بالرغم من اتباع الغالبية العظمى من الناس لعدو الله إبليس، ونبذهم عبادة ربهم إلا أنه ﷾ لم يشأ أن يعاقبهم على ذلك بحرمانهم مما حباهم به، فنعمه عليهم مستمرة، ورعايته لهم قائمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].
لا يتربص بهم، ولا يأخذهم حال معصيتهم ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٦٧].
بل يُمهلهم ويُعطيهم الفرصة تلو الفرصة ليعودوا إليه قبل فوات الأوان ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١].
يصبر عليهم وهم يتمادون في العصيان والكفر .. يحلم بهم لعلهم يفيقون ويثوبون إلى رشدهم .. يُمسك السماوات أن تقع على الأرض والبحار من أن تُغرقها غضبًا منها على العصاة ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١].
لم يتركنا نواجه الشيطان بمفردنا، بل جعل لكل منا ملكًا يحضُّه على فعل الخير.
[ ٧ ]
قال ﷺ: " في القلب لمَّتان: لمة من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله سبحانه وليحمد الله، ولمَّة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق، ونهي عن الخير، فمن وجد ذلك فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم تلا قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ (١) [البقرة: ٢٦٨].
ومن صور رحمته وحبه لعباده أنه - ﷾ - قد جعل باب التوبة مفتوحًا أمام الجميع، فلا يُغلقه أمام الإنسان - أي إنسان - إلا في اللحظات الأخيرة من حياته، وعند نزع الروح، وانتهاء فترة الامتحان.