطاء كمية كبيرة من المعلومات في الجلسة الواحدة، ذلك أن طاقة المسترشد في استيعاب المعلومات محدودة، وكلما زادت كمية المعلومات المعطاة دفعة واحدة، قل تذكرها ولهذا يفضل تجزئة المعلومات على عدة مرات.
ويجب أن يدرك المرشد أن المعلومات تختلف فيما بينها في العمق، وقد يكون لبعضها تأثير انفعالي على المسترشد، وفي العادة فإن المسترشد لا يصدر عنه رد فعل انفعالي إزاء المعلومات البسطية نسبيا، أو المتصلة بحقائق مثل المعلومات الخاصة بإجراءات الإرشاد، أو المعلومات المتعلقة بالتاريخ الوظيفي للمسترشد، ولكن المسترشد قد يستجيب بغضب أو قلق، أو الارتياح للمعلومات المتسمة بالعمق مثل نتائج اختبار، حاول أن تسأل عن رد فعل المسترشد تجاه المعلومات وأن تناقشه، حاول أيضا أن تزيد
[ ١١٤ ]
من تفهم المسترشد للمعلومات التي قدمتها له، استخدم الورقة والقلم في تقديم المعلومات، واستعن برسم خطوط وتوضيح العلاقات بالنسبة للنقاط الهامة، أو اجعل المسترشد يستخدم الورقة، والقلم في هذه العملية لتحديد النقاط الرئيسية، حاول أن تحصل من المسترشد عن انطباعاته حول المعلومات التي قدمتها له، وأن تراجع معه هذه المعلومات بأن يلخصها، أو يكررها مرة أخرى على مسامعك، حاول أن تحدد أيضا الوقت الذي تتوقف فيه عن التعامل مع المعلومات؛ لأن الاستمرار في تقديم المعلومات سيشجع ميل المسترشد لتأجيل أو تجنب اتخاذ إجراء مناسب.
خطوات إعطاء المعلومات:
هناك ست خطوات أساسية في عملية تحديد متى، وماذا وكيف نقدم المعلومات.
١- قدر المعلومات التي يحتاجها المسترشد بالنسبة للمشكلة التي لديه.
٢- حدد أكثر الجوانب أهمية لتشملها في عرضك للمعلومات.
٣- حدد كيف يمكنك ترتيب المعلومات في تتابع بطريقة تيسر فهم المسترشد وحفظه.
٤- خذ في اعتبارك كيف يمكنك أن تقدم المعلومات بطريقة يمكن للمسترشد أن يفهمها بها.
٥- قدر التأثير الانفعالي "النفسي" الذي يمكن أن تحدثه المعلومات على المسترشد.
٦- حدد مدى فاعلية عملية إعطاء المعلومات التي قمت بها، وذلك من خلال التعرف على ردود فعل المسترشد تجاهها، وكذلك مدى استخدامه لها في الجلسات التالية.
[ ١١٥ ]