أخي:
اعلم أنَّ الذكر باللسان إنما حُرِّم لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه، فالتعريض به كالتصريح، والفعل فيه كالقول، والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة، وكلّ ما يُفهِم المقصود فهو داخل في الغِيبة، وهو حرام.
عن عائشة ﵂ قالت: دخلت علينا امرأة، فلما أومأت بيدي أنها قصيرة، قال - ﷺ -: «اغتبتيها» (١).
ومن ذلك أيضًا:
المحاكاة، كأن يمشي متعارجًا، أو كما يمشي، فهو غِيبة، بل هو أشدّ من الغيبة؛ لأنه أعظم في التصوير والتفهيم .. ولَمَّا رأى رسول الله - ﷺ - عائشة حاكت امرأة قال: «ما يسرني أني حاكيت إنسانًا ولي كذا وكذا» (٢).
وكذلك الغيبة بالكتابة؛ فإنَّ القلم أحد اللسانين.
وكلُّ هذا - أخي - وإن كان صادقًا فيما يقول فهو مغتابٌ عاصٍ لربِّه وآكل لحم أخيه.
_________________
(١) رواه أبو داود رقم (٤٨٧٥) في الأدب: باب الغيبة، وأحمد (٦/ ١٨٩، ٢٠٦) وإسناده صحيح.
(٢) رواه أبو داود رقم (٤٨٧٥) في الأدب: باب الغيبة، والترمذي رقم (٢٥٠٣ و٢٥٠٤) في صفة القيامة، باب تحريم الغيبة، وأحمد (٦/ ١٣٦) وإسناده صحيح.
[ ١٤ ]
وإن كان كاذبًا فقد جمع بين الغِيبة والكذب .. قال معاذ بن جبل - ﵁ -: ذُكِر رجلٌ عند رسول الله - ﷺ - فقالوا: ما أعجزه! .. فقال - ﷺ -: «اغتبتم أخاكم» .. قالوا: يا رسول الله، قلنا ما فيه؟
قال: «إن قلتم ما فيه اغتبتموه، وإن قلتم ما ليس فيه فقد بهتُّموه» (١).
قال الحسن: ذكر الغير ثلاثة: الغيبة والبهتان والإفك، وكلٌّ في كتاب الله ﷿:
فالغِيبة: أن تقول ما فيه.
والبهتان: أن تقول ما ليس فيه.
والإفك: أن تقول ما بلغك.
في الحديث عن النبي - ﷺ -: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» (٢).
والغيبة تتناول العرض، وقد جمع الله بينه وبين المال والدم.
* * *
_________________
(١) أخرجه أحمد بن منيع في "مسنده" كما في (الإتحاف) (٢/ ١٥٢) للبوصيري وإسناده ضعيف ولكنه صحيح بما قبله ص (١٢).
(٢) جزء من حديث طويل رواه مسلم رقم (٢٥٦٤) في البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، وأحمد (٢/ ٢٧٧، ٣٦٠) والبيهقي (٦/ ٩٢).
[ ١٥ ]