"لا زلنا في هذه الطريقة نحاول أن نعبر بين نقطتين، وهاتان النقطتان تبقيان كما هما في الجسر الإحصائي -فعند أحد الطرفين توجد البيانات الخاصة بمسترشد "من الاختبارات، أو سجلات المدرسة أو المقابلات"، وعند الطرف الثاني توجد
المواقف، أو الأنشطة التي يأخذها الفرد في اعتباره للالتحاق بها، أو الانضمام إليها "برنامج كلية، مهنة، زواج، علاج نفسي"، والنموذج الأساسي هو نفسه: فنحن نقف عند طرفي نهر ومعنا المسترشد، نحاول أن نساعده على استكشاف الطرف الآخر "الشاطئ الثاني" للنهر بحيث يمكنه أن يقرر: أي من المجتمعات في الشاطئ الثاني يمكنه أن يعيش فيه، ويكون السؤال الذي نطرحه: أي الجسور يناسب حاجتنا بشكل أفضل؟
ولكن في الواقع أن الموقف يكون أكثر تعقيدًا حيث لا يقودنا أي جسر إلى الأماكن التي نأخذها في الاعتبار، وإنما فقط إلى نقاط يمكن أن نرى منها هذه الأماكن بل، وفي
[ ٢٢٩ ]
بعض الأوقات لا تكون الرؤية واضحة تمامًا، وأكثر من ذلك أنه في الشاطئ المقابل لا يمكن للمرء أن يميز بشكل جيد بين الجسور، بحيث إنه في كل مرة يكون المرء قد رأى المنظر من النهاية البعيدة للجسر الإحصائي أو الإكلينيكي، وأن عليه أن يعود إلى هذا الجانب من النهر، ولكي يرى منظرا آخر من الريف، فإن عليه أن يعبر جسرا آخر، ويمكن للمرشدين أن يساعدوا مسترشديهم لتحديد الجسور، لكي يقوموا برحلات العبور، ولكي يحاولوا أن يروا مناظر مختلفة من الجانب الآخر، للوظائف، للكليات أو لأي جانب، وفيما بعد فإن على المسترشد أن يقوم برحلاته على مسئوليته الخاصة، بدون توجيه من المرشد، ولكن في تلك الحالة يكون قد عرف كيف يدخل إلى المجتمع، "انظر شكل ١١"، ولما كانت عملية العبور وحدها هي التي تفرق بين الطريقتين الأساسيتين "الإحصائية والإكلينيكية"، فإن القائم بالتفسير يحتاج إلى المهارات الأساسية نفسها لكلا الجانبين.
ففي جانب منها عليه أن يعرف اختباراته "والمصادر الأخرى للبيانات"، وطبيعتها وخصائصها والمعايير، واستخداماتها، ومع العبور إلى الشاطئ الثاني يجب عليه أن يعرف جانبا كبيرًا عن الأرض هناك، والأنشطة، وأساليب المعيشة، وكما سنرى فيما بعد فإن الطرق الإكلينيكية تتطلب من المرشد مزيدا من المهارات عما تتطلبه الطرق الإحصائية "جولدمان ١٩٧١، ص١٩٦ Goldman"، بهذا التصوير بدأ جولدمان حديثه عن الطريقة الإكلينيكية، أو الجسر الإكلينيكي لتفسير الاختبارات.
خطوات التفسير الإكلينيكي:
تشتمل الطريقة الإكلينيكية على سلسلة من الاستنتاجات الاستنباطية، والاستدلالية التي تزداد تعقيدا مع التقدم في التفسير "انظر شكل ١٤"، وكما هو واضح في الشكل، فإن العملية تبدو منطقية ومثالية، ولكن الواقع ليس بهذه المنطقية ولا بهذه المثالية، وإنما يمثل كما يقول جولدمان "١٩٧١، ص١٩٦" نشاطا عقليا أقل منطقية وتنظيما، وأكثر اعتمادا على الحدس والاختلاف، مع قفزات متكررة إلى الإمام، وإلى الخلف بين المراحل".
[ ٢٣٠ ]
وتبنى عملية التفسير الإكلينيكي على بناء نموذج تصويري للشخص، أو كما يسميه البعض، شخص افتراضي Hypothetical Person، أو تكوين فرضي إكلينيكي Clinical consruct، أو تصوير للشخص Conception of a person أو صورة للمسترشد Picture of conunslee، أو نظرية شخصية Personal theory، وهذا النموذج الذي يشبه واقع الحياة بقدر الإمكان نقارنه مع المواقف المختلفة، أو الأنشطة التي على الشاطئ الثاني "الوظائف، الكليات، إلخ" وتصاغ الأحكام حول كيفية احتمال أن يتفاعل الاثنان معا "الشخص والموقف".
وينبى النموذج من خلال سلسلة من الخطوات تبدأ باستدلالات استقرائية من بيانات الفرد، ثم مقارنة الاستدلالات مع بعضها البعض مع الإبقاء على المتوافق منها ورفض، أو تعديل الأخرى لوجود تعارضات بها، ثم اختبار كل استدلال مع بيانات جديدة، ومن ثم التحرك إلى الخطوة التالية لإعداد فروض تجمع عدة استنتاجات مع بعضها في نمط أوسع، وهذه الفروض تختبر من حيث الاتساق مع غيرها من الفروض حول الشخص، وكذلك مع بيانات جديدة لنرى ما إذا كانت الفروض تقبل هذه البيانات، وعند هذه النقطة يقابل المرشد واحدًا من أكبر التحديات لمرونته، حيث يجب أن يكون قادرًا على أن يتوقف عن، أو على الأقل يعدل من الفرض في مواجهة البيانات المتعارضة، ويمثل هذا الموقف كما يقول بيبنسكي "١٩٥٤" Pepinsky إحدى الفرص التي يعمل فيها المرشد بوصفه مرشدًا وبوصفه عالما، حيث إنه في الوقت الذي يسعى فيه أن يساعد المسترشد، فإنه يحاول أيضا أن يحتفظ بالاتجاه العلمي، والذي يتمثل في التخلي عن الفرض الذي لا تثبت البيانات الإمبيريقية صحته، وعند هذه النقطة يكون هناك تفكير استدلالي deductive مؤداه: إذا كان هذا الفرض صحيحًا، فحينئذ يترتب عليه أن نحصل على كذا وكذا في الدراسة الأعمق للحالة، فإذا أخفقنا في العثور على "كذا-وكذا"، ووجدنا عكسه فإننا نضطر إلى إثارة تساؤلات حول هذا الفرض.
[ ٢٣١ ]
شكل "١٤" شكل تخطيطي للعملية الإكلينيكية للتفسير "عن جولدمان ١٩٧١ ص١٩٦".
ويخلص فيرز "١٩٧٩" Phares في حديثه عن الطريقة الإكلينيكية لتفسير نتائج الاختبارات إلى القول:
إن التفسير الإكلينيكي يشتمل حينئذ على الإدماج القائم على حساسية لكثير من مصادر البيانات في صورة متسقة عن المسترشد "أو المريض"، كما أنها تحقق وظيفة توليد الفروض، والتي تساعد فيها نظرية جيدة للشخصية، ويفضل البعض مثل ساربين وتافت وبايلي "١٩٦٠" Sarbin، Taft & Baily أن يركزوا على التفسير الإكلينيكي كنوع من اختبار الفروض الذي يشترك في كثير مع الاستنتاج بالقياس المنطقي Syllogtisic، وهم يصفون الفرز التصنيفي على أن عملية استنتاج تتحرك خلال سلسلة من المراحل تصاغ خلالها الفروض وتختبر.
وبغض النظر عن نظرتنا للتفسير على أنه يبنى على الفرز التصنيفي، أو على الحدس فإن الأمر يتطلب من المرشدين أن يظهروا الجوانب التي تدخل في أحكامهم
[ ٢٣٢ ]
"عن جولدمان ١٩٧١ ص١٤٧".
شكل "١٦" بعض العناصر في عملية التفسير.
"عن جولدمان ١٩٧١ ص١٤٥".
[ ٢٣٣ ]
وكيف وصلوا من المقدمات إلى الخلاصات، ولا يكفي أن نكون متخصصين إكلينيكيين على مستوى، عال وإنما نحن مسئولون عن نقل مهاراتنا للآخرين سواء كان تحركان، ومرورنا في حاسبات آلية أو عن طريق الحدس". Phares، ١٩٧٩ p ٣٠٢.
[ ٢٣٤ ]