يستحبُّ أن يقول عند لباسه ما قدَّمناه في الباب قبله.
وروينا عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كان رسول الله - ﷺ - إذا استجد ثوبًا
_________________
(١) من حديث معاذ باللفظ الذي أورده الشيخ هنا وزاد فيه وصف الثوب بقوله جديدًا والباقي سواء ثم قال حديث حسن أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم وعليه درك في تصحيحه لما في سهل بن معاذ والراوي عنه أي عبد الله بن يزيد المقري من المقال وأخرجه ابن ماجة وإنما اقتصر الشيخ على عزو الحديث لابن السني لأنه لم يقع في روايته وصف الثوب بالجدة لكنه حديث واحد قصر فيه بعض الرواة والله أعلم اهـ. قوله: (عن معاذ بن أنس ﵁) وهو كما في الاستيعاب معاذ بن أنس الجهني الأنصاري صحابي نزل مصر وبقي إلى خلافة عبد الملك. قوله: (غَفَرَ الله لَهُ مَا تقدم من ذنبه لم سبق في رواية أبي داود وما تأخر، والمكفر بصالح العمل إنما هو الصغائر المتعلقة بحق الله سبحانه أما الكبائر وتبعات العباد فلا إذ الأولى لا يكفرها إلاَّ التوبة أو فضل الله والثانية لا يكفرها إلاّ رضا صاحبها وإرضاء الله إياه أو بفضله يصفح عنه ما جناه. باب ما يقول إذا لبس ثوبًا جديدًا أو نعلًا أو شبهه قوله: (أن يقول إلخ) أي يقول ما سبق وما تضمنه حديثًا الباب. قوله: (استجِدّ ثوبًا) أصله
[ ١ / ٣٠١ ]
سماه باسمه عمامةً أو قيمصًا أو رداءً، ثم يقول: اللهُم لَكَ الحَمُدُ
_________________
(١) صيره جديدًا والمراد هنا لبس ثوبًا جديدًا. قوله: (سمَّاه باسمه عمامةِ) قال ابن حجر في شرح الشمائل يؤخذ من هذا أن تسمية ذلك ونحوه باسم خاص سنة وهو ظاهر وإن لم أو لأصحابنا فيه كلامًا وعجيب قول بعضهم المراد بسماه أنه يقول هذا ثوب هذه عمامة مثلًا اهـ، وتعقب في أخذ الحكم بأنه مرتبة اجتهادية والمجتهد مفقود من المائة الرابعة ويكفي في رده إن الأصحاب لم يذكروه وفيما تعجب منه بأن ما ذكره ذلك القائل ظاهر الحديث يوافقه إذ المتبادر من سماه أنه الموضوع له لغة من عمامة وقميص ورداء مثلًا وكونه باسم خاص بعيد عن الظاهر ولك أن تدفعه أما الأول فإن المجتهد المفقود حينئذٍ المجتهد المستقل لا غيره إذ الاجتهاد فرض كفاية فلا بد من القيام به على أن بعض أشياخنا ينازع فيما ذكر بأنه لا يلزم من عدم الاطلاع على المجتهد المستقل فيما ذكر عدم وقوعه ويجاب بأن ذلك لما كان هو الأصل خصوصًا وعدم النقل فيما تتوفر الدواعي على نقله آية عدمه وقوله ولم أر لأصحابنا فيه كلامًا لا يقتضي رده لأنه لم يذكر أنهم نصوا على خلافه أو أنهم نفوه بل نفى اطلاعه على كلام الأصحاب في ذلك ولا يلزم من ذلك عدمه في نفس الأمر وإن اقتضى ذلك بالنظر إلى سعة إطلاعه ويؤيد ما أشار إليه من استحباب ذلك ما جاء أنه - ﷺ - كان يضع لكل ثوب من ثيابه اسمًا خاصًا كخبر كانت له عمامة تسمى السحاب على أن ما جرى منه جرت به عادة شراح الحديث فيقولون يؤخذ من الحديث كذا وكذا ويذكرون من الأحكام ما بعضه مسطور وبعضه غير مذكور ومرادهم أن هذا الخبر يقتضي هذا ما لم يعارضه معارض فهم لا يجزمون بالحكم المأخوذ من الأخبار لاحتمال وجود ما يعارضه بخلاف أخذ المجتهد للحكم منه فإنه يجزم بما يظهر له بنظر الاجتهاد ولا ينظر إلى ذلك الاحتمال وأما ما تعجب منه ففي محله لأن ألفاظ الشارع تصان عن الخلو عن الفائدة وأي
[ ١ / ٣٠٢ ]
أنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أسألكَ خَيرَهُ وخَيرَ ما صُنعَ لَهُ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ" حديث صحيح، رواه أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة الترمذي، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي في "سننهم"
_________________
(١) فائدة في قوله هذا قميص أو عمامة مما لا يجهله المخاطب نعم يحتمل أن المراد أنه كان يسميه باسم جنسه كان يقول هذا الثوب القطن أو قطره كالثوب القطري أو صانعه كما قال الصحابة. وكان فصه يعني فص خاتمه حبشيًا ويفعل ذلك لحصول التمييز عند استدعائه لشيء منها. قوله: (أَنْتَ كسَوْتَنَيه) هذه الجملة تعليل للجملة السابقة أعني لك الحمد وكذا للجملة اللاحقة أعني أسألك خيره وخير ما صنع له قال بعض شراح الشمائل اللام فيه للعاقبة أي أسألك ما يترتب على خلقه من العبادة وصرفه فيما فيه رضاك وأعوذ بك من شر ما يترتب عليه مما لا ترضى به الخيلاء والكبر وكوني أعاقب به لحرمته وقال ابن حجر اللام فيه نظير اللام في "وخير ما بنيت له" إذا أشرف على بلدة أي للتعليل والمراد ما صنع لأجله من خير كحله وصلاح نية فاعله أو شر كضد ذلك والخير في المقدمات يستدعي الخير والمقاصد وكذا الشر وشاهده "وإنما يلبس علينا صلاتنا قوم لا يحسنون الطهور" اهـ. وقال ميرك خير الثوب نقاؤه وكونه ملبوسًا للضرورة والحاجة لا للفخر والخيلاء وخير ما صنع له هو الضرورات التي من أجلها يصنع اللباس من الحر والبرد وستر العورة والمراد من سؤال الخير في هذه الأمور أن يكون مبلغًا إلى المطلوب الذي لأجله صنع الثوب من العون على العبادة والطاعة لمولاه وفي الشر عكس المذكورات وهو كونه حرامًا أو نجسًا أو لم يبق زمانًا طويلًا أو يكون سببًا للمعاصي والشرور اهـ. ومعنى أعوذ أعتصم وألتجئ وسيأتي زيادة فيه. قوله: (حديث صحيح) وفي بعض
[ ١ / ٣٠٣ ]
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
_________________
(١) النسخ "حديث حسن" قال الحافظ بعد إن خرجه من طريقين الأولى عن ابن المبارك عن سعيد الجريري عن أبي نضرة هو المنذر بن مالك عن أبي سعيد الخدري والثانية من طريق الطبراني في كتاب الدعاء عن عيسى بن يونس عن الجريري فذكره لكنه قال كسوتني هذا الثوب ذلك الحمد ولم يقل قميصًا أو عمامة أو رداء والباقي سواء: هذا حديث حسن أخرجه من الطريق الأولى أحمد وعلي بن إسحاق وأبو داود والترمذي كلهم ينتهون إلى ابن المبارك قال الترمذي وفي الباب عن عمر وابن عمر وأخرجه من الثانية أبو داود والترمذي أيضًا والنسائي كلهم من طريق عيسى بن يونس ثم أخرجه النسائي من طريق حماد بن سلمة عن الجريري عن أبي العلاء عبد الله بن الشخير عن النبي - ﷺ - وقال هذا أولى بالصواب من رواية عيسى بن يونس فإنه سمع من الجريري بعد الاختلاط وسماع حماد منه قديم ولذا أشار أبو داود إلى هذه العلة وأفاد علة أخرى وهي أن عبد الوهاب الثقفي رواه عن الجريري عن أبي نضرة مرسلًا لم يذكر أبا سعيد وغفل ابن حبان والحاكم عن علته فصححاه أخرجه ابن حبان من رواية عيسى عن يونس ومن رواية خالد الطحان وأخرجه الحاكم من رواية أبي أسامة كلهم عن الجريري وكل من ذكرناه سوى حماد والثقفي سمعوا من الجريري بعد اختلاطه فعجب من الشيخ كيف جزم بأنه حديث صحيح ويحتمل أنه صحح المتن لمجيئه من طريق آخر حسن أيضًا اهـ، وكأن هذا الذي أشار إليه الحافظ وجه ما يوجد في بعض نسخ الأذكار من قوله حديث حسن كما تقدمت الإشارة إليه. قوله: (قال الترمذي هذا حديث حسن) قال في السلاح واللفظ أي لفظ هذه الرواية للترمذي اهـ، والحكم بالحسن مصرح به في كلام الترمذي مأخوذ من سكوت أبي داود عن تضعيفه وتقدم إن مثل ذلك حسن عنده وقد زاد أبو داود قال أبو نضرة وكان أصحاب رسول الله
[ ١ / ٣٠٤ ]
وروينا في كتاب الترمذي عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا فَقالَ: الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي كَسانِي ما أوَارِي بهِ عَوْرَتِي، وأَتَجَمَّلُ بهِ في حَياتي، ثُمَّ عَمَدَ
_________________
(١) - ﷺ - إذا لبس أحدكم ثوبًا جديدًا قيل تبلى ويخلف الله وقد أخرج حديث الباب الحاكم
[ ١ / ٣٠٥ ]
إلى الثَّوْبِ الَّذِي أخْلَقَ فَتَصَدَّقَ بِهِ، كانَ في حِفْظِ اللهَ وفي كَنَفِ الله ﷿، وفي سَبيلِ الله حَيًا وَميتًا".