وذكَرَهمُ الله تَعالى فِيمَن عِنْدَهُ".
فصل: الذِّكْر يكون بالقلب، ويكون باللسان، والأفضل منه ما كان بالقلب واللسان جميعًا، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل، ثم لا ينبغي أن يترك الذِّكْر باللسان مع القلب
_________________
(١) يجوز أن يقرأ عليهم السكينة بضم الهاء والميم وبكسرهما وبكسر فضم وهو الأشهر اهـ، وقوله وهو الأشهر يحتمل من حيث كونه رواية ومن حيث كونه أشهر لغة والثاني أظهر. قوله: (وذكرهم الله فيمن عنده) أي من الأنبياء وكرام الملائكة لقوله في الحديث القدسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه والعندية هنا عندية شرف ومكانة لا عندية مكان تعالى وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا وذكره تعالى لهم على سبيل المباهاة بهم كما تقدم والرضا بأفعالهم والله أعلم. فائدة نظير هذا الخبر في حصول الأربعة المذكورة خبر مسلم إن لأول ذكر الله أربعًا تنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة وتحف بهم الملائكة ويذكرهم الرب فيمن عنده. فصل قوله: (الذكر يكون بالقلب) قال القاضي عياض ذكره تعالى بالقلب وهو الذكر الخفي وهو أرفع الأذكار الفكرة في عظمة الله تعالى وجلاله وجبروته وآياته في أرضيته وسماواته وفي الحديث خير الذكر الخفي وبعده ذكره بالقلب عند أوامره ونواهيه فيأتمر بما أمر وينتهي عما نهى عنه ويقف عما أشكل اهـ. قوله: (ما كان بالقلب واللسان) أي لأنه عمل جارحة اللسان مع حضور الجنان في ذكره الرحمن فالعمل فيه أكثر فحصل له أشرف أنواع الأجر. قوله: (فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل) قال المصنف في شرح مسلم
[ ١ / ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) نقلًا عن القاضي عياض ذكر ابن جرير الطبري وغيره أنه اختلف السلف في ذكر اللسان والقلب أيهما أفضل قال القاضي عياض وإنما يتصور عندي الخلاف في مجرد الذكر بالقلب تسبيحًا وتهليلًا وشبههما ويدل عليه كلامهم لا أنهم اختلفوا في الذكر الخفي الذي ذكرناه أولًا فذلك لا يقاربه ذكر اللسان فكيف يفاضله والمراد بذكر اللسان مع حضور القلب، وإن كان لاهيًا فلا واحتج من رجح ذكر القلب بأن عمل اليسير أفضل ومن رجح عمل اللسان قال لأن العمل فيه أكثر لأنه زاد باستعمال اللسان فاقتضى زيادة أجر قال القاضي واختلفوا هل تكتب الملائكة ذكر القلب فقيل تكتبه ويجعل الله لهم علامة يعرفونه بها وقيل لا يكتبونه لأنه لا يطلع عليه غير الله تعالى قال المصنف في شرح مسلم قلت الأصح أنهم يكتبونه وإن ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل والله أعلم وقول القاضي وإن كان لاهيًا فلا: مراده فلا خلاف في فضل الذكر بالقلب حينئذٍ وليس مراده فلا فضل فيه لأنه قال قبله وأما ذكر اللسان مجردًا فهو أضعف الأذكار وفيه فضل عظيم كما جاءت به الأحاديث اهـ، ونقله عنه المصنف في شرح مسلم وفي أمالي الشيخ عز الدين بن عبد السلام ذكر القلب أفضل من ذكر اللسان لأن ذكر القلب يثمر الأحوال بخلاف ذكر اللسان اهـ. وقال ابن حجر الهيتمي في شرح المشكاة بعد نقله أفضلية الذكر القلبي على اللسان: وخالف عياض فقال لا ثواب بالذكر بالقلب قال البلقيني وهو حق لا شك فيه اهـ، وقد يقال إن أريد الثواب من حيث اللفظ فالأصح عدمه أو من حيث المعنى واشتغال النفس به فالحق الثواب وانه أفضل من الأول نعم لا يفيد اتفاقًا بشيء مرتبة الشارع على القول حتى يتلفظ به ويسمع نفسه عند صحة السمع وانتفاء نحو اللغط اهـ، كلام شرح المشكاة ذكره في باب الذكر، وكأن ما نقله عن القاضي عياض مذكور في غير باب الدعاء والأذكار من شرحه لمسلم وإلَّا فعبارته فيه ما نقلناها وهي بمعنى عبارة
[ ١ / ١٠٧ ]
خوفًا من أن يُظَن به الرياء، بل يذكر بهما جميعًا ويقصد به وجه الله تعالى، وقد قدمنا عن
الفضيل ﵀:
_________________
(١) الأذكار مصرحة بفضل الذكر القلبي بل بأفضليته ثم كلام المصنف مصرح بفضل الذكر باللسان وإن كان مع الغفلة وبه صرح القاضي عياض وغيره قال الغزالي حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه تحصل الثواب ونفيه إنما هو بالنسبة لعمل القلب اهـ. وفي باب الذكر بعد الصلاة من شرح المشكاة لابن حجر اختلفوا في الذكر باللسان مع غفلة القلب فقال جمع لا ثواب فيه قال الجلال البلقيني وهو حق بلا شك اهـ. وفي باب مخالطة الجنب من الشرح المذكور التصريح بأفضلية الذكر اللساني على القلبي والرد على من قال الأفضل القلبي ثم اللساني بأن الأصحاب مصرحون بأن لا ثواب في الذكر القلبي المحض وكيف يفضل اللساني وفيه الثواب قطعًا والحق إن الأعلى ما جمع القلب واللسان ثم اللساني ثم القلبي ونفي الثواب فيه من حيث الذكر لا ينافي حصوله من حيث حضور القلب مع الله والمراقبة أو المشاهدة له تعالى ففيه ثواب في ثواب وإنما فضل عليه اللساني لأن في الإتيان به امتثالًا لأمر الشارع من حيث الذكر بخلاف ذاك ألا ترى أن ما تعبدنا به من الذكر لا يحصل إلاَّ بالتلفظ به بحيث يسمع به نفسه بخلاف ما إذا لم يسمع بأن أتى به همسًا أو بقلبه فقط فإنه لا يحصل له الامتثال ويقع في لوم الترك وثواب الحضور إنما هو على جهة أخرى أجنبية عن المأمور به فتأمل ذلك اهـ. قوله: (خوفًا من أن يظن به الرياء إلخ) قال الإمام في المطالب من مكائد الشيطان ترك العمل خوفًا من أن يقول الناس أنه مراء وهذا باطل فإن تطهر العمل من نزغات الشيطان بالكلية متعذر فلو وقفنا العمل على ذلك لتعذر الاشتغال بشيء من العبادة وذلك يوجب البطالة وهي أقصى غرض الشيطان ولقد أحسن من قال سيروا إلى الله ﷿ عرجاء ومكاسير ولا تنتظروا الصحة فإن انتظار الصحة بطالة اهـ، وكذا
[ ١ / ١٠٨ ]
أن ترك العمل لأجل الناس رياء، ولو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس، والاحتراز من تطرق ظنونهم الباطلة لانسدَّ عليه أكثر أبواب الخير، وضيع على نفسه شيئًا عظيمًا من مهمات الدين، وليس هذا طريقة العارفين.
_________________
(١) لا يتركه باللسان لغفلة الجنان ففي الرسالة القشيرية سئل أبو عثمان المغربي نذكر الله ولا نجد في قلوبنا حلاوة فقال احمدوا الله ﷿ أن زين جارحة من جوارحكم بطاعته اهـ. وقال ابن عطاء الله في الحكم. لا تترك الذكر لعدم حضورك فيه مع الله لأن غفلتك عن ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عما سوى المذكور وما ذلك على الله بعزيز اهـ، ولا يتركه خشية العجب به بل يعمل ويستغفر الله إذا خاف نحو العجب ولا يترك العمل لذلك لما قال السهروردي إن ترك العمل لذلك من مكائد الشيطان وقد قدمنا في مبحث الإخلاص ما ينفع استحضاره هنا. قوله: (ترك العمل لأجل الناس رياء) تقدم تفسيره نقلًا عن الشعراني بأن معنى ترك العمل للناس تركه لعدم اطلاعهم عليه أي لا يحب العمل إلاَّ في محل يجده فيه الناس فإن لي يجده كسل عن العمل وحينئذٍ ففي العبارة مضافان محذوفان أي لأجل عدم اطلاعهم وقضية سياق المصنف له أنه على ظاهره من ترك العمل للناس أي خشية أن يظن به نحو رياء وذلك لأن ملاحظته لهم تشعر بأنه يرجو مدحهم ويخشى قدحهم وشأن الإخلاص التنزه عن كل ذلك. قوله: (ملاحظة الناس) الملاحظة مفاعلة من اللحظ وهو النظر باللحاظ بفتح اللام فيهما يقال لحظه ولحظ إليه أي نظر إليه بمؤخر العين واللحاظ بالفتح شق العين مما يلي الصدغ أما الذي يلي الأنف فالمؤق والمأق واللحاظ بالكسر مصدر لاحظته إذا راعيته والمراد هنا أنه
[ ١ / ١٠٩ ]
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عائشة رضي عنها عنها قالت: نزلت هذه
الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] في الدعاء.
_________________
(١) لا يلتفت ببصره ولا بصيرته إلى شيء من الأكوان فيعتبر مدحه أو يخشى قدحه فإن ذلك سبب لفوات كثير من الخيور وجالب لأنواع الشرور مبعد للسالك عن طرق السرور. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم إلخ) أخرجه البخاري في كتاب التفسير والتوحيد وأخرجه مسلم أيضًا قال السيوطي في لباب العقول في أسباب النزول بعد تخريجه خبر عائشة من حديث البخاري وأخرج ابن جرير من طرق عن ابن عباس مثله ثم رجح رواية البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس أنها نزلت في الصلاة بكونها أصح إسنادًا قال وكذا رجحها النووي وغيره وقال الحافظ ابن حجر لكن يحتمل الجمع بينهما بأنها نزلت في الدعاء داخل الصلاة وقد أخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة قال كان رسول الله - ﷺ - إذا صلى عند البيت رفع صوته بالدعاء اللهم ارحمني فنزلت فأمروا ألا يخافتوا ولا يجهروا أهو في زاد المسير لابن الجوزي في سبب الآية ثلاثة أقوال أحدها أنه - ﷺ - كان يجهر صوته بالقرآن بمكة فيسب المشركون القرآن ومن أتى به فخفض - ﷺ - صوته بعد ذلك حتى لم يسمع أصحابه فأنزل الله ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ﴿وَلَا تخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك فلا يسمعون قاله ابن عباس، والثاني أن الأعرابي كان يجهر في التشهد ويرفع صوته فنزلت هذا قول عائشة، والثالث أنه - ﷺ - كان يصلي عند الصفا فجهر بالقرآن في صلاة الغداة فقال أبو جهل لا تفتر على الله فخفض النبي - ﷺ - صوته فقال أبو جهل ألا ترون ما فعلته بابن أبي كبشة رددته عن قراءته فنزلت قاله مقاتل اهـ، ويمكن الجمع بحمل حديث ابن عباس على أنه كانت القراءة في الصلاة فيوافق حديثه في البخاري وعند الصفا إما يراد به عند البيت من جانب الصفا فيكون
[ ١ / ١١٠ ]