ما من معلومة ترسخ في اللاشعور إلا وتمر عليه من خلال الشعور أو العقل المُدرك .. مع العلم أن كل فكرة نعتقد بصحتها حتى لو كانت خرافة فإن اللاشعور يقبلها دون مناقشة، أما رسوخها فيه لتُصبح يقينا ومُنطلقا للفعل التلقائي فهذا يحتاج إلى تكرار مرورها إليه من العقل المُدرِك وإليك بعض الأمثلة التي تُوضح ذلك الأمر:
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١/ ١١٤).
(٢) مجلة الإعجاز العلمي - العدد التاسع - صفر ١٤٢٢هـ - ص (٢٣، ٢٤) بتصرف.
(٣) الداء والدواء لابن القيم (١٧٠، ١٧١).
[ ٣٩ ]
عندما نتعلم أحكام تلاوة القرآن فنحن نتعلمها بالعقل المُدرِك، وبالمداومة على تطبيقها ترسخ هذه المعلومات في اللاشعور، فيُطبِّق المرء الأحكام دون تفكير فيها، وقد ينسى القارئ نَص الحكم التجويدي ومع ذلك يستمر في تطبيقه بصورة صحيحة.
والذي يتعلم قيادة السيارة فإنه يتعلمها بالشعور، ثم بالمداومة والممارسة ترسخ المعلومات في اللاشعور، مما يجعله يقود سيارته دون تفكير، وقل مثل هذا على الذي يتعلم الكتابة على الكمبيوتر والذي لا يستطيع في البداية كتابة حرف دون النظر إلى مكانه في لوحة الحروف، وشيئًا فشيئًا يستطيع الكتابة وهو ينظر إلى الآخرين.
إذن فتحول المعلومة من الشعور إلى اللاشعور وثباتها فيه يحتاج إلى تكرار التفكير فيها واسترجاعها بين الحين والآخر وإلَّا تلاشى وجودها شيئا فشيئا .. فكم من مهارات وأعمال وأناشيد وجُمَل مأثورة تعلمناها في الصِغر ودخلت اللاشعور، ثم تلاشت منه أو كادت بسبب إهمالها وعدم استرجاعها كل فترة.
من هنا تأتي أهمية الممارسة العملية المتكررة المعبرة عن الأفكار التي نُريد ترسيخها في اللاشعور، ولعلنا نلمح هذا المعنى من تأكيد رسولنا ﷺ على أهمية المداومة على العمل - وإن قَلَّ - ليظل مدلوله راسخا في اللاشعور.
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ» (١).