هداية القرآن للإنسان تتم من خلال كشفه وإنارته لكل الجوانب التي تتعلق بحركة الإنسان الخارجية، وكذلك كل ما يوجد بداخله من جوانب غامضة، وأسئلة حائرة، وتصورات خاطئة. فالقرآن يكشف هذه الجوانب، ويوجهها الوجهة الصحيحة، وهو ما يعبر عنه " بسُبل السلام "، فهدفه الأساسي الوصول بمن يتبعه إلى بر الأمان في كل ما يتعلق به من أمور الدنيا قبل الآخرة.
يقول تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].
فمن خلال القرآن يحدث الانسجام بين المرء وفطرته المجبولة على عبادة الله ﷿، وبه يحدث السلام بينه وبين نفسه، وبينه وبين من حوله من أفراد، وكذلك مع الكون المحيط به، ومع كل ما في يديه من أدوات مثل الأولاد والمال.
هذا على سبيل الإجمال.
أما على سبيل التفصيل: فعندما يوجد الإنسان في الدنيا، ويبدأ عقله في النمو والتمييز والإدراك، ويصل إلى سن البلوغ، فمن الطبيعي أن تتوارد على عقله تساؤلات كثيرة تتردد داخله من مثل هذا النوع وغيرها:
١ - من الذي خلقني وخلق الناس جميعًا؟ ما اسمه، وكيف أتعرف عليه، وما الدليل الذي يؤكد على أنه الخالق، فهناك الكثير من الآلهة المزعومة؟! [من هو الله؟].
ولماذا خلقني هذا الإله، وميزني عن سائر ما أجد من مخلوقات؟ ما المطلوب مني؟! [واجبات العبودية].
٢ - اسمع عن شخص اسمه محمد ﷺ، قد أرسله الله ﷿ إلى البشر، معه رسالة منه - سبحانه - فمن هو هذا الرسول، وما دوره، وما طبيعة رسالته التي يحملها؟
٣ - أرى الناس تتسابق على جمع المال، وعلى التمتع بما في الدنيا من زينة، ومع ذلك أراهم يموتون دون أن يأخذوا من دنياهم شيئًا، فلماذا إذا يتكالبون عليها؟
وأرى كذلك أُناسًا قد حُرموا الغنى، وآخرين حُرموا الصحة، وآخرين حُرموا الأولاد ..
فلماذا لا يكون الجميع سواسية؟ وماذا بعد الموت؟ [قصة الوجود].
_________________
(١) حديث صحيح: أخرجه أحمد (٤/ ١٨٢، رقم ١٧٦٧١)، والحاكم (١/ ١٤٤، رقم ٢٤٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٣٨٨٧).
[ ١٣ ]
٤ - أشعر بنوازع ودوافع تدفعني إلى الفجور، والاستئثار بكل خير والتطلع لما عند الآخرين، وأشعر كذلك بصوت من داخلي يؤنبني على بعض ما أفكر فيه وأقوم به .. فمن أنا؟ وما الذي يحدث بداخلي؟ وكيف تهدأ أمواج الخواطر والتطلعات، وأحلام اليقظة التي تضطرم في كياني؟ [من هو الإنسان].
٥ - أشعر في بعض الأحيان وكأن هناك من يدفعني لفعل الشر، ويعمل على إبعادي عن القيام بأعمال الخير، وهذا لا يأتي إلا من عدو .. فمن هو هذا العدو؟ وكيف أتقيه؟ [من هو الشيطان؟].
٦ - أجد نفسي في كون فسيح مليئ بالمخلوقات من نبات وحيوان وجماد، فما علاقتي به، وكيف أتعامل معه؟ وهل ما أراه بعيني فقط هو الموجود في هذا الكون أم هناك مخلوقات لا أراها، فأنا لا أرى الهواء مثلًا ولكنني أشعر بوجوده!! [التعرف على الكون].
٧ - ألاحظ أن الكون من حولي يسير وفق نظام دقيق: فالشمس تُشرق في الصباح وتغرُب في المساء، والفصول الأربعة تتوالى بدقة متناهية، ودورة حياة الإنسان تسير بنظام ثابت، وكذلك الحيوان والنبات .. فهناك إذن نظام وقوانين تحكم كل شيء، فما هي تلك القوانين؟ وكيف أعرفها لأستفيد بها؟ [القوانين الحاكمة للكون والحياة].
٨ - أجد نفسي بين أبوين وأشقاء وجيران، ثم زوجة وأولاد وزملاء .. فما شكل العلاقة التي ينبغي أن أتعامل بها مع هؤلاء؟! [حقوق العباد بعضهم على بعض].
٩ - أجد الكثير من الناس حولي تائهين يسيرون في طرق متعددة، بعضهم لا يعتقد بأن هناك إلهًا للكون، والآخر يدَّعي أن إلهه فلان، وتتعدد المزاعم، ويُثيرون الشُبهات حول الإله الحق .. فلماذا لا يتَّبع الناس الحق، وكيف ندعوهم إليه؟ [لماذا لا يتبع الناس الحق؟].
١٠ - أسمع عن أُناس جاءوا إلى الدنيا قبلي ثم خرجوا منها فماذا كان حالهم؟ وماذا فعلوا من صواب لأقوم به، ومن خطأ فأجتنبه؟ [العبرة من قصص السابقين].
مثل هذه الأسئلة وغيرها ينبغي أن تتردد في ذهن كل عاقل يبحث عن سر وجوده، وبالإجابة عنها يهتدي المرء إلى سُبل السلام، ويعيش في سكينة وطمأنينة.
ولأن القرآن كتاب هداية فقد أفرد للإجابة عن هذه الأسئلة العشرة مساحات كبيرة فيه، وكررها في مواضع متعددة ليتم بها دوام التذكر، وفي الصفحات القادمة سيتم بمشيئة الله وعونه وفضله عرض نماذج للإجابة عن هذه الأسئلة من خلال القرآن ليستأنس بها الواحد منا عندما يبدأ عهده الجديد مع القرآن بالبحث عن جوانب الهداية فيه.