خرجت الأجيال إلى الأرض بفطرة سليمة، مُهيأة لعبادة الله ﷿، ولكن إبليس اللعين لم يكن ليتركهم ينجحون في امتحان العودة إلى الجنة .. وكيف يتركهم وقد طلب المهلة من الله ﷿ لا ليرتاح، بل ليُضل الناس جميعًا ويسوقهم معه إلى النار؟ فهو يعتبر كل فرد ينجح في الفرار منه، والعودة إلى الجنة، دليل على أفضلية آدم عليه، وأحقيته بالسجود له - كما طلب الله منه - لذلك فهو يعمل جاهدًا على غواية الجميع من خلال ذريته، وألا يفلت أحد من قبضته، فتراه لا يترك فرصة للإضلال إلا ويستغلها.
مدخله الأساسي النفس البشرية وما فيها من جوانب ضعف كثيرة، وولع بالشهوات، وحب للراحة، فيدخل إلى القلب من خلالها ليستولي على إرادته فيصير أسيرًا له يأمره وينهاه كيفما شاء ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩].
وللأسف الشديد فقد اتبعه خلق كثير ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
اتبعوه بإرادتهم بعد ان زين لهم الدنيا وزخرفها، وأنساهم ربهم وما طالبهم به ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩].
فانتهت حياة الكثيرين منهم نهاية مظلمة، وانكشفت لهم الحقيقة، ولكن بعد فوات الأوان وانتهاء فترة الامتحان ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠].