إليك مثال آخر يوضح طريقة القرآن في مزج القناعة العقلية بالعاطفة القلبية.
يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].
_________________
(١) البيهقى فى الدلائل، وابن عساكر، والضياء، وفي كنز العمال (٣٥٤٢٨).
[ ٤٥ ]
فهذا خطاب موجَّه للعقل يحمل تحديًّا معجزًا ولكن هذا وحده لا يكفي لحدوث الرضا القلبي، بل لابد من هزِّ القلب، وإثارة مشاعره، وهذا ما نجده في الآيات التالية للآية السابقة: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٤ - ٢٥].
فامتزاج الفكر بالعاطفة هو طريقة القرآن الفريدة في تحويل وجهة القلب إلى الله ﷿، لينتظر القلب بعد ذلك فضل الله ﷾ في إدخال نور الإيمان إليه.