فمن رأى شيئًا من الحيات في منزله فليؤذنه ثلاثًا، فإن بدا له بعد ذلك فليقتله.
وأما في الصحارى فيجوز قتله من غير إيذان وكذلك الأبتر وهو قصير الذنب وذو الطفيتين الذي في ظهره خط أسود، وقيل له شعرتان سوداوان بين عينيه فإنه يقتله بلا إيذان.
وصفة الإيذان:
أن يقول: امض بسلام لا تؤذنا.
قد جاء في ذلك أن النبيﷺ- سئل عن حيات البيوت فقال: إذا رأيتم منهن شيئًا في مساكنكم فقولوا: أنشدكم العهد الذي أخذه عليكم نوح، أنشدكم العهد الذي أخذه عليكم سليمان أن لا تؤذونا، فإن عدن فاقتلوهن».
وما روى عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ-: «اقتلوا الحيات كلهن، فمن خاف ثأرهن فليس مني».
في حديث سالم عن أبيه عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن رسول اللهﷺ- قال: اقتلوا الحيات وذا الطفيتين والأبتر فإنهما يكسفان البصر ويسقطان الحبل.
قال: وكان عبد الله ﵁ يقتل كل حية وجدها، فأبصره أبو لبابة رضي الله
[ ١ / ٨٥ ]
عنه وهو يطارد حية فقال: إنه قد نهى عن ذوات البيوت.
والأصل في النهي عن ذوات البيوت، ما روى عن أبي السائب قال: أتيت أبا سعيد الخدري ﵁ فبينا أنا جالس عنده سمعت تحت سريره تحريك شيء، فنظرت فإذا حية فقمت، قال أبو سعيد: ما لك، قلت: حية ها هنا، قال: فتريد ماذا؟ قلت: أقتلها، فأشار إلى بيت في داره تلقاء بيته، فقال: إن ابن عم لي كان في هذا البيت، فلما كان يوم الأحزاب استأذن إلى أهله، وكان حديث عهد بعرس، فأذن له رسول اللهﷺ- وأمره أن يذهب بسلاحه، فأتى داره فوجد امرأته قائمة على بيت البيت، فأشار إليها بالرمح، فقال: لا تعجل حتى تنظر ما أخرجني فدخل البيت فإذا حية منكرة، فطعنها بالرمح ثم خرج بها في الرمح يرتكض، قال: فلا أدري أيهما كان أسرع موتًا الرجل أو الحية؟ فأتى قومه رسول اللهﷺ- فقالوا: ادع الله تعالى أن يرد صاحبنا فقال: استغفروا لصاحبكم، ثم قال: إن نفرًا من الجن أسلموا بالمدينة فإذا رأيتم أحدًا منهم فحذروه ثلاث مرات، ثم إن بدا لكم بعد أن تحذروه فاقتلوه بعد الثلاث».
وروى عن بعض الألفاظ: فليؤذنه ثلاثًا، فإن بدا له فليقتله فإنه شيطان.
ويجوز قتل الأوزاغ، لما روى عامر بن سعد عن أبيه﵁- قال: أمر رسول اللهﷺ- بقتل الوزغ، وسماه فويسقًا».
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبيﷺ- قال: «في أول ضربة سبعين حسنة». يعني في قتلها بأول ضربة كان له ذلك.
ويكره قتل النملة إلا من أذية شديدة، لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبيﷺ-: «أن نملة قرصت نبيًا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه:- أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح».
ويكره قتل الضفدع لما روى عن عبد الرحمن بن عثمان أنه سأل النبيﷺ- عن
[ ١ / ٨٦ ]
ضفدع يجعلها في دواء، فنهاه النبيﷺ- عن قتلها.
ويكره قتل جميع ما يباح قتله بالنار من القمل والبق والبراغيث والنمل، لقولهﷺ-: «لا يعذب بالنار إلا رب النار».
ويجوز قتل كل شيء يؤذي من الحيوانات، وإن لم توجد منه الأذية بعدما كان مخلوقًا على صفة تؤذى، لأن من طبعة الأذية، وذلك كالحية التي ذكرنا صفتها.
والعقرب والكلب العقور والفأرة وغير ذلك. وكذلك الكلب الأسود البهيم لأنه شيطان.
وكل حيوان يجده إنسان عطشانًا أثيب على إسقائه الماء، لقولهﷺ-: «في كل ذي كبد حري أجر». هذا إذا لم يكن مؤذيًا.
وأما المؤذي فلا يسقيه فإن ذلك تنمية وتكثير للأذية وذلك لا يجوز.
ولا يجوز اتخاذ الكلب وتربيته في داره إلا للحرس أو الصيد أو الماشية.
وإن كان عقورًا حرم تركه قولًا واحدًا، ووجب قتله ليدفع شره عن الناس، وقد ورد في بعض الأحاديث: «من اقتنى كلبًا لغير ماشية أو صيد نقص من أجره كل يوم قيراطان».
ولا يجوز تكليف الحيوان البهيم فوق طاقته في الحمل والحرث والسير ومنعه ما يكفيه من العلف، فإن فعل ذلك أثم.
ويكره له إطعامه فوق طاقته، وإكراهه على أكل ما اتخذه الناس عادة لأجل التسمين.
ويكره الأكل من كسب الحجام، لأن في ذلك دناءة وقد قالﷺ-: «كسب الحجام خبيث».
وقد حرم ذلك بعض أصحابنا لأن ذلك مروى عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
[ ١ / ٨٧ ]
(فصل: وبر الوالدين واجب)
قال الله ﷿: ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾ [لقمان: ١٥]، وقال جل وعلا: ﴿أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير﴾ [لقمان: ١٤].
وروى عن ابن عباس ﵃ عن النبيﷺ- أنه قال: «من أصبح مسخطًا لوالديه أصبح له بابان مفتوحان إلى النار، ومن أمسى مسخطًا لوالديه أمسى له بابان مفتوحان إلى النار، وإن كان واحدً فواحد، وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه».
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول اللهﷺ-: رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخط الوالدين».
وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: «جاء رجل إلى النبيﷺ- فقال: إني أريد الجهاد، فقال: ألك أبوان؟ قال: نعم. قالﷺ-: ففيهما فجاهد».
وصفة البر: أن تكفيهما ما يحتاجان إليه، وتكف عنهما الأذى وتداريهما مداراة الطفل الصغير، ولا تتضجر منهما ولا من حوائجهما، وتجعل خدمتهما بدلًا من كثير نوافلك من الصلاة والصيام والقراءة، وتستغفر لهما عقيب صلواتك، ولا تحوجهما إلى التعب، وتتحمل أذاهما، ولا تعل صوتك على أصواتهما، ولا تخالفهما في ما لا يكون فيه خرق للشرع، معناه لا يكون في ذلك ترك الفرائض كحجة الإسلام والصلوات الخمس والزكاة والكفارة والنذر، وألا يكون في ذلك ارتكاب المحرم من أنواع المناهي من الزنا وشرب الخمر والقتل والقذف وأخذ المال كالغصب والسرقة لقول النبيﷺ-: «لا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى».
وقد قال تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ [لقمان: ١٥].
[ ١ / ٨٨ ]
فهذا الحديث والآية عام في ترك طاعة كل من أمر بمعصية الله أو ترك طاعته، ومذكور ذلك عن الإمام أحمد في رواية أبي طالب في الرجل الذي ينهاه أبواه عن الصلاة في الجماعة، فقال: ليس لهما طاعة في ترك الفرض.
وأما النوافل فيجوز تركهما لطاعتهما، بل الأفضل طاعتهما.
ومن البر لهما أن تصل من وصلهما، وتهجر من هجرهما، وتغضب لهما كما تغضب لنفسك في الموت والحياة.
وإذا ثار طبعك في الغضب عليهما فاذكر تربيتهما وسهرهما وإشفاقهما وتعبهما، وقول الله تعالى: ﴿وقل لهما قولًا كريمًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
فإن لم تردعك عن غيظك الرحمة لهما ولا بهما فاعلم أنك محروم مسخوط عليك فتب إلى الله تعالى إذا سكن غضبك إن كنت خالفت أمره فيهما.
ولا تسافر سفرًا ليس بواجب عليك إلا بإذنهما.
ولا تغز إلا أن يتعين عليك إلا بإذنهما.
ولا تفجعهما بنفسك، فقد نهى غيرك أن يفجعهما بك، فقال النبيﷺ-: «لعن الله المفرق بين الوالدة وولدها».
وإن ظفرت بطعام أو شراب فعليك بإيثارهما بأطيبه، فطالما آثراك وجاعا وأشبعاك وسهرا ونوماك. ترشد بذلك إن شاء الله تعالى.
* * *