ومما ساعد القرآن على إحداث هذا التغيير في جيل الصحابة حُسن تعاملهم معه بعد أن فهموا المقصد من نزوله.
ولقد كان أستاذهم وقدوتهم في ذلك محمدا ﷺ، فلقد عايش رسول الله ﷺ القرآن بكل كيانه وانصبغت حياته به، فكان قرآنا يمشي على الأرض.
فلقد سئلت السيدة عائشة ﵂ عن خُلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خُلقه القرآن، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه (١).
وجاءت سنته شارحة للقرآن وموضحة له، بل إن الإمام الشافعي عليه رحمة الله يقول بأن كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن (٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين برقم (٧٤٦).
(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٤).
[ ٦٠ ]
وكانت قراءته ﷺ للقرآن قراءة متأنية مترسلة .. تقول السيدة حفصة ﵂ كان رسول الله ﷺ يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها (١)، وكان ﷺ يقف عند المعاني متأملا ومعتبرا، فإذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ.
عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح بالقرأة فقرأها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع (٢).
بل إنه ﵊ قام ليلة بآية واحدة حتى أصبح يرددها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣) [المائدة: ١١٨].