وقال عطاء ﵀: مجالس الذكْر هي مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق وتحج وأشباه هذا.
فصل: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلي قوله تعالى ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].
وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "سَبَقَ
_________________
(١) جبير من بعض علماء التابعين ومن بعدهم. قوله: (وقال عطاء إلخ) قال الشيخ زكريا في شرح الرسالة القشيرية فإن جميع ذلك ينقل العبد من الغفلة إلى ذكر الله وطاعته اهـ. قال ابن حجر في شرح المشكاة مجالس الذكر مجالس سائر الطاعات ومن قال هي مجالس الحلال والحرام أراد التنصيص على أخص أنواعه اهـ، ونظيره تخصيص المساجد وكلامه تعالى في روايات فهي لكونها أخص وأفضل كما تقدم وقريب من كلام عطاء ما في المفهم للقرطبي مجلس ذكر يعني مجلس علم وتذكير وهي المجالس التي يذكر فيها كلام الله وسنة رسوله وأخبار السلف الصالحين وكلام الأئمة الزهاد المتقدمين المبرأة عن التصنع والبدع والمنزهة عن المقاصد الرديئة والطمع قلت ومثل ما ذكر مجالس سائر الأذكار والطاعات ومجالس الزهاد والأخيار قال القرطبي وهذه المجالس قد انعدمت في هذا الزمان وعوض منها الكذب والبدع ومزامير الشيطان نعوذ بالله من حضورها ونسأله العافية من شرورها اهـ. فصل قوله: (وروينا في صحيح مسلم إلخ) قال الحافظ وأخرجه ابن حبان اهـ، ورواه الترمذي بلفظ قالوا يا رسول الله وما المفردون قال المستهترون في ذكر
[ ١ / ١١٤ ]
المُفَرِّدون، قالوا:
_________________
(١) الله يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون القيامة خفافًا رواه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة والطبراني عن أبي الدرداء فهو حديث مستقل وفي مسلم والترمذي أنه - ﷺ - كان يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان فقال سيروا هذا جمدان سبق المفردون الحديث وخرجه الحافظ من حديث معاذ بن جبل ولفظه قال كنا نسير مع رسول الله - ﷺ - بالدف من جمدان فقال يا معاذ أين السابقون قلت مضوا وتخلف ناس قال إن السابقين الذين يهترون بذكر الله ﷿ من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر من ذكر الله قال الحافظ أخرجه إسحاق في مسنده وفيه راوٍ ضعيف لكنه ينجبر بحديث أبي هريرة والدف السير الخفيف أو مكان عند الجبل المذكور وقوله يهترون بكسر الفوقية معناه يديمون اهـ، وجمدان بضم الجيم وسكون الميم وبالدال المهملة جبل بين قديد وعسفان من منازل أسلم كما في المشارق للقاضي عياض والمفهم القرطبي لكن في سلاح المؤمن وشرح المشكاة لابن حجر جمدان جبل على ليلة من المدينة اهـ. قال القرطبي في المفهم ذكر النبي - ﷺ - هذا القول عقب قوله هذا جمدان لأن جمدان جبل منفرد بنفسه هناك ليس يحاذيه جبل مثله فذكره بهؤلاء المفردين وذكر ابن حجر الهيتمي في شرح المشكاة أوجهًا أخر. قوله: (المفردون) يروى بتشديد الراء المكسورة قال القاضي عياض ضبطناه على مشايخنا كذلك ونقله أيضًا عن متقني مشايخه قال المصنف والمشهور الذي قاله الجمهور التشديد قال ابن الجزري وكذا رويناه وضبطناه عن شيوخنا قال ابن الأعرابي يقال فرد الرجل إذا تفقه واعتزل الناس وخلا بمراعاة الأمر والنهي وقال الأزهري هم المتحلون
[ ١ / ١١٥ ]
وَما المُفَردونَ يا رَسُولَ اللهِ؟ قال: "الذاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا
_________________
(١) من الناس بذكر الله وقيل هم الهرمى الذين هلك أقرانهم من الناس ويذكرون الله، في كشف المشكل لابن الجوزي وقال بعضهم استولى عليهم الذكر فأفردوهم عن كل شيء إلاَّ عن الله ﷿ فهم يفردونه بالذكر ولا يضمون إليه سواه والفارد والمفرد الثور الوحشي اهـ. قال المصنف في شرح مسلم وذكر غير القاضي أنه روي بتخفيف الراء وإسكان الفاء يقال فرد الرجل وفرد بالتخفيف والتشديد وأفرد، وهل هو مع كسر الراء أو فتحها كل محتمل والأقرب أنه مع الكسر وذلك لأنه ذكره أولًا بالتشديد والكسر ثم قال وحكي بالتخفيف وسكت عن الكسر فالظاهر انسحابه مع التخفيف. وقال الحافظ والراء مفتوحة وقيل مكسورة يقال فرد الرجل مشددًا ومخففًا وانفرد الكل بمعنى اهـ. قال الحنفي رجح المصنف يعني ابن الجزري رواية التشديد على التخفيف ويؤيده ما ذكره النووي في الأذكار حيث قال روي المفردون بتشديد الراء وتخفيفها والمشهور الذي قاله الجمهور التشديد اهـ، وجزم بأنه اسم فاعل سواء كان من التفريد أو الإفراد ويؤيده ما في النهاية وغيرها فرد برأيه وفرد واستفرد بمعنى انفرد به اهـ، ويؤيده كلام الحنفي، وجزمه بجزم المصنف بكونه اسم فاعل على التخفيف لعله أخذ من الاستصحاب المذكور في شرح مسلم بما ذكرناه من كسر الراء مع التشديد وسكوته عنه مع التخفيف فالظاهر انسحابه وقال التوربشتي في شرح المصابيح يروى المفردون بتشديد الراد وكسرها وبالفتح والتخفيف اهـ. قال الحنفي في شرح الحصين الحصين وهذا يدل على أنه بالتشديد اسم فاعل وبالتخفيف اسم مفعول وإنما يظهر إذا كان التفريد لازمًا والإفراد متعديًا ويؤيده ما وقع في التاج للبيهقي حيث قال في باب التفعيل يقال فرد الرجل إذا تفقه واعتزل الناس وخلا بمراعاة الأمر والنهي وفسر الإفراد بالمتعدي اهـ، ويجمع بأن أفرد جاء متعديًا وهو ما حكاه الحنفي عن صاحب التاج ولازمًا وهو ما ذكره الباقون. قوله: (وما المفردون)
[ ١ / ١١٦ ]
والذاكرَاتُ" قلت: روي "المفرِّدونَ" بتشديد الراء وتخفيفها، والمشهور الذي قاله الجمهور: التشديد.
واعلم أن هذه الآية الكريمة مما ينبغي أن يهتم بمعرفتها صاحب هذا الكتاب. وقد اختلف في ذلك فقال الإمام أبو الحسن
_________________
(١) أعلم أن "ما" يسأل بها عن حقيقة الشيء وعن وصفه وهو هنا من الثاني أي ما صفة المفردين حتى نتأسى بهم وقيل إنها من الأول وعبر بها دون من هم لإرادتهم تفسير اللفظ وبيان المراد منه لا تعيين المتصفين به وأشخاصهم فعدل - ﷺ - في الجواب عن بيان اللفظ إلى حقيقة ما يقتضيه توقيفًا للسائل بالبيان المعنوي على المعنى إيجازًا فاكتفى فيه بالإشارة المعنوية إلى ما استبهم عليه من الكناية اللفظية قال ابن حجر في شرح المشكاة والأول وإن كان قليلًا أولى من الثاني وإن سلكه كثير لأنه أورد عليه ما أجاب عنه ذلك القائل بقوله وعبر بها دون عن إلخ وفيه تكلف اهـ، بالمعنى. قوله: (والذاكرات) قال المصنف في شرح مسلم تقديره والذاكراته فحذفت الهاء هنا كما حذفت في القرآن لمناسبة رؤوس الآي ولأنه مفعول يجوز حذفه اهـ، وحذف معمول الذاكرات مع وصفه أي والذاكرات ذكرًا كثيرًا اكتفاء بدلالة السياق عليه ثم في هذا الحديث إيماء إلى قوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] حيث عطفهم عطف خاص أو عام على ما سبقه من قوله سبحانه: ﴿إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية وقال القرطبي في المفهم الكثرة المذكورة هنا هي المأمور بها في قوله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ [الأحزاب: ٤١] وهذا السياق يدل على أن الذكر الكثير واجب وذلك أنه لم يكتف بالأمر حتى أكده بالمصدر ولم يكتف به حتى أكده بصفته وهذا لا يكون في المندوب فظهر أنه ذكر كثير واجب ولا يقول أحد بوجوب الذكر باللسان دائمًا وعلى كل حال كما هو ظاهر هذا الأمر فتعين أن يكون ذكر
[ ١ / ١١٧ ]
الواحدي: قال ابن عباس ﵁:
_________________
(١) القلب كما قاله مجاهد ولم يقل هو ولا غيره فيما علمنا بوجوب الذكر باللسان على الدوام فلزم أنه ذكر القلب وإذا ثبت فذكر القلب لله تعالى إما على جهة الإيمان به والتصديق بوجوده وصفاته وصفات كماله وأسمائه فهذا يجب استدامته ذكرًا وحكمًا في حال الغفلة لأنه لا ينفك عنه إلاَّ بنقيضه وهو كفر، وأما ما ليس راجعًا إلى الإيمان وهو ذكر الله عند الأخذ في الأفعال فيجب على كل مكلف ألا يقدم على فعل حتى يعرف حكم الله فيه لإمكان أن يكون الشرع منع منه ولا ينفك المكلف عن فعل أو قول على سبيل الدوام فذكر الله واجب كذلك ولذا قال بعض السلف اذكر الله عند همك إذا هممت وحكمك إذا حكمت وقسمك إذا قسمت وما عدا هذين الذكرين لا يجب استدامته ولا كثرته والله أعلم اهـ. وما ذكر من كون الذكر اللساني لا يجب على الدوام مسلم لكن كون الحديث مثل الآية في كونه مأمورًا به فيقتضي الوجوب فيه نظر ظاهر والأقرب ما سلكناه من أنه نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية في الثناء على أرباب الكمال بالقيام بمحاسن الصفات والأفعال ولا شبهة في شرف من حاز ذلك المقام والذكر شامل للسان والجنان بسائر الأقسام وقد جعله كذلك في الحرز الثمين على أن في اقتضاء الآية وجوب الذكر ما لا يخفى فمن ثم لم يذكره مشاهير المفسرين حتى تلميذه القرطبي في تفسيره الكبير بل قال في تفسير الآية أمر الله عباده بأن يذكروه ويشكروه ويكثروا من ذلك على ما أنعم به وجعل ذلك عند جد ليسهل على العبد ويعظم الأجر فيه اهـ. والذكر بالمعنى المذكور مندوب فالظاهر أن التأكيد بالاهتمام بشأن المأمور به والحض على فعله والإكثار منه والله أعلم على أن ابن حجر اعترض في شرح المشكاة حمل الذكر الكثير في الآية على القلبي بأنه لا ثواب فيه من حيث الذكر وإن ثبت من جهة أخرى كما سبق
[ ١ / ١١٨ ]
المراد: يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدوًا وعشيًا، وفي المضاجع،
_________________
(١) نقله. قوله: (المراد يذكرون الله إلخ) لعله أشار إلى مواظبة ما ورد عنه - ﷺ - في جميع أحواله من مقاله كذا في الحرز فظاهر سياق المصنف يخالفه إذ لو كان مراد ابن عباس ذلك لاكتفى به عن افتاء ابن الصلاح الذي نقله أو أيده بكلام ابن عباس فإنه هو إذ المراد بالمأثورة فيه المأثورة عنه - ﷺ - كما قيده به ابن الجزري في الحصين الحصين لكنه نقله عن العلماء وكأنه لارتضائهم له، نعم إن أريد بها أعم من ذلك ومما أثر عن صحابي وتابعي ظهر الفرق وقد قال الشيخ الإمام أبو الحسن البكري في شرح مختصر الإيضاح ويتلخص من كلام النووي أن الوارثين من الأولياء إذا خصوا ذكرًا بوقت أو حال كان سنة فيه وفي مسامحة الفقهاء بذلك نظر أي فيقال في ذلك لا بأس بكذا لأن في ثبوت السنة بذلك نظرًا غير أن موافقة النووي في ذلك عندي أحسن، ولم لا وهم القوم الذين ما منهم إلا من أحسن، لا سيما وللذكر من الأصول العامة، ما يقتضي عدم الحجر فيه عند من زكى الله فهامه اهـ، وسيأتي في أذكار المسافر مزيد لهذا المعنى إن شاء الله تعالى ثم رأيت ما يؤيد ما ذكرته وهو ما في فتح الإله تفسير الذكر لله كثيرًا بالإتيان بالذكر الوارد في السنة في جميع الأحوال والأوقات مرادف في الحقيقة لضبطه بشغل أوقاته بالذكر لكن فيه قيد الوارد ولا بد منه اهـ، أي فهو أخص من الثاني لعموم الثاني الوارد وغيره ولو عمم أو خصص في الجانبين لكانا مترادفين وارتفع التخصيص من البين أي ولا يخالفه سياق المصنف لأن النقل عن ابن عباس إنما هو في كلام الواحدي الذي نقله المصنف بجملته غير متصرف فيه والنقل عن إفتاء ابن الصلاح من المصنف وسكت عن تأييده بكلام ابن عباس إما لما ذكر من ترادفهما بناء على التعميم أو التخصيص أو اكتفاء بفهم المخاطب. قوله: (في أدبار الصلوات) أي التي يطلب فيها ذلك
[ ١ / ١١٩ ]
وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى. وقال مجاهد: لا يكون من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا.
_________________
(١) من المفروضات قال الحافظ زين الدين العراقي وفي قوله - ﷺ - إذا صليتم فقولوا. الحديث، ما يدل على أن الشروع في الذكر يكون عقب التسليم فإن فصل يسيرًا بحيث لا يعد معرضًا عن الإتيان به أو كثيرًا ناسيًا فالظاهر أنه لا يضر بخلاف ما إذا تعمد فإنه لا تحصل له السنة المشروعة وإن أثيب عليه من حيث الذكر ثم قال ولا يضر طول الفصل بين التسبيح ونحوه بغيره من الواردات اهـ، وسيأتي لهذا مزيد في الذكر عقيب الصلاة. قوله: (وكلما غدا) كل بالنصب فيه ظرف لقوله بعد ذكر الله، وما فيه مصدرية أي ذكر الله في كل غدو ورواح وفي مثله يكتب ما موصولة بكل وينصب ظرفًا بخلافها إذا كانت موصوفة فتفصل ويعرب كل بحسب العوامل والغدو السير أول النهار ونقيض الرواح وقد غدا يغدو غدوًا كذا في النهاية. قوله: (وقال مجاهد لا يكون من الذاكرين الله كثيرًا حتى يذكر الله قائمًا الخ) أي لا ينساه أبدًا كما عبر به في تفسير الذكر الكثير فيما نقله عن ابن الجوزي في زاد المسير والمراد على حسب الطاقة البشرية قال في الحرز وكأنه أشار بقوله حتى يذكر الله إلخ إلى قوله تعالى في تفسير أولي الألباب (﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] اهـ، واختلف في الذكر في الآية فقال علي وابن مسعود وابن عباس وقتادة أنه الذكر في الصلاة لقوله - ﷺ - قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب وقال طائفة من المفسرين الذكر في الصلاة وغيرها وقيل المراد به الخوف والمعنى يخافون الله قيامًا في تصرفهم وقعودًا في دعتهم وعلى جنوبهم في منامهم اهـ. كذا في زاد المسير وحكى القرطبي عن الحسن وغيره قولًا إن المراد بالذكر الصلاة نفسها ومنه يعلم إن
[ ١ / ١٢٠ ]
وقال عطاء: من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قول الله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ هذا نقل الواحدي.
وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول - ﷺ -: أيْقَظَ الرَّجُلُ أهلَهُ مِنَ الليْلِ فَصَلَيَا
_________________
(١) الذكر الكثير بالتفسير المذكور إنما يكون مما في الآية على الوجه الثاني والرابع وعليه فيفارق قول عطاء بأنه خص الذكر بالصلاة الخمس فهو مناسب لقول علي وغيره وعمم مجاهد ومجاهد هو ابن جبير ويقال ابن جبير بالتصغير أبو الحجاج المكي المخزومي مولاهم مولى عبد الله بن السائب ويقال مولى السائب ابن السائب المخزومي تابعي متفق على جلالته وإمامته توفي سنة إحدى ومائة. قوله: (وقال عطاء من صلى الخمس إلخ) نقله ابن الجوزي في زاد المسير عن ابن السائب ولم يسمه قال في الحرز فكأنه نبه بالقدر الواجب على ما عداه من القرب. قوله: (وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله - ﷺ - إلخ) أورد القرطبي هذا الخبر في تفسير سورة الأحزاب موقوفًا على أبي سعيد من قوله بلفظ من أيقظ أهله بالليل وصليا أربع ركعات كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات. وهو في حكم المرفوع إذ مثله لا يقال رأيًا فالمسكوت عنه في كلام القرطبي رفع لفظه وقال الحافظ بعد إخراجه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري قالا قال رسول الله - ﷺ - إذا استيقظ الرجل إلخ حديث صحيح أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان واختلف في رفعه، وقفه علي بن الأقمر الراوي له عن الأغر عن أبي سعيد وأبي هريرة فرفعه عنه الأعمش وتابعه عليه اليماني أخرجه أبو يعلى من طريقه وخالفهما سفيان الثوري فوقفه ثم أخرجه من حديث سفيان الثوري عن علي بن الأقمر عن الأغر عن أبي سعيد قال إذا أيقظ امرأته فصليا ركعتين كنبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات
[ ١ / ١٢١ ]
-أو صَلَّى- رَكعَتينِ جَمِيعًا كُتِبَا في الذاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا والذّاكِرَاتِ" هذا حديث مشهور
_________________
(١) وقال أخرجه أبو داود والحاكم قال أبو داود رواه عبد الرحمن ابن مهدي عن سفيان وأراه ذكر فيه أبا هريرة وحديث سفيان موقوف وقال الحاكم رفعه عيسى الرازي عن سفيان اهـ. قوله: (أو صلى) شك من الراوي قال ابن حجر في شرح المشكاة وعليه فيحمل على أن المراد صلى منهما فساوى الرواية الأولى لكن يأباه قوله في حديث النسائي فصليا جميعًا وفي رواية ابن ماجة فصليا ركعتين إلخ من غير شك ولعل هذا الشك عند من عداه ممن ذكر من الرواة. قوله: (كتب) بالإفراد كذا في أصل مصحح وفي المشكاة كتبا بألف التثنية وهو كذلك في أصل صحيح معتمد من سنن ابن ماجة. قوله: (في الذاكرين الله إلخ) أي في جملتهم إذ الصلاة تسمى ذكرًا لاشتمالها عليه وفيه بشرى عظيمة إذ هذا الوصف الممدوح فاعله بقوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ويحصل أدناه مع اقتضائه الدوام والاستمرار بصلاة ركعتين بعد النوم من الليل. قوله: (مشهور) المشهور قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر وغيره ما له طرقا محصورة بأكثر من اثنين ولم يبلغ حد التواتر سمي بذلك لوضوحه وسماه جماعة من الفقهاء المستفيض لانتشاره من فاض الماء يفيض فيضًا ومنهم من غاير بينهما بأن المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء والمشهور أعم ومنهم من عكس اهـ، ثم هو صحيح وغيره، ومشهور بين أهل الحديث خاصة وبينهم وبين غيرهم من العلماء والعامة وقد يطلق المشهور ويراد به ما اشتهر على الألسنة وإن كان ليس له إلا إسناد واحد بل يطلق على ما لا يوجد له إسناد أصلًا وقد صنف في هذا القسم الزركشي الدرر المنثورة ولخصه الحافظ السيوطي في الدرر المنثرة والسخاوي في المقاصد الحسنة وقال الحافظ مراد الشيخ بقوله حديث مشهور شهرته على الألسنة، لا أنه مشهور
[ ١ / ١٢٢ ]
رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة في سننهم.
_________________
(١) بالمعنى الاصطلاحي إذ هو من إفراد علي بن الأقمر عن الأغر. قوله: (رواه أبو داود إلخ) ورواه ابن ماجة من حديثه وحديث أبي هريرة وكذا أخرجه من حديثهما أبو داود والنسائي كما في المشكاة قال الحافظ رواه أبو داود ومن ذكر كما قال لكنهم ذكروا أبا هريرة مع أبي سعيد فما أدري لم حذفه فإنهما عند جميع من أخرجه مرفوعًا، وأما من أفرد أبا سعيد فإنه أخرجه موقوفًا كما تقدم بيانه مبسوطًا قال المنذري في الترغيب بعد إيراده باللفظ الذي أورده المصنف لكن رواه عن أبي سعيد وأبي هريرة معًا أبو داود وقال رواه ابن كثير موقوفًا على أبي سعيد ولم يذكر أبا هريرة ورواه النسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم وألفاظهم متقاربة من استيقظ من الليل وأيقظ أهله فصليا ركعتين زاد النسائي جميعًا كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين اهـ. "وابن ماجة" هو أبو عبد الله محمد بن يزيد الحافظ القزويني بفتح القاف وسكون الزاي المعجمة وكسر الواو وسكون التحتية ثم نون نسبة لقزوين أشهر مدن عراق العجم قال العراقي الربعي مولاهم وماجة بتخفيف الميم لقب يزيد بن يزيد والدابي عبد الله قال السيوطي في مصباح الزجاجة كذا. رأيته بخط أبي الحسن بن القطان وهبة الله بن زاحان وقد يقال محمد بن يزيد بن ماجة والأول أثبت ولذا قال المصنف في باب تحريم قتل الكافر بعد قول لا إله إلاَّ الله من باب الإيمان من شرحه لمسلم محمد بن يزيد بن ماجة ومحمد بن علي ابن الحنفية وإسماعيل بن إبراهيم ابن علية والمقداد بن عمرو بن الأسود كل هؤلاء ليس الأب فيهم ابنًا لمن بعده فيتعين أن يكتب يعني من هو في محل الجد صورة ابن بالألف وأن يعرب إعراب الابن المذكور أولًا فالحنفية زوجة علي أي وماجة لقب يزيد وهذا من المواضع التي تتوقف صحة الإعراب فيها على معرفة التاريخ اهـ، وهو إمام من أئمة المسلمين كبير متقن
[ ١ / ١٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مقبول بالاتفاق صنف التفسير والتاريخ والسنن وتقرن سننه بالكتب الخمسة وأول من قرنه بها الحافظ أبو الفضل بن طاهر وتبعه عليه من بعده فصار أحد الكتب الستة وكان أحدها قبل الموطأ ضمه إليها ابن الأثير في جامع الأصول ورزين فأبدل ابن طاهر من الموطأ سنن ابن ماجة وجعله أحد الكتب الستة وجرى عليه أصحاب الأطراف وأسماء الرجال وعبارة الذهبي وابن خلكان وكتابه أي ابن ماجة أحد الكتب زاد أولهما التي هي أصول الحديث وأمهاته ولا ينافيه قول المصنف إنه لا يلتحق بالأصول الخمسة في الاحتجاج فإنا لا نخالف في كون رتبتها أعلى من رتبته وقدموه على غيره ممن سبقه لكثرة زوائده المرفوعة على الخمسة وجرى على إبقاء الأصول خمسة غير ضام إليها غيرها جمع منهم المصنف فقال كما تقدم عنه وهي خمسة وكذا الشافعي في آخرين واختلف في عدد أحاديثه التي تكلم فيها فعن أبي زرعة لما وقف عليه عند عرضه له عليه ليس فيه إلا نحو سبعة أحاديث وعن ابن ماجة نفسه عن أبي زرعة قال لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا وحمل الذهبي ذلك على الساقط مرة وإلا فضعيفه أكثر من ذلك قال وفيه أحاديث ضعيفة جدًا حتى بلغني أن الحافظ المزي كان يقول مهما انفرد تخريجه فهو ضعيف غالبًا وليس الأمر في ذلك على إطلاقه باستقرائي وفي الجملة ففيه أحاديث كثيرة منكرة وحمل الشمس محمد بن الحسين كلام المزي على ما انفرد به عن الخمسة اهـ. وقال الحافظ وهو ظاهر كلام شيخه لكن حمله على الرجال أولى وحمله على الأحاديث لا يصح لوجود الصحاح والحسان فيما انفرد به عن الخمسة اهـ. ولعمري إن من نظر في هذا الكتاب علم منزلة الرجل من حسن الترتيب وغزارة الأبواب وقلة الأحاديث يعني الزائدة على القصد بالتبويب وترك التكرار إلاَّ نادرًا جدًا والمقاطيع والمراسيل والموقوف ونحوه والله أعلم، ولد ابن ماجة سنة تسع ومائتين ورحل إلى البلدان وسمع بمكة والمدينة ومصر والشام والعراق والري ونيسابور والبصرة ومن حفاظ شيوخه أبو زرعة الرازي الذي كان إليه المنتهى
[ ١ / ١٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) في الحفظ حتى قال فيه أحمد أنه يحفظ ستمائة ألف حديث وقال الحافظ أنه أحفظ أهل زمانه والذهلي وسلمة بن شبيب وآخرون وشارك الشيخين في جماعة من الحفاظ منهم بندار وأبو كريب ومحمد بن المثنى وآخرون روى عنه ابن سمويه محمد بن عيسى الصفار وآخرون قال الرافعي في تاريخه والمشهور برواية السنن عنه علي بن إبراهيم القطان وسليمان ابن يزيد القزوينيان وأبو جعفر محمد بن عيسى المطوفي وأبو بكر حامد بن لينويه الابهريان وزاد الحافظ ابن حجر وسعدون وإبراهيم بن دينار وأثنى عليه الأئمة بالحفظ والإتقان وكمال المعرفة بهذا الشأن فقال الخليلي أنه ثقة كبير متفق عليه محتج به له معرفة بالحديث والحفظ وقال الرافعي في أماليه كان من أئمة الحديث المعتبرين الموثوق بقولهم وكتابهم وقال الذهبي في تاريخ الإسلام وتبعه ابن الصلاح كان محدث قزوين غير مدافع وقال الذهبي كان حافظًا صدوقًا ثقة في نفسه وقال ابن خلكان مما تبعه فيه اليافعي في تاريخه كان إمامًا في الحديث عارفًا بعلومه وجميع ما يتعلق به وقال الكمال الدميري في مقدمة الديباجة الشيخ الإمام الحافظ العلامة المفسر المتقين الحجة ذو الرحلة الواسعة والعلوم النافعة في آخرين قال السخاوي ولم أو أحدًا ذكره في طبقات الشافعية وفي قصيد أبي الحسن الهمداني ما لعله يشعر بذلك وما أظن الإمام الرافعي يغفل من تدوينه الذي لم يتيسر لي بمكة الوقوف عليه ما يستفاد الغرض منه وإن كان الميل في غالب أئمة الحديث لعدم التقليد والله المستعان قال ابن طاهر وجدت بخط صاحبه جعفر بن إدريس أنه مات يعني بقزوين يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين وتولى دفنه أبو بكر وأبو عبد الله أخواه وعبد الله ولده قال السخاوي وما وقع في بعض النسخ التي رأيتها من مرآة الزمان من كون عام وفاته سنة أربع وسبعين فغلط وكذا ما وقع لغيره أنه سنة خمس فكونه سنة ثلاث لم يحك الجمهور غيره
[ ١ / ١٢٥ ]
وسئل الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀ عن القدر الذي يصير به من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، فقال: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحًا ومساءً في الأوقات والأحوال المختلفة ليلًا نهارًا -وهي
_________________
(١) ولكن قول الحافظ الذهبي في تاريخه أنه أصح يقتضي وجود المخالفة والله أعلم. قوله: (وسئل الشيخ) في القاموس الشيخ والشيخون من استبانت فيه السن أو من خمسين أو إحدى وخمسين إلى آخر عمره أو إلى الثمانين اهـ، وفيه أقوال أخر ذكرتها مع بيان جموعه في حاشيتي على شرح الشيخ خالد الأزهري على الآجرومية ويطلق الشيخ كما في الصحاح على من لم يبلغ هذا السن للتبجيل يقال شيخت الرجل أي وصفته به تبجيلا. قوله: (أبو عمرو) بالواو بعد الراء فرقا بينه وبين عمر ولذا حذفت منه في النصب لحصول التمييز بالألف وقضية العلة أن من يقف بالسكون ولا يثبت الألف يثبتها في النص لحصول الالتباس. قوله: (ابن الصلاح) بصاد مهملة مشددة ولام مخففة مفتوحتين ثم حاء مهملة اختصار من لقب أبيه إذ هو حافظ العصر تقي الدين أبو عمرو عثمان ابن الإمام الزاهد العابد صلاح الدين عبد الرحمن الشهرزوري ثم الدمشقي الشافعي ولد سنة سجع وسبعين وخمسمائة وتوفي بدمشق في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة قال ابن خلكان بلغني أنه درس جميع المذهب قبل أن يطلع شاربه اهـ، وكان أحد فضلاء عصره تفسيرًا وحديثًا وفقهًا وأسماء رجال ومتعلق علم الحديث. له مشاركة في فنون كثيرة مع عبادة وورع وتعبد وملازمة للخير على طريق السلف له التآليف العديدة المفيدة. قوله: (المأثورة) بالمثلثة أي مما أثر من الذكر عن الشارع - ﷺ - وتقدم عند التعارض الأصح إسنادًا أي أو نزل منزلته كالآتي عن الصحابة فإنه نزل منزلة ما جاء عنه - ﷺ - في أذكار الطواف ففضل الاشتغال به فيه على الاشتغال بالقرآن فيه وكما تقدم إن صنيع المصنف يقتضي أن ما جاء
[ ١ / ١٢٦ ]