أما العقل: فلقد جعله ﷾ محلًا للعلم والمعرفة، به كرَّم الإنسان على سائر مخلوقاته، وأودع فيه من الأسباب والقدرات ما يمكنه من الوصول إلى معرفته بدرجة لم يصل إليها مخلوق من قبل، وليس أدل على هذا من تلك الاختراعات التي وصل إليها العقل كالحاسب الآلي ومركبات الفضاء إلخ.
_________________
(١) سيتم بمشيئة الله بسط القول في هذا الموضوع في الفصل الثالث: القرآن والتغيير.
[ ١٨ ]
والأمر اللافت للانتباه أن الأبحاث الحديثة قد أثبتت أن الإنسان لا يستخدم إلا جزءا يسيرا من قدراته العقلية، فلا تزال في العقول إمكانات هائلة معطلة ..
ولا شك أن أي عاقل لا يستخدم عقله ولا يستفيد مما حباه الله به قد أهان نفسه، وسفهها بحرمانها فائدة هذا العضو الشريف.
نعم، إن الناس يتفاوتون في قدرات عقولهم، ومع هذا التفاوت فإن الحد الأدنى عند كل عاقل كفيل بأن يُعينه على معرفة الله ﷿.
من هنا نجد أن القرآن يُعلي من شأن العقل، فتراه يستحث قارئه على استخدامه، فنجد الكثير من الآيات تنتهي بقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
ولأجل أن يستخدم الإنسان عقله في الوظيفة التي خُلة لها نجد القرآن يدعوه إلى تحرير هذا العقل من أسر التقاليد والأعراف الخاطئة، مثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٣، ٢٤].
فتحرير العقل واستخدامه فيما خُلق من أجله مع ضبطه بضوابط الشرع من أهم الوظائف التي يقوم بها القرآن، فمن خلال الفكر الصحيح يصل المرء إلى صحة النقل، فقضية الوحدانية على سبيل المثال خاطب فيها القرآن العقل، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤].
فالقرآن إذن يُعرِّف الإنسان بقيمة عقله ويُعلي من شأنه، ويحترمه ويدعوه إلى استخدامه في التفكر، وفهم المقصود من الخطاب، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦].
والقرآن كذلك يعرض صورا لأناس أهانوا عقولهم، وعطلوها، فأصبحوا شر الدواب، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢].