اعلم أن المستيقظ بالليل على ضربين. أحدهما: من لا ينام بعدَه، وقدمنا في أول الكتاب أذكاره.
والثاني: من يريد النوم بعده، فهذا يستحب له أن يذكر الله تعالى إلى أن يغلبَه النوم، وجاء فيه أذكار كثيرة، فمن ذلك ما تقدم في الضرب الأول.
ومن ذلك ما رويناه في "صحيح البخاري"
_________________
(١) اهـ. قال بعض المحققين من هذا الحديثين على ذكرهما وفي أحاديث أخر على الأول فقط أن من مضى عليه زمن من الأزمنة في أي مكان أو شأن من غير ذلك الله تعالى بالقلب واللسان أو بفعل طاعة كان عليه ذلك حسرة وندامة أي ندامة لما يرى من عظيم الثواب للذكر وسائر الطاعات اهـ، وكان الصديق ﵁ يقول يا ليتني أخرس إلَّا عن ذكر الله تعالى ثم الحديث كما قال الحافظ حسن أخرجه النسائي في الكبرى والروياني في الذكر والطبراني في الدعاء ثم أخرجه الحافظ من طرق وبين حال كل طريق عقب تخريجها قال ووقع في رواية الترمذي والحاكم زيادة في المتن. قوله: (الترةُ الخ) الهاء فيه عوض عن الواو المحذوفة من أوله مثل وعدته عدة قال ابن حجر في شرح المشكاة مأخوذ من وتر فلان قتل له قتيل ولم يعط ديته أو وتر حقه إذا نقص وكل منهما موجب للحسرة اهـ. فلذا قيل إن الترة الحسرة والندامة. قوله: (تبِعة) هو بفتح المثناة الفوقية وإسكان الموحدة. باب ما يقول إذا استيقظ في الليل وأراد النوم بعده قوله: (مَا رَوَيناهُ في صحيحِ البُخارِي) قال في السلاح بعد إيراده باللفظ المذكور هنا إلى قوله قبلت صلاته رواه الجماعة إلَّا مسلمًا وأشار العراقي في أماليه على المستدرك إلى ما حصل من التفاوت بين الرواة المذكورين فقال ومن خطه نقلت
[ ٣ / ١٧٣ ]
عن عبادة بن الصامت ﵁،
عن النبي - ﷺ -
_________________
(١) قدم البخاري الحمد لله على التسبيح وزاد بعد التسبيح في رواية له ولا إله إلَّا الله وزاد التهليل فيه أيضًا الترمذي والنسائي وابن ماجة بين الحمد والتكبير وزاد ابن ماجة بعد قوله إلَّا بالله العلي العظيم ورواه الرافعي في أماليه من طريق البخاري زاد الرافعي بعد إيراده قال البخاري قال لنا محمد بن يوسف أجريت هذا الدعاء على لساني عند انتباهي من النوم ثم جاءني جاء يعني في النوم فقرأ هذه الآية ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤]. قلت وهذه الرؤيا ليست في روايتنا من البخاري لا من رواية محمد بن مكي الكشميهني ولا رواية غيره وهي عند الرافعي من رواية الكشميهني عن الفربري عنه اهـ، وقال الحافظ بعد تخريج الحديث حديث سنده صحيح أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والطبراني في المعجم الكبير وفي كتاب الدعاء اهـ. قوله: (عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ ﵁) هو أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر قيس بن ثعلبة بن غنم بن سام بن عوف بن عمرو بن الخزرج الأنصاري الخزرجي السالمي المدني الصحابي الجليل أخو أويس بن الصامت أمه قرة العين بنت عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان شهد العقبة الأولى والثانية وشهد بدرًا وأحدًا وبيعة الرضوان والمشاهد كلها وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين أبي مرثد الغنوي واستعمله النبي - ﷺ - على الصدقات وكان يعلم أهل الصفة القرآن وأرسله عمر بن الخطاب هو ومعاذًا وأبا الدرداء حين فتح الشام ليعلموا الناس القرآن بالشام ويفقهوهم فأقام عبادة بحمص ثم انتقل إلى فلسطين وهو أول من ولي القضاء كما قاله الأوزاعي وخالفه معاوية في شيء أنكره عليه عبادة فأغلظ عليه معاوية في القول فقال عبادة لا أساكنك بأرض واحدة أبدًا ورحل إلى المدينة فقال عمر ما أقدمك فأخبره فقال ارجع إلى مكانك فقبح الله أرضًا لست فيها أنت ولا أمثالك وكتب إلى معاوية لا إمرة لك عليه وكان من سادات الصحابة وأحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة وكان نقيبًا على قوافل بني عوف بن الخزرج وإنما سموا قوافل لأنهم كانوا في الجاهلية إذا نزل بهم ضيف يقولوا له قوفل حيث شئت يريدون اذهب حيث شئت وقدر ما شئت ذلك الأمان لأنك في ذمتنا قاله ابن حبان وهو أحد الخمسة
[ ٣ / ١٧٤ ]
قال: "مَنْ تعارَّ مِنَ اللَّيلِ فقال: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لهُ، لهُ المُلْكُ ولهُ الحَمْدُ وهُوَ على كُل شَيء قَدِيرٌ، والحَمْدُ للهِ، وسُبْحَانَ اللهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلا بالله"، ثم قال: "اللهُم اغْفِر لي أوْ دَعا، اسْتُجيبَ لهُ، فإنْ توَضّأ قُبلَتْ صلاتُهُ" هكذا ضبطناه في أصل سماعنا المحقَّق، وفي النسخ المعتمدة من البخاري، وسقطَ قول: "ولا إله إلا الله" قبل، "والله أكبر" في كثير من النسخ، ولم يذكره الحميدي أيضًا في "الجمع بين الصحيحين"، وثبت هذا اللفظ في رواية الترمذي وغيره، وسقط في رواية أبي داود، وقوله: "اغفر لي أو دعا"، هو شك من الوليد بن مسلم أحد الرواة، وهو شيخ شيوخ البخاري، وأبي داود والترمذي وغيرهم في هذا الحديث. وقوله - ﷺ -: "تعار" هو بتشديد الراء، ومعناه: استيقظ.
وروينا في "سنن أبي داود" بإسناد لم يضعفه، عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا استيقظ من الليل قال: "لا إله إلا أنْتَ سُبْحانَكَ اللهُم أستغفِرُكَ لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهُم زِدني عِلمًا، ولا تُزِغْ قلبي بَعْدَ إذْ هَدَيْتَني، وَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ رَحمةً إنَّكَ أنْتَ الوهابُ".
وروينا في كتاب ابن السني عن عائشة ﵂ قالت: كان -تعني رسول
_________________
(١) الذين جمعوا القرآن في زمن النبي - ﷺ - كما رواه البخاري في التاريخ ..
[ ٣ / ١٧٥ ]
الله - ﷺ - إذا تعارَّ من الليل قال: "لا إله إلا اللهُ الواحِدُ القهارُ، رب السماوَاتِ والأرضِ ومَا بَينَهُما العَزيزُ الغَفَّارُ".
وروينا فيه بإسناد ضعيف عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "إذا ردَّ الله ﷿ إلى العَبْدِ المُسْلِمِ نَفْسهُ مِنَ الليلِ فَسَبَّحَهُ واسْتَغْفَرَهُ وَدَعَاهُ تَقَبَّلَ مِنْهُ".
وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه وابن السني بإسناد جيد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا قامَ أحدُكُمْ عَنْ فِرَاشِهِ مِنَ اللَّيلِ ثم عادَ إليهِ فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ إزاره ثلاثَ مَراتٍ، فإنَّهُ لا يَدري ما خَلَفَهُ عَلَيهِ، فإذا اضْطَجَعَ فلْيَقُلْ: باسمِكَ اللهُم وَضَعْتُ جَنبي، وبكَ أرفَعُهُ، إن أمسكْتَ نَفْسي فارْحَمْها، وإنْ رَدَدتَها فاحفَظْها بما تَحْفَظُ بِهِ عِبادكَ الصالِحينَ" قال الترمذي: حديث حسن. قال أهل اللغة: صنفة الإزار بكسر النون: جانبه الذي لا هدب فيه، وقيل: جانبه أي جانب كان.
وروينا في "موطأ الإمام مالك" ﵀ في "باب الدعاء" آخر "كتاب الصلاة" عن مالك، أنه بلغه عن أبي الدرداء ﵁ "أنه كان يقوم من جوف الليل فيقول: نامَتِ العُيونُ وغارَتِ النُّجُومُ وأنْتَ حَيٌّ قيُّومٌ". قلت: معنى
_________________
(١) فلينفضه بصنفة إزاره بفتح الصاد وكسر النون فقيل طرفه وقيل حاشيته وقيل هي الناحية التي عليها الهدب وقيل الهمزة والمراد هنا طرفه اهـ، وأما قول الشيخ ابن حجر في المشكاة بفتح المهملة والنون والفاء فمخالف لكتب اللغة والرواية اهـ. وحديث أبي الدرداء يأتي شرحه في أول الباب بعده. قوله: (وَرَوَينَا في مُوَطَإِ الإِمام مالِكِ الخ)
[ ٣ / ١٧٦ ]
غارت: غربت.