الفصل السابع: الملاحظة واستخدامها في الإرشاد
تعتبر الملاحظة أداة هامة في حياتنا اليومية، ذلك أن كلا منا يقف في عدة مواقف ربما في اليوم الواحد، ويشاهد فيها ما يحدث من سلوكيات، وأنشطة يقوم بها الآخرين، وقد يركز على جانب منها لسبب ما.
وقد مر بنا عند الحديث عن السلوكيات غير المنطوقة "غير اللفظية" أنها تلعب دورًا كبيرًا بالنسبة للمرشد والمسترشد على سواء، فكل منهما يلاحظ الآخر بعينيه في الوقت الذي يصغي فيه إليه بأذنيه وقد توصل الملاحظة سلوكا غير الذي وصله السمع، والملاحظة شأنها شأن المقابلة تعتبر وسيلة شائعة في الحصول على المعلومات حول الأشخاص في مواقف مختلفة للاستفادة بهذه المعلومات في عملية الإرشاد بمراحلها المختلفة، والملاحظة بطبيعتها تركز مباشرة على الحاضر بينما تعكس المقابلات الماضي، أو على الأصح الماضي كما ينعكس على الحاضر، ونحن نستخدم الملاحظات للوصول إلى استنتاجات أيضا حول الماضي وحول المستقبل فالطبيب الذي يرى علامات جروح على رسغ المريض يخمن أنه قد حاول الانتحار في الماضي، وأنه قد يقوم بمحاولة أخرى في المستقبل، والملاحظة والمقابلة تكمل كل منهما الأخرى، فالمرشد قد يلاحظ تكاسلا في مشية أحد الطلاب، ثم يقابله فيما بعد ليتعرف على حالته الصحية.
والملاحظة كما يقول زهران "١٩٨٠" هي ملاحظة الوضع الحالي للعميل "المسترشد" في قطاع محدد من قطاعات سلوكه، وتسجيله لموقف من مواقف سلوكه، وتشمل ملاحظة السلوك في مواقف الحياة الطبيعية، ومواقف التفاعل الاجتماعي بكل أنواعها: في اللعب والعمل، والراحة والرحلات والحفلات، وفي مواقف الإحباط والمسئولية
[ ٢٦٧ ]
الاجتماعية والقيادة، والتبعية والمناسبات الاجتماعية بحيث يتضمن عينات سلوكية لها مغزى في حياة العميل "المسترشد"١ "ص١٧٣".
والملاحظة التي تهمنا في الإرشاد هي تلك الملاحظة المنظمة التي يحاول فيها المرشد، أو غيره "المدرس -الوالد- أو المسترشد نفسه" أن يجمع معلومات عن سلوك معين على النحو الذي يحدث فيه في الموقف الذي يحدث فيه، وتسجيل هذا السلوك.
يرى سندبرج "١٩٧٧" Sundberg أنه من الممكن أن نصنف طرق التقدير باستخدام الملاحظة حول إجابتنا على أربعة تساؤلات هي: أين، وماذا، وكيف، ومتى؟ ويدل التساؤل بأين على أهمية الموقف الذي تجري فيه الملاحظة، وأهم الأبعاد في مواقع الملاحظة هو كمية الضبط الذي يمارسه الملاحظون سواء كان هذا طبيعيا، أو موقفا مقلدا أو موقفا مختبريا.
وفي المستوى الأدنى من الضبط الخارجي، فإن الملاحظات تتم في المواقع الطبيعية، حيث تكون هناك ملاحظات ميدانية لحياة الشخص الذي نلاحظه، وتأتي أكبر الإسهامات العلمية في محاولة جعل الملاحظة الميدانية أسلوبا علميا صادقا من العالم النفسي روجر باركر "١٩٦٨" Barker، والذي كانت إسهاماته في مجال النظرية، والتحليل قائمة على ما سجله الملاحظون عن سلوك الأطفال، وقد دعا باركر إلى دراسة أيكولوجية٢ السلوك، ويعتبر مؤسس علم النفس الإيكولوجي Ecological Psychology.
إن دراسة السلوك في بية معينة أمر هام، وقد ثبت من الناحية العملية أهمية دراسة سلوك الفرد في إطار أسرته، وتفاعلات هذه الأسرة، وقد ازدادت أهمية استخدام الملاحظة في دراسة السلوك نتيجة لإدخال قواعد السلوكية في العلاج والإرشاد، وعلى الرغم من اهتمام الباحثين النفسيين بالسلوك في الحياة الواقعية، فإن الأغلبية العظمى من بحوثهم، وقياساتهم تتم في المختبرات والعيادات ومكاتب الإرشاد وحجرات الدراسة، ويرجع السبب في ذلك إلى أن الملاحظات الميدانية غير مريحة، وهي أيضا مكلفة كما أن نتائجها قد تكون معقدة ومشوشة في بعض الأحيان، وهناك درجات مختلفة من التحكم، أو الضبط في المواقف غير الميدانية، ففي المستوى المستوى من الضبط تتم الملاحظات في بيئة
_________________
(١) ١ الكلمات بين الأقواس ليست في المرجع الأصلي. ٢ الأيكولوجيا أو علم التبيؤ هو العلم الذي يهتم بدراسة العلاقة بين الكائنات والبيئة.
[ ٢٦٨ ]
مقلدة "اصطناعية"، ومثل ذلك ما يحدث عند استخدام عينات عمل، Work Samples، وكذلك ما يعرف بالاختبار الموقفي Situational test حيث يعد موقف شبيه بالموقف الحقيقي، ويعطي الفرد مهمة ليقوم بها، وهناك كثير من أنواع مواقف أداء الدور "مثلا ما يتبع في تدريب الطلاب على المقابلات في برامج الإرشاد، أو تدريبهم على الخطابة، وملاحظتهم أثناء ذلك لتقويم أدائهم".
أما أكثر المواقف ضبطا، فهو موقف المختبر حيث تستخدم غرف معزولة ضد الصوت، ومحجوبة عن الضوء الخارجي، لمنع المنبهات الخارجية، ويحاول الباحث هنا أن يضبط كل المنبهات ما عدا تلك التي يدرسها.
وكل من المواقف الثلاثة: الميداني أو المقلد، أو المختبر له ميزاته وله أيضا عيوبه، ويحتاج الموقف الأول منها إلى إجراءات لتحقيق الصدق الذي يعتبر الآن أضعف نقاط هذا النوع من المواقف التي تتم فيها الملاحظة.
أما السؤال الثاني حول الملاحظة، ماذا؟ فهو يشتمل على عدة قرارات: هل سيقوم الملاحظ بملاحظة شخص واحد، أم عدة أشخاص؟ كل الموقف أم جانب منه؟ كيف ستكون الملاحظة انتقائية؟ وأحد الطرق التي نركز فيها على جانب معين هو التركيز على جانب فقط من المحتوى أي ما يحدث، وكذلك يمكن أخذ عينة لوقت محدد، وتعرف الطريقتان بمعاينة الأحداث "أي عينة من الأحداث" event Sampling، ومعاينة الزمن "أي أخذ عينة من الزمن" Time Sampling.
وفي الطريقة الأولى وهي الاهتمام بجانب، أو عينة من الأحداث فإن الملاحظ يسجل مجموعة من السلوك فقط "نوع واحد" مثلا التصرفات العدوانية، فإذا كنا نلاحظ طالبا ما أثناء لعبة في فناء المدرسة، فإن الملاحظ سيسجل "يعد"، أو يصف كل مرة أتى فيها بتصرف عدواني -ضرب- ميضايقة -استغلال- نحو تلميذ آخر أو تلاميذ آخرين، أما في الطريقة الثانية فإن الملاحظة يسجل ما رآه كل فترة زمنية معينة -على سبيل المثال في فناء المدرسة سيسجل الملاحظ ما قام به ذلك التلميذ كل خمس دقائق، سواء كان يضرب شخصا آخر، أو يلعب متعاونا مع غيره، أو يجلس بمفرده.
ويرتبط بطريقة تناول عينة من الأحداث ذلك الأسلوب البحثي الذي اقترحه فلاناجان "١٩٥٤"، ويعرف بأسلوب الحادث الحرج Critical incident technique-، وتتطلب هذه
[ ٢٦٩ ]
الطريقة أن يقوم ملاحظ بتسجيل المرات التي حدث فيها السلوك الذي يدل على أداء جيد، أو أداء سيئ ويتم التسجيل على مستوى يومي، وعقب حدوث السلوك بقدر الإمكان، فقد يطلب المرشد من أحد المدرسين أن يسجل له أمثلة من تعاون الطالب، أو مخالفته على مدى أسبوعين أو ثلاثة.
وإذا انتقلنا إلى السؤال الثالث: كيف: كيف تتم الملاحظة؟ نجد أن هذا السؤال أيضا له أهميته، فقد يشتمل ذلك على التسجيل بالوسائل الآلية مثلا أجهزة التسجيل الصوتي، أو الفيديو بحيث يمكن للمرشد أن يستمع إليها أو يشاهدها، ويرتبط بهذا الجانب، أم أنه لا يكون ظاهرًا له؟ وعندما يكون الشخص القائم بالملاحظة ظاهرا لمن يلاحظهم، ويأخذ دورا معهم في نشاطهم، فإن هذا النوع من الملاحظة نطلق عليه الملاحظة بالمشاركة Participant observation، وهذا النوع من الملاحظة يعتبر وسيلة هامة في الدراسات الأنثروبولوجية، حيث -على سبيل المثال- قد يمضي أحد الباحثين الأنثروبولوجيين١ بضعة أشهر مع إحدى القبائل التي يقوم بدارستها، وقد يشترك أحد المرشدين مع الطلاب في ألعابهم بينما يقوم بملاحظتهم، وعندما يقوم الباحث بهذا النوع من الملاحظة "الملاحظة بالمشاركة"، فقد يكون من الأفضل أن يؤجل كتابة ملاحظاته، وتسجيل التصرفات لحين انتهاء النشاط، وقد يكون القائم بالملاحظة ظاهرا لمن يلاحظهم، ولكنه لا يشترك معهم في صورة تفاعلية، وفي مثل هذه الحالات التي تكون الملاحظة فيها غير مشتملة على مشاركة يمكن الاستفادة بوسائل التقنية الحديثة -وعلى سبيل المثال يجري متابعة ضربات القلب لأحد المرضى في منزله، وفي العمل من خلال جهاز صغير، وذلك عبر موجات الراديو، ويعرف هذا الأسلوب بالقياس عن بعد Telemetry.
_________________
(١) ١ الأنثروبولوجيا: هو علم دراسة الإنسان.
[ ٢٧٠ ]