إننا - معشر البشر - لم نهبط إلى الدنيا ونمض فيها ما نمضي من السنوات لنأكل أو لنشرب أو لنتزوج وتكون لنا ذرية .. بل لأمر عظيم أبت السماوات والأرض أن تحمله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
إنه اختبار في عبادة الله ﷿ بالغيب في ظل تمتعنا بحرية الاختيار، ومع وجود النفس الراغبة في نيل الشهوات، وحب العاجلة.
وشاء الله ﷿ أن تكون الأرض هي مكان هذا الاختبار .. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧].
[ ٢١ ]
وحدد لنا ﷾ شكل العبودية التي يريدها منا من خلال منهج وأدوات، وجعل المنهج ميسرا وسهلا: تكاليف قليلة، أوامر ونواه ضمَّنها كتابه، وشرحها رسوله ﷺ، أما الأدوات فهي ما يُعطيع - سبحانه - لعبده أو يمنعه عنه .. فيُعطي بعضهم أشياء مثل المال، الصحة، المنصب، ويمنعها عن آخرين ..
والهدف من العطاء: الشكر. ومن المنع: الصبر .. فمن أعطي مالا ولم يشكر الله عليه فقد رسب في هذا الاختبار، ومن حُرم الأولاد فصبر ورضي فقد نجح وحقق المطلوب منه.
فالعبد الصالح يستقبل العطاء، أي عطاء، مستشعرا قول الله ﷿: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٤٠].
والآخر يستقبله وهو يردد ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩]، وهو لا يدري أنه اختبار ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩].
ويُذكرنا الله ﷿ أنه ليس لأحد أن يملك شيئا من الدنيا، فكل عطاء مُسترد، وسنخرج منها كما دخلنا فيها، فالله ﷿ سيرث الأرض ومن عليها من ذهب وفضة و فما علينا إلا أن نردد ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦].