فصل: قال العلماء من المحدِّثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويستحبّ العمل
_________________
(١) والنواهي وقد جعل الله الدين يسرا. وأما بكون ابن آدم لا يعصي أصلًا لا يفتر فأمر متعذر في جبلة البشر ولو كلف الله به لكان من التكليف بما لا يطاق ولم يلتزم ذلك أحد في تأويل هذه الآية اهـ، وهو مخالف لحمل ابن حجر النسخ على تفسير الآية بالقيام بالأوامر واجتناب النواهي لا على تفسيرها بأن يطاع إلخ خلافًا لما في الجلالين وفي زاد المسير لابن الجوزي قال شيخنا علي ابن عبيد الله والاختلاف في نسخها وإحكامها يرجع إلى اختلاف المعنى المراد بها فالمعتقد نسخها يرى إن حق تقاته الوقوف على جميع ما يجب له ويستحقه وهذا يعجز الكل عن الوفاء به فتحصيله من الواحد ممتنع والمعتقد إحكامها يرى إن حق تقاته أداء ما يلزم العبد على قدر طاقته فكان قوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ مفسرًا لا ناسخًا ولا مخصصًا اهـ. وسكت عن باقي الحديث وهو قوله - ﷺ - وما نهيتكم عنه فاجتنبوه لأن الاستدلال حصل بما ذكر. فصل قوله: (قال العلماء إلخ) قال الزركشي نقل المصنف في الجزء الذي جمعه في إباحة القيام الاتفاق فقال أجمع أهل الحديث وغيرهم على العمل في الفضائل ونحوها مما ليس فيه حكم ولا شيء من العقائد وصفات الله تعالى بالحديث الضعيف اهـ، وقال في الأربعين اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال اهـ، وقال ابن حجر من شرحه أشار بحكاية الإجماع على ما ذكره إلى الرد على من نازع فيه اهـ، وبه يعلم إن المراد بالإجماع والاتفاق في العبارتين واحد وممن قال بذلك أحمد بن حنبل وابن المبارك والسفيانان والعنبري وغيرهم وفي حواشي ابن الصلاح للزركشي نقل
[ ١ / ٨٢ ]
في الفضائل
والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا.
_________________
(١) بعض الأثبات عن بعض تصانيف الحافظ ابن العربي المالكي أنه قال لا يعمل بالحديث الضعيف مطلقًا اهـ، وفي شرح الأربعين لابن حجر أشار المصنف بحكاية الإجماع على ما ذكر إلى الرد على من نازع فيه بأن الفضائل إنما تتلقى من الشرع فإثباتها بما ذكر اختراع عبادة وشرع في الدين ما لم يأذن به الله ووجه رده إن الإجماع لكونه قطعيًا تارة وظنيًا قويًا تارة أخرى لا يرد بمثل ذلك لو لم يكن عنه جواب فكيف وجوابه واضح إذ ليس من باب الاختراع والشرع المذكورين إنما هو انتقاء فضيلة ورجاؤها بأمارة ضعيفة من غير ترتب مفسدة عليه اهـ، ونازع بعض المتأخرين بأن جواز العمل مشكل إذ لم يثبت عنه - ﷺ - وإسناد العمل إليه يوهم ثبوته ويؤدي إلى ظن من لا معرفة له بالحديث الصحة فينقله ويحتج به وفي ذلك تلبيس اهـ، ولك أن تقول العمل في الحقيقة إنما هو بما اندرج هذا الخبر الضعيف تحت عمومه وإنما عمل لرجاء الفضل في هذا الخبر الضعيف فلا يلزم ما ذكر كيف ومن شرط العمل بالضعيف ألا يعتقد عند العمل به ثبوته وأما كلام الحافظ ابن العربي فيحمل على شديد الضعف المتفق على عدم العمل به كما أشار إليه السخاوي. قوله: (في الفضائل) قال في المجموع وغيره فضائل الأعمال وحذف هنا اما اكتفاء بالعلم من كون المقام لفضل العمل أو تنبيهًا على تعميم الفضائل الشاملة للعمل وغيره كما يدل له قولهم يجوز العمل بالضعيف فيما عدا الأحكام والعقائد. قوله: (والترغيب والترهيب) أي بسائر فنونه وكذا كل ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد كما قاله في الإرشاد. قوله: (ما لم يكن موضوعًا) وفي معناه شديد الضعف فلا يجوز العمل بخبر من انفرد من كذاب ومتهم بكذب ومن فحش غلطه فقد نقل العلائي الاتفاق عليه وفي صلاة النفل من المجموع ما يقتضي ذلك وبه صرح السبكي وبقي للعمل بالضعيف شرطان ذكرهما ابن عبد السلام
[ ١ / ٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وابن دقيق العيد أن يكون له أصل شاهد لذلك كاندراجه في عموم أو قاعدة كلية فلا يعمل به في غير ذلك وألا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط وهذان الشرطان وانتفاء شدة الضعف ذكرها الحافظ ابن حجر مجموعة زيادة على ما ذكره المصنف من كونها في الفضائل ونحوها قال ابن قاسم في حاشية التحفة وشرط بعضهم ألا يعتقد السنية وفيه نظر بل لا وجه له لأنه لا معنى للعمل بالضعيف في مثل ما نحن فيه إلَّا كونه مطلوبًا طلبًا غير جازم وكل مطلوب طلبًا غير جازم فهو سنة وإذا كان سنة تعين اعتقاد سنيته اهـ، ولا يقدح في اعتبار عدم اعتقاد ثبوته خبرًا ما ورد من الخبر الآخر من بلغه عن الله ﷿ شيء فيه فضيلة فأخذ به إيمانًا به ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك وإن لم يكن كذلك لضعفه أو لحمله على الظنيات التي لا تكون في نفس الأمر كذلك قاله السخاوي قال بعض المتأخرين من شراح الأربعين للمصنف هنا تحقيق مهم هو إن معنى قولهم يجوز العمل بالحديث الضعيف إلخ أن الراغب في الخير إذا سمع خبرًا مضمونه من عمل كذا كان له من الثواب كذا جاز أن يعمل ذلك العمل قصدًا لتحصيل ذلك الثواب وإن كان ذلك الحديث ضعيفًا وليس معناه أن يكون ذلك العمل مشروعًا استحبابًا إذ الاستحباب أحد الأحكام ولا يثبت حكم شرعي بحديث ضعيف اهـ، قال الجلال الدواني في كتابه المسمى أنموذج العلوم اتفقوا على أن الحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام الشرعية ثم ذكروا أنه يجوز بل يستحب العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال وممن صرح به النووي سيما في كتاب الأذكار وفيه إشكال لأن جواز العمل واستحبابه كلاهما من الأحكام الخمسة الشرعية فإذا استحب العمل بمقتضى الحديث كان فيه ثبوت الحكم بالحديث الضعيف، وأجيب عنه بما أحسنه أنه إذا وجد حديث ضعيف في عمل من الأعمال ولم يكن العمل محتمل الحرمة والكراهة فإنه يجوز العمل به ويستحب النفع إذ هو دائر بين الإباحة والاستحباب
[ ١ / ٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فلا وجه للعمل به وأما إذا دار بين الكراهة والاستحباب فمجال النظر فيه واسع إذ العمل دغرغة الوقوع في المكروه وفي الترك مظنة ترك المستحب فينظر إن كان خطر الكراهة أشد بأن تكون الكراهة شديدة والاستحباب المحتمل ضعيفًا فحينئذ يترجح الترك على الفعل فلا يستحب العمل وإن كان خطر الكراهة أضعف بأن تكون الكراهة على تقدير وقوعها كراهة ضعيفة دون مرتبة ترك العمل على تقدير استحبابه فالاحتياط العمل به وفي صورة الماداة يحتاج إلى نظر تام والظن أنه يستحب العمل أيضًا لأن المباحات تصير بالنية عبادة فكيف ما فيه شبهة استحباب لأجل الحديث الضعيف فجواز العمل مشروط بعدم احتمال الحرمة والاستحباب بما ذكر مفصلًا لكن هنا شيء وهو أنه إذا عدم احتمال الحرمة فجواز العمل ليس للحديث الضعيف إذ لو لم يوجد جاز العمل إذ المفروض عدم احتمال الحرمة لا يقال الضعيف ينفي احتمال الحرمة لأنا نقول الضعيف لا يثبت به شيء من الأحكام وانتفاء احتمال الحرمة يستلزم ثبوت الإباحة وهي حكم شرعي فلا يثبت بالخبر الضعيف ولعل مراد النووي ما ذكرناه وإنما ذكر جواز العمل توطئة لاستحبابه وحاصل الجواب أن الجواز معلوم من خارج والاستحباب معلوم أيضًا من القواعد الشرعية الدالة على استحباب الاحتياط في الدين فلم يثبت بالحديث الضعيف شيء من الأحكام بل أوقع الضعيف شبهة الاستحباب فصار الاحتياط أن يعمل به واستحباب الاحتياط معلوم من القواعد الشرعية كذا في بعض شروح الأربعين النووية وهو تحقيق نفيس جدًا ونقله الشنواني في حاشيته على شرح خطبة مختصر خليل للقاني وزاد بعضهم في شروط العمل بالضعيف ألا يعارضه حديث ضعيف ولا حاجة إليه لظهور أنه إذا تعارض
[ ١ / ٨٥ ]
وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك، كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة، فإن المستحب أن يتنزه عنه،
_________________
(١) حديثان ينظر إلى الترجيح ومعلوم أن الصحيح مقدم على الضعيف. قوله: (وأما الأحكام) ومثلها صفات الله تعالى وما يجوز وما يستحيل عليه وتفسير كلامه وتردد الزركشي في تعيين المبهم إذا صح أصله في خبر آخر هل يتسامح في إسناده ويعمل بالضعيف فيه لأنه لا يتعلق بتعينه حكم شرعي أولًا ثم قال والأقرب التسامح ثم ما نقل عن الإمام أحمد بن حنبل من العمل بالحديث الضعيف مطلقًا حيث لم يوجد غيره وأنه خير من الرأي حمل الضعيف فيه على مقابل الصحيح على عرفه وعرف المتقدمين إذ الخبر عندهم صحيح وضعيف لأنه ضعف عن درجة الصحيح فشمل الحسن وأما الضعيف بالاصطلاح المشهور أي ما لم يجمع شروط القبول فليس مرادًا نقله ابن العربي عن شيخه وهو حسن به يندفع ما ذكر من الكلام في هذا الإمام قال الزركشي وقريب من هذا قول ابن حزم: الحنفية متفقون على أن مذهب أبي حنيفة إن ضعيف الحديث عنده أولى من الرأي والظاهر أن مرادهم بالضعيف ما سبق اهـ. قوله: (إلا بالحديث الصحيح أو الحسن) أي سواء كان ذلك لذاته في كل منهما أو لغيره بأن انجبر ضعف ضعيف الحفظ الصدوق الأمين بمجيئه من طرق متعددة فصار حسنًا لغيره فيحتج به فيما ذكر. قوله: (إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك) أي من الأحكام كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة فالمستحب أن يتنزه عنه وكذا ما ذكره الفقهاء من كراهة استعمال الماء المشمس عملًا بخبر عائشة مع ضعفه لما فيه
[ ١ / ٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) من الاحتياط وترك ما يريب قال الزركشي ومما يجوز العمل فيه بالخبر الضعيف من الأحكام ما يكون الموضع موضع احتياط فيجوز الاحتجاج به ظاهرًا قال في كتاب القضاء من الروضة قال الصيمري لو سأل سائل فقال إن قتلت عبدي فهل علي قصاص فواسع إن قتلته قتلناك فعن النبي - ﷺ - من قتل عبده قتلناه ولأن القتل له معان قال وينبغي أن يستثني من منع العمل بالخبر الضعيف في الأحكام ما إذا لم يوجد سواه فقد ذكر الماوردي إن الشافعي احتج بالمرسل إذا لم يوجد دلالة سواه وقياسه في غيره من الضعيف خلافه وأما إذا وجد له شاهد مقو من كتاب أو سنة سواء كان باللفظ أو بالمعنى وذكر في شرح المهذب أنه يعمل بالضعيف إذا روى من طرق مفرداتها ضعيفة فإنها يقوى بعضها بعضًا ويصير حسنًا ويحتج به وجواز العمل بالضعيف مع الشاهد المقوى دون الموضوع لأن للضعيف أصلًا في السنة وهو غير مقطوع بكذبه ولا أصل للموضوع فشاهده كالبناء على الماء اهـ، وفيما ذكره فيه ما فيه أما ما مثل به فليس فيه عمل بخبر ضعيف إنما فيه ذكره موهمًا للسامع ليرتدع عن فعل ما أراد وأما ما استثناه فظاهر صنيع الأصحاب عدم الالتفات إلى الخبر الضعيف في الأحكام وإن لم يوجد غيره وأما ما عند تعدد طرقها فقد قال المحدثون الضعيف قسمان قسم ينجبر بتعدد الطرق وهو ما كان ضعفه لضعف حفظ راويه الصدوق الأمين فيزول بمجيئه من وجه آخر لدلالة ذلك على اختلال ضبطه وكذا إذا كان الضعف لكونه مرسلًا زال بمجيئه من وجه آخر مسندًا أو مرسلًا وعلى هذا القسم يحمل كلام المجموع فإنه عند التعدد يرتقي عن الضعف إلى الحسن لغيره ويصير مقبولًا معمولًا به حينئذٍ قال السخاوي ولا يقتضي ذلك الاحتجاج بالضعيف فالاحتجاج إنما هو بالهيئة المجموعة كالمرسل حيث اعتضد بمرسل آخر أو بمسند ولو ضعيفًا كما قاله الشافعي والجمهور وقسم لا ينجبر وإن كثرت طرقه وهو ما كان ضعفه
[ ١ / ٨٧ ]
ولكن لا يجب، وإنما ذكرت هذا الفصل لأنه يجيء في هذا الكتاب أحاديث منه أنص على صحتها أو حسنها أو ضعفها، أو أسكت عنها لذهول عن ذلك أو غيره، فأردت أن تتقرر هذه القاعدة عند
_________________
(١) لكون راويه متهمًا بالكذب أو فاسقًا أو نحو ذلك فلا يرتقي بتعدد الطرق عن رتبة الضعف إلى الحسن نعم يرتقي بذلك عن درجة المنكر أو ما لا أصل له قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر بل ربما تكثر الطرق حتى توصله إلى درجة المستور أو السيئ الحفظ بحيث إذا وجد له طريق آخر ضعيف ضعفه محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن اهـ، فإذا عرفت ذلك فالقسم الأول لا يستثني من الضعيف لأنه إنما عمل به في الأحكام بعد ارتفاعه لمرتبة الحسن والقسم الثاني الباقي في التعدد على ضعفه لا يعمل به والشاهد من الكتاب والسنة الصحيحة بصحة معناه هو الدليل في تلك الأحكام لا هذا الخبر الضعيف لضعفه في هذا المقام والله أعلم. قوله: (ولكن لا يجب) لكون الإيجاب من الأحكام التي لا تثبت إلا بالخبر المقبول وحينئذٍ فيكون فعل ما نهى عنه خلاف الأولى لا مكروهًا لأنه لا بد فيه من النهي المخصوص نعم إن ثبت فيه حديث مقبول بالنهي عنه ووجد ما يصرفه عن الحرمة كان مكروهًا قال الأصوليون الخلاف في شيء أمكروه هو أم خلاف الأولى اختلاف في وجود النهي المخصوص فيه كصوم يوم عرفة للحاج خلاف الأولى وقيل مكروه لحديث أبي داود وغيره أنه - ﷺ - نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة وأجيب بضعفه عند أهل الحديث اهـ. قوله: (منه) أي الكتاب. قوله: (أو اسكت عنها لذهول إلخ) هذا يقيد به قوله السابق ولا أذكر من الأصول المشهورة أيضًا من الضعيف إلاّ النادر مع بيان ضعفه أي إن ذلك هو الغالب وإلاّ فربما سكت عنه لأمر مما ذكر من ذهول وهو فترة العالم عن معلوم ما في وقت ما لا بسبب معلوم آخر أو غيره من عدم تبين حاله حينئذ. قوله: (عن ذلك المشار إليه النص
[ ١ / ٨٨ ]