ويجوز له قتل كل ما فيه مضرة كالحية والعقرب والكلب العقور والسبع والنمر والذئب والفهد والفأرة والغراب الأبقع والحدأة والبزاة وأنواعها، والزنبور والبق والبراغيث والقراد والأوزاغ والذباب وجميع حشرات الأرض، ويجوز قتل النمل عند الأذية، وكذلك القمل والصبئان في إحدى الروايتين، والأخرى عليه أن يتصدق بما أمكن.
ولا يقتل صيد الحرم، فإن قتله كان حكمه كما ذكرنا في صيد الإحرام.
ولا يقطع أشجار الحرم ولا يقلعها، فإن فعل ذلك ضمن الشجرة الكبيرة ببقرة، والصغيرة بشاة.
وكذلك صيد المدينة وشجرها يحرم عليه، إلا أن جزاءهما سلب ما عليه من الثياب، ويكون ذلك حلالًا لمن أخذه.
(فصل)
فإن كان في الوقت سعة فأمكنه دخول مكة قبل يوم عرفة بأيام، فالمستحب له أن يغتسل غسلًا كاملًا ويدخلها من أعلاها.
فإذا بلغ المسجد الحرام دخل من باب بني شيبة، ويرفع يديه عند رؤية البيت ويقول: اللهم إنك أنت السلام ومنك السلام، حينًا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا ومهابة وبرًا، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا ومهابة وبرًا، الحمد لله رب العالمين، والحمد لله كثيرًا كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، الحمد لله الذي بلغني بيته ورآني لذلك أهلًا، والحمد لله على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك، وقد جئناك لذلك، اللهم تقبل مني واعف عني وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت.
يرفع بذلك صوته، ثم يطوف للقدوم ويضطبع بردائه، فيكشف كتفه الأيمن ويستر الأيسر، ثم يتقدم إلى الحج الأسود، فيستلمه بيده ويقبله إن أمكنه، وإلا استلمه وقبل يده، فإن زحم أشار بيده إليه ويقول:
(بسم الله والله أكبر، إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك ووفاء بعهدك وإتباعًا لسنة نبيك محمد -ﷺ-).
[ ١ / ٢٩ ]
ثم يطوف على يمينه وهو أن يرجع إلى باب البيت، فيمضي إلى الحجر الذي فيه ميزاب البيت مسرعًا، وهو السعي الشديد مع تقارب الخطا، حتى إذا بلغ الركن اليماني استلمه ولم يقبله، فإذا بلغ الحجر الأسود عد ذلك شوطًا واحدًا.
ثم يطوف كذلك ثانيًا وثالثًا قائلًا في جميع ذلك: (اللهم أجعله حجًا مبرورًا وسعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا).
ثم يخفف مشيه، ويقارب خطاه، فيمشي على هيئته في الأربعة الباقية ويقول فيها:
(رب اغفر وارحم واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).
ويدعو بما أراد بما يجوز من خير الدنيا والآخرة.
وينبغي أن يكون ناويًا لذلك، طاهرًا من الأحداث والأنجاس وساتر العورة لأن النبي -ﷺقال: (الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله تعالى أباحكم فيه النطق).
فإذا فرغ من ذلك صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم خليل الرحمن ﵇، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة ﴿قل يا أيها الكافرون ﴾ [الكافرون: ١ - ٦]، وفي الثانية ﴿قل هو الله أحد ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]، ثم يرجع إلى الحجر الأسود فيستمله، ثم يخرج إلى الصفا من بابه، ويرقى عليه إلى حيث يمكنه رؤية الكعبة، ثم يكبر ثلاثًا ويقول: (الحمد لله على ما هدانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون).
ثم ينزل ويلبي ويدعو ثانيًا وثالثًا، ثم ينزل ماشيًا حتى يكون بينه وبين الميل الأخضر المنتصب عند المسجد ما قدره ستة أذرع، ثم يسرع في المشي حتى يبلغ إلى الميلين الأخضرين، ثم يخفف مشيه إلى أن يبلغ المروة فيرقى عليه فيفعل كما فعل على الصفا، ثم ينزل ويمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه إلا أن يصير إلى الصفا، ثم كذلك فيعد سبعًا يبدأ بالصفا ويختم بالمروة.
[ ١ / ٣٠ ]
وينبغي أن يكون متطهرًا كما ذكرنا، في الطواف بالبيت، فإذا فرغ من ذلك حلق أو قصر وإن كان متمتعًا ولم يكن قد ساق هديًا وفعل ما يفعله الحلال.
فإذا كان يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة أحرم من مكة للحج، فيأتي منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت بها، ثم يصلي بها الصبح. فإذا طلعت الشمس دفع مع الناس إلى الموقف بعرفة فإذا زالت الشمس وخطب الإمام خطبة يعلم الناس فيها ما ينبغي أن يفعلوه من الوقوف وموضعه ووقته ودفعه من عرفات والصلاة بمزدلفة والمبيت بها وغير ذلك من رمي الجمار والنحر والحلق والطواف بالبيت، دنا من الإمام فيعي ما يقول، ثم يصلي معه الظهر والعصر يجمع بينهما بإقامة لكل صلاة، ثم يتقدم إلى جبل الرحمة والصخرات بقرب الإمام، يستقبل القبلة فيقف هناك ويجتهد في الدعاء والثناء على الله ﷿.
وينبغي أن يكون أكثر ذكره: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم أجعل في قلبي نورًا وفي بصري نورًا وفي سمعي نورًا ويسر لي أمري.
فإن فاته الوقوف مع الإمام نهارًا أدركه بعد خروج الإمام من الموقف قبل أن يطلع الفجر الثاني من ليلة النحر، ومن أدركه كذلك فقد أدرك الوقفة وإلا فقد فاته الحج، فإذا دفع مع الإمام إلى طريق مزدلفة يكون على التؤدة والسكون والوقار، فإذا وصل مزدلفة صلى مع الإمام بها المغرب والعشاء جماعة، أو منفردًا إن فاتته مع الإمام، ثم حط رحله فيبيت هناك، ويأخذ منها حصى الجمار أو من حيث تيسر له ذلك، وعدده سبعون حصاة، وقدره أن يكون أكبر من الحمص وأصغر من البندق، ويستحب أن يغسله، ثم يصلي الفجر إذا أصبح، ويجتهد أن يغلس بها، ثم يأتي المشعر الحرام فيقف عنده، فيكثر الحمد لله والثناء عليه والتهليل والتكبير والدعاء، والأولى أن يقول في دعائه:
اللهم كما أوقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك الحق ﴿فإذا أفضتم من عرفات ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿غفور رحيم﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩].
فإذا أضاء النهار وأسفر دفع إلى منى وأسرع في وادي محسر، فإذا وصل إلى منى
[ ١ / ٣١ ]
رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، مكبرًا في إثر كل حصاة، رافعًا يده حتى يرى بياض إبطيه، كما روي عن النبي -ﷺ- أنه رمى كذلك، وسكت عن التلبية عند أول حصاة يرميها، ويكون رميه هذا بعد طلوع الشمس وقبل الزوال وفيما بعد من أيام التشريق بعد الزوال، فإذا رمى نحر هديًا إن كان معه، وحلق جميع رأسه أو قصر، وإن كانت امرأة تقصر من شعرها قدر الأنملة.
ثم يمضي إلى مكة ويغتسل ويتوضأ، فيطوف طواف الزيارة ويعينه بالنية، ويصلي ركعتين خلف المقام، فإذا فرغ سعى بين الصفا والمرة إن أراد، لأن السعي قد سقط عنه بفعله في طواف القدوم، ثم قد حل له كل شيء من محظورات الإحرام، وصار حلالًا كما كان قبل الإحرام، ثم يتقدم إلى زمزم فيشرب من مائها فيقول عند شربه:
بسم الله اللهم اجعله لنا علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا وريًا وشبعًا وشفاء من كل داء، واغسل به قلبي وأملأه من خشيتك.
ثم يرجع إلى منى فيبيت بها ثلاث ليال، فيرمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق على ما ذكرنا كل يوم بإحدى وعشرين حصاة، كل جمرة سبع حصيات، فيبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات من مكة مما يلي مسجد الخيف، يجعلها عن يساره ويستقبل القبلة فإذا رماها تقدم عنها يسيرًا لئلا يصيبه حصى غيره، فيقف هناك داعيًا الله ﷿ بقدر قراءة سورة البقرة إن أمكنه، ثم يرمي الجمرة الوسطى فيجعلها عن يمينه، ويستقبل القبلة فيدعو كالأولى ثم يرمي الجمرة الأخيرة وهي جمرة العقبة ويجعلها عن يمينه، وينزل إلى الوادي، ويكون مستقبلًا إلى القبلة ولا يقف هناك، ثم يفعل في اليوم الثاني والثالث كذلك.
وإن أحب أن يتعجل ولا يرمي في اليوم الثالث دفن ما بقي معه من بقية الحصى هناك، ويخرج قاصدًا إلى مكة فيأتي الأبطح فيصلي هناك الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم ينام يسيرًا ثم يدخل مكة فيقيم بها أو غيرها من المواضع كالزاهر والأبطح، وإذا أراد أن يدخل البيت يكون حافيًا، ويصلي فيه نفلًا، ويشرب من ماء زمزم ويرتوي
[ ١ / ٣٢ ]
منه. وينوي ما أحب من العلم والمغفرة والرضوان لقوله ﵊: «ماء زمزم لما شرب له».
ويكثر الاعتماد والنظر إلى الكعبة، لما روي في بعض الأخبار: إن النظر إليها عبادة.
ثم لا يخرج حتى يودع البيت فيطوف به سبعًا، ثم يقف بين الركن والباب ويدعو فيقول:
اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك حملتني على ما سخرت لي من خلقك وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك، وأعنتني على قضاء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا، وإلا فمن علي الآن قبل تباعدي عن بيتك، هذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فاصحبني العافية في بدني والصحة في جسمي والعصمة في ديني وأحسن منقلبي ومثواي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني واجمع لي خير الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير.
وما زاد على ذلك من الدعاء من خير الدنيا والآخرة كان حسنًا، ثم يصلي على النبي -ﷺ- ولم يقم بعد ذلك بمكة، فإن أقام أعاد الطواف وإلا ذبح شاة.
(فصل) فإن كان في الوقت ضيق وخاف فوت الوقفة بعرفات، فإن أحرم من الميقات بدأ بعرفات فوقف هناك، ثم دفع منها بعد غروب الشمس، فيفعل ما ذكرناه من البيتوتة بمزدلفة ثم الرمي بمنى، ثم إذا دخل مكة طاف طوافين، ينوى بالأول منهما القدوم وبالثاني الزيارة، ثم يسعى بين الصفا والمروة، ثم يحل له كل شيء، ثم يعود إلى منى للرمي في الأيام الثلاثة، ثم يتم الأفعال على ما تقدم ذكره.
[ ١ / ٣٣ ]