ومع عبادة الكون كله لله وتسبيحه الدائم له، فإنه ﷾ أراد أن يخلق مخلوقًا جديدًا يعبده باختياره بعد أن يُعطيه عقلًا لا يوجد مثله في سائر مخلوقاته، ويودع فيه من الملكات والمقومات ما يستطيع من خلالها أن يصل لمعرفة الله ﷿، لدرجة لم يصل إليها مخلوق آخر - بما في ذلك الملائكة - وبجانب هذا العقل جعل له ﷾ نفسًا تُحب الشهوات، ولا تنظر إلى عواقب الأمور .. تُريد أن تاخذ حظها من كل عمل يقوم به هذا المخلوق .. تُحب الراحة، وتكره التكليف.
وبين العقل والنفس يوجد القلب الذي يُعد بمثابة الملك: يُصدر الأوامر فُيسمع له الجميع ويطيع .. ففيه مركز القيادة والإرداة واتخاذ القرار، ولقد خلقه الله ﷾ بإرادة حُرَّه، وأعطاه مزية حرية الاختيار، وطالبه بعبادته في الغيب في ظل هذه المعطيات.
أخبر ﷾ الملائكة هذا الأمر ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].
فاستعظمت الملائكة أن يوجد مخلوق لا يعبد الله عبودية تامة كبقية الخلائق، وأن يوجد مكان في الوجود يُعصى فيه الإله ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
[ ٤ ]
ثم بيَّن ﷾ للملائكة قدرات هذا المخلوق الجديد، وإمكانيات عقله ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٣].
وطلب ﷾ من الملائكة السجود لآدم تشريفًا وتكريمًا له .. فانصاعت الملائكة للأمر إلا إبليس رفض التنفيذ ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
كيف لمخلوق يرى الله ﷿، وآثار قوته وقدرته وقهره أن يرفض له أمرًا؟!
لكنه الكبر والحسد، فعندما سأله المولى ﷿ عن سبب رفضه للسجود ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].
فكان العقاب الأليم: اللعن والطرد من رحمة الله والعقوبة بالحبس الأبدي في النار ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨].