بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لِلهِ الواحدِ القَهَّارِ، العزيزِ الغفار، مقدرِ الأقدار، مصرفِ الأمور، مكوِّرِ الليل على النهار، تبصِرةَ
_________________
(١) قوله: (الحمد لله) سيأتي الكلام على الحمد في بابه إن شاء الله تعالى. قول: (القهار) ذكره عقب الواحد المستلزم له لأن مقام الخطبة مقام إطناب، وتنبيهًا على علو مقام الرهبة المنبئ عن أوصاف الجلال، المبني عليه كل شرف وكمال. قوله: (مقدر الأقدار) يصح فيه النصب على الحالية ولا يمنع منها إضافته بناء على جعلها لفظية، واسم الفاعل فيها للتجدد والحدوث، والجر على الوصفية، ويقدر الوصف فيه للثبوت والاستمرار فتكون الإضافة معنوية، أو على البدلية سواء كانت الإضافة لفظية أو معنوية، والأقدار جمع واحده قدر، وهو بفتح الدال مصدر قدر يقدر قدرًا، وقد يسكن، عبارة عما قضاه الله وحكم به من الأمور، كذا في النهاية لابن الأثير. قول: (مكور الليل إلخ) في مفردات الراغب كور الشيء إدارته وضم بعضه إلى بعض ككور العمامة. وقوله: " ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر: ٥] الآية" إشارة إلى جريان الشمس في مطالعها وانتقاص الليل والنهار وازديادهما. اهـ. وفي تفسير الواحدي ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ يدخل هذا على هذا، والتكوير هو طرح الشيء بعضه على بعض اهـ، وفي عبارة المصنف اقتباس كما لا يخفى على الأكياس، اكتفى بذكر تكوير الليل على النهار عن مقابله وإنما اقتصر عليه لأن الليل لخلوته وخلوه عن الاشتغال محل الاشتغال بالذكر والطاعة في الأقوال والأفعال فلذا عمم طلب الذكر في جميع أوقاته ولا كذلك النهار في قوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: - ١٣٠]. ولذا فضل النفل المطلق فيه على نفل النهار وسيأتي لهذا مزيد. قوله: (تبصرة) أي تبصيرًا وتبيينًا وهما مصدرا بصر، المضعف
[ ١ / ٦ ]
لذوي القلوب والأبصار، الذي أيقظ مِنْ خلقه مَن اصطفاه فأدخله في جملة
_________________
(١) يقال: في مصدره تبصيرًا وتبصرة كقدم تقدمة وتقديمًا ثم هو مفعول أو حال. قول: (لأولي) أي أصحاب وهو اسم جمع واحد ذو بمعنى صاحب وكتبت الواو بعد الهمزة فيه حال النصب والجر لئلا تشتبه بألى الجارة وحال الرفع طردًا للباب. قول: (والأبصار) جمع بصر في مفردات الراغب البصر يقال للجارحة الناظرة وللقوة التي فيها ولقوة القلب المدركة ويقال لها بالمعنى الأخير بصيرة أيضًا اهـ، وعلى الأولين فالعطف على القلوب من عطف المغاير وكذا على الأخير وليس من عطف الرديف لأن البصر اسم لقوة القلب المدركة لا للقلب وأتى به دون البصائر للإيهام المذكور وللسجع المستلذ في السمع. قوله: (الذي أيقظ) إن أعرب "مقدر" بدلًا فيجوز أن يكون الموصول بدلًا أيضًا فيكون مجرور المحل، وأن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف فيكون مرفوعه ولا يجوز اعرابه حينئذٍ نعتًا لأن البدل إذا اجتمع مع النعت تعين تأخيره عنه، وإن أعرب مقدر نعتًا وجعلت إضافته معنوية أو حالًا وإضافته لفظية لما تقدم جاز إعراب الموصول وصفًا أو بدلًا أو خبر مبتدأ محذوف، وفي النهاية اليقظة أي بفتح القاف والاستيقاظ الانتباه من النوم، ورجل يقظ ويقظ ويقظان إذا كان فيه معرفة وفطنة اهـ، والمراد هنا أيقظهم من سنة الغفلات ففي الفقرة استعارة مكنية، يتبعها استعارة تخييلية، شبه الغفلة بالنوم بجامع انتفاء كل منهما كما ورد في الحديث "مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله مثل الحي والميت" فالتشبيه المضمر في النفس استعارة مكنية وإثبات الإيقاظ الذي هو من لوازم المشبه به استعارة تخييلية. قوله: (اصطفاه) أي اجتباه وإفراد الضمير فيه وفيما بعده اعتبارًا بلفظ من.
[ ١ / ٧ ]
الأخيار، ووفَّق من اجتباه من عبيده فجعله من الأبرار، وبصَّر من أحبه
_________________
(١) والاصطفاء أخذ الصفوة والصفوة بتثليث الصاد، والأصل اصتفاه فقلبت التاء طاء لوقوعها بعد حرف الصفير. قوله: (الأخيار) جمع خير، وخير مخفف خير كميت وميت، وجوز الهمداني كونه جمع خير وفي إعراب السمين أمواتًا جمع ميت وقياسه على فعائل كسيد وسيائد والأولى أن يكون أموات جمع ميت مخففًا كالأقوال في جمع قيل اهـ، وتعقبه شيخي العلامة عبد الله العصامي في منهوات شرح الشذور له بأن حكمه بأن الأولى كونه جمع ميت، فيه نظر لأن أفعالًا إنما تنقاس جمعيته لما كان ثلاثيًا وإذا كان ميت مخفف ميت فهو رباعي لا محالة فيكون جمع ميت على خلاف القياس اهـ، وظاهر أن جميع ما ذكره يأتي في كونه جمع خير مخفف خير. قوله: (من عبيده) جمع عبد وسيأتي معناه وله عشرون جمعًا جمع منها ابن مالك أحد عشر في بيتين وكملها الجلال السيوطي في بيتين آخرين فقال ابن مالك: عباد عبيد جمع عبد وعبد أعابد معبوداء معبدة عبد كذلك عبدان وعبدان أثبتا كذاك العبدي وامدد إن شئت أن تمد وقال السيوطي: وقد زيد أعباد عبود وعبدة وخفف بفتح والعبدان أن تشد وأعبد عبدون وتمت بعدها عبيدون معبودا بقصر فخذ تسد قوله: (الأبرار) جمع بار يقال برّ في يمينه فهو بار وبرّ أبلغ من بار كعدل وعادل وفي النهاية البر في حق الوالدين والأقربين من الأهل ضد العقوق وهو الإساءة إليهم وتضييع حقوقهم يقال بر يبر فهو بار وجمعه بررة وجمع البر أبرار وهو كثيرًا ما يخص بالأولياء والزهاد والعباد اهـ. قوله: (أحبه) لمحبة
[ ١ / ٨ ]
فزهَّدهم في هذه الدار، فاجتهدوا في
_________________
(١) لاستحالة قيام حقيقتها من الميل النفساني بالباري ﷾ المراد بها هنا غايتها من إرادة الثواب فتكون صفة ذات، أو الإثابة فتكون صفة فعل وقال القشيري في الرسالة محبة الله للعبد إرادته لإنعام مخصوص على العبد كما أن رحمته لو إرادة الإنعام عليه فالرحمة أخص من الإرادة والمحبة أخص من الرحمة، فإرادة الله تعالى أن يوصل العبد الثواب والإنعام تسمى رحمة وإرادته لأن يخصه بالقربة والأحوال العلية تسمى محبة وإرادته تعالى صفة واحدة، بحسب تفاوت متعلقاتها تختلف أسماؤها فإذا تعلقت بالعقوبة تسمى سخطًا وإذا تعلقت بعموم النعم تسمى رحمة وإذا تعلقت بخصوصها تسمى محبة وقوم قالوا محبة الله تعالى للعبد مدحه له وثناؤه عليه بجميل فيعود معنى محبته له على هذا القول إلى كلامه، وكلامه قديم. وقال قوم محبته للعبد من صفات فعله فهو إحسان مخصوص يلقى الله العبد به ويرقيه، وقوم من السلف قالوا محبة الله من صفات الخيرية، فأطلقوا هذا اللفظ فوقفوا عن التفسير، قال الشيخ زكريا في شرحه فهذه أربعة أقوال ترجع إلى قولين لرجوع الفعل إلى الإرادة والخيرية إلى الكلام اهـ، وإفراد الضمير في أكثر النسخ باعتبار لفظ من وجمعها في نسخة باعتبار معنى من. قوله: (فزهدهم إلخ) الزهد شرعًا أخذ قدر الضرورة من الحلال المتيقن الحل وهو أخص من الورع اذ هو ترك المشتبه وهذا زهد العارفين وإليه أشار بقوله فزهدهم في هذه الدار وإلى هذا المعنى أشار من قال: إن لله عبادًا فطنًا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا وأعلى منه زهد المقربين وهو الزهد فيما سوى الله تعالى من جنة وحال
[ ١ / ٩ ]
مرضاته والتأهُّب لدار القرار، واجتنابِ ما يسخطه والحذر من عذاب النار، وأخذوا أنفسهم بالجد في طاعاته وملازمةِ ذِكْره بالعشيِّ والإبكار، وعند تغاير الأحوال وجميع آناء الليل
_________________
(١) ومقام. وليس لصاحب هذا المقال مرام إلا الوصول إليه والقرب منه تعالى والزهد في الدنيا باحتقار جميع شأنها لتصفير الله إياها وتحقيره لها. قوله: (مرضاته) مصدر ميمي أي رضاه، ورضا الله عن العبد قال الراغب هو أن يراه مؤتمرًا بأمره منتهيًا عن نهيه. قوله: (ما يسخطه إلخ) السخط من الله تعالى إنزال العقوبة كما في مفردات الراغب وفي أمالي ابن عبد السلام غضب الله فيه ثلاث مذاهب قال الشيخ أبو الحسن الأشعري هو صفة ذات وعبّر به عن الإرادة وقال القاضي هو صفة فعل وعبر به عن معاداة الغاضب لمن غضب عليه وقال غيرهما هو صفة ذات وعبر به عن سب الله لأعدائه في كتابه فيكون عائدًا إلى صفة الكلام ويجوز فيه كنظائره فتح أوليه وضم أوله وسكون ثانيه. قوله: (والحذر) معطوف إما على مرضاته وهو أولى لسبقه أو على اجتناب لقربه والاجتهاد في الحذر من عذابه بمجانبة الأفعال المؤدية إليه. قوله: (بالجد) بكسر الجيم أي الاجتهاد. قوله: (طاعاته) جمع طاعة وهي امتثال الأوامر واجتناب النواهي وسيأتي الفرق بينها وبين القربة والعبادة. قوله: (بالعشي) هو من زوال الشمس إلى الصباح والبكرة أول النهار كذا في مفردات الراغب وفي النهاية لابن الأثير العشي من الزوال إلى المغرب وقيل إلى الصباح اهـ، ثم في هذه الفقرة إن أجريت على ظاهرها اقتباس من حديث "يقول الله تعالى اذكرني من أول النهار ساعة ومن آخره ساعة أكفك ما بينهما" ويجوز أن يكون كناية عن الاستيعاب وشمول سائر الأزمنة. قوله: (تغاير الأحوال) أي اختلافها. قوله: (وجميع آناء الليل) أي وجميع ساعاته ومفرده إني كمعي كما في النهر لأبي حيان وأناء بفتح الهمزة والمد كما في البيضاوي وإني وإنو ففي واحدة أربعة
[ ١ / ١٠ ]
وأطراف والنهار، فاستنارت قلوبهم بلوامع الأنوار.
أحمده أبلغ الحمد على جميع نِعَمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله العظيم، الواحد الصمد العزيز الحكيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،
_________________
(١) أقوال وقد حكاها الواحدي. قوله: (وأطراف النهار) أي جوانبه قال الواحدي في قوله تعالى: (وَسَبح بِحَمدِ رَبِّكَ) أي صل لله بالحمد له والثناء عليه (﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) يريد الفجر (وَقَبلَ غُرُوبِهَا) يعني العصر (وَمنءَانَآيِ الليلِ) ساعاته قال ابن عباس يريد أول الليل المغرب والعشاء ﴿وَأَطرَافَ النَّهارِ﴾ قال بريد الظهر وسمي وقت صلاة الظهر أطراف النهار لأن وقته عند الزوال وهو طرف النصف الأول وطرف النصف الثاني اهـ، ثم تعبير المصنف بما عبر به إيماء إلى أنه ينبغي استغراقه جميع الليل وطرفي النهار بالذكر وذلك لأن في النهار زمن الاشتغال بأحوال المعاش، واستغراقه بالأعمال ربما يكون سببًا لفوات ذلك وقد يترتب عليه ضياع الأهل والعيال المنهي عنه في قوله - ﷺ - "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول" ويصح أن يراد بأطراف النهار جميع أزمنته فكثيرًا ما يعبر بالبعض عن الكل وكثيرًا ما يأتون بعبارة ليست صريحة في التعميم وهو مرادهم بها لكثرة الاستعمال كأعطيت القوم عن آخرهم أي عممتهم بالعطاء وعليه فالمراد جميع ذلك على قدر الاستعداد وحسب الطاقة وفي الفقرة اقتباس. قوله: (بلوامع الأنوار) يقال لمع البرق كسطع أضاء وهذا من إضافة الوصف للموصوف أي الأنوار اللوامع وهو جائز عند الكوفيين ولا بد من تأويله عند البصريين. قوله: (عبده) العبد والعبدل لغة الإنسان وشرعًا المكلف ولو حرًا وهو أسنى أوصاف الإنسان ولذا نعت - ﷺ - في أشرف المقامات في القرآن قال بعض العلماء وقال بعضهم العبد يقال عليّ أضرب: عبد بحكم الشرع وهو الإنسان الذي يصح بيعه وابتياعه. وعبد بالإيجاد وذلك ليس إلَّا لله تعالى ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ
[ ١ / ١١ ]
وصفيه وحبيبه وخليله،
_________________
(١) وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٣] وعبد بالعبادة وهو المقصود بقوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص: ٤١] ومنه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، وعبد الدنيا وأعراضها وهو المعتكف على خدمتها ومراعاتها وإياه قصد النبي - ﷺ - بقوله تعس عبد الدينار والعبودية إظهار التذلل والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل ولا يستحقها إلَّا من له غاية الإفضال وسيأتي لهذا المقام مزيد. قوله: (وصفيه) في النهاية صفى الرجل الذي يصافيه الود يخلصه له فعيل بمعنى فاعل أو مفعول. قوله: (وحبيبه) أي حبيبه الأكبر إذ محبة الله للعبد المستفادة من قوله تعالى: (﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] على حسب معرفته به، وأعرف الناس بالله نبينا فهو أحبهم له وأحقهم باسم الحبيب. وتقدم معنى المحبة من الله وحبيب فعيل من أحب فهو محب أو من حب يحب فهو حبيب. قوله: (وخليله) الخليل الصديق فعيل بمعنى فاعل وقد يكون بمعنى مفعول من الخلة بضم أوله الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت في خلاله أي باطنه وقيل هي تخلل مودة في القلب لا تدع فيه خلاء إلاّ ملأته أو من الخلة بالفتح الحاجة والفقر كذا يستفاد من النهاية لابن الأثير. وفي شرح الأربعين لابن حجر الهيتمي وخليله الأعظم بمعنى مفعول وكان الاقتصار عليه لكونه أنسب بمقام الأدب وأشرف بكونه ذا الخلة التي هي نهاية الأرب وهل مقام المحبة أرجح من مقام الخلة كما يؤذن به الاهتمام بتقديمه وعليه العارف ابن أبي جمرة في حديث الإسراء في كتابه بهجة النفوس وتحليها أو بالعكس ورجحه ابن القيم فقال: وظن أن المحبة أرفع وأن ابراهيم خليل وأن محمدًا حبيب غلط وجهل وما استدل به لتفضيل المحبة إنما يقتضي تفضيل ذات محمد على ذات إبراهيم - ﷺ - وهذا لا نزاع فيه إنما النزاع في الأفضلية المستندة إلى أحد الوصفين والذي قامت عليه الأدلة استنادها إلى وصف الخلة الموجودة في
[ ١ / ١٢ ]
أفضل المخلوقين، وأكرم السابقين واللاحقين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين
_________________
(١) كل من الخليلين فخلة كل منهما أفضل من محبته واختصابها لتوفر معناها السابق فيهما أكثر من بقية الأنبياء ولكون هذا التوفر في نبينا أكثر كانت خلته أرفع من خلة إبراهيم - ﷺ - قوله: (أفضل المخلوقين) أي حتى من الملائكة على المختار والنهي عن تفضيله - ﷺ - على الأنبياء محمول على التفضيل في نفس النبوة للتساوي فيها أو على تفضيل يؤدي إلى تنقيص لأحد منهم لحرمته بل لأنه يؤدي للكفر أو أنه قاله قبل علمه فلما أخبر به قال أنا سيد ولد آدم وعدل إليه عن أنا سيد آدم وولده إما تأدبًا معه أو لحصول المقصود من سيادته عليه مما قاله لأنه إذا ساد جميع أولاده ومنهم إبراهيم الأفضل من آدم فسيادته عليه بالأولى، والله أعلم. وضعف بأن راوي خبر النهي أبو هريرة متأخر الإسلام جدًا فيبعد عدم الاطلاع وعن تفضيله على يونس نفيًا للجهة لئلا يتوهم من ارتقائه - ﷺ - إلى أعلى المنازل مقام قاب قوسين أو أدنى أنه أقرب إلى الله تعالى من يونس الذي التقمه الحوت ونزل به في قعر البحر بل هما متساويان في القرب من الله تعالى بعلمه إذ القرب أو البعد المكاني من أوصاف الأجسام تنزه سبحانه عن ذلك أشار إليه إمام الحرمين ولم يخبر بهذا المنزع اللطيف حاضري مجلسه حتى التزم واحد لضيفه بألف دينار، فانظر همة هؤلاء الطلبة الأخيار وقد نقل ذلك القرطبي في تذكرته. قوله: (وأكرم السابقين) أي من تقدم حتى الأنبياء والرسل المفضلين على خواص الملك المختار في الأصول واللاحقين وأتى به مع لزوم ما قبله له لأن المقام مقام إطناب. قوله: (والمرسلين) عطف على ما قبله من عطف الرديف إن كان الرسول والنبي بمعنى كما قيل به ومن عطف الخاص على العام إن كان الرسول أخص كما هو المشهور وفيه الصلاة على الأنبياء
[ ١ / ١٣ ]
وآل كل وسائر الصالحين.
أما بعد: فقد قال الله العظيم العزيز الحكيم: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]-
_________________
(١) وقد ورد "صلوا على أنبياء الله ورسله فإنهم بعثوا كما بعثت" أخرجه الطبراني وغيره. قوله: (وآل كل) عدل عن إضافته إلى الضمير المشهور إلى الإضافة إلى الاسم المظهر، لأنها الأحسن كما نبه عليه البهاء السبكي في عروس الأفراح وكونه جرى على مذهب الزبيدي من منع ذلك بعيد يأباه سعة اطلاع المصنف على شواهده ومنها قول عبد المطلب: وانصر على آل الصليـ ـب وعابديه اليوم آلك والآل الذين يحرم عليهم الصدقة ولهم خمس الخمس، مؤمنو بني هاشم والمطلب والأقرب إن المراد هنا ما اختاره جمع من المحققين ومنهم المصنف في شرح مسلم وقال الأزهري إنه أقرب إلى الصواب جميع الأمة وقيده القاضي حسين وغيره بالاتقياء منهم واستندوا إلى حديث ابن عباس مرفوعًا "آل محمد كل مؤمن تقي" أخرجه الطبراني بسند واهٍ جدًا وأخرج البيهقي نحوه عن جابر من قوله وسنده ضعيف وهذا المعنى الأخير أنسب بمقام الدعاء لأنه كلما كان الدعاء أعم كان أتم ويدخل فيه حينئذٍ الصحابة الكرام والتابعون بإحسان على الدوام ثم الصحيح أن أصل آل أول تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا وقيل غير ذلك. قوله: (وسائر الصالحين) أي باقيهم فعطفه على ما قبله من عطف المغاير أو جميعهم فيكون من عطف العام إن أريد بالآل من يحرم عليهم الصدقة الواجبة أو من عطف الخاص على العام أن أريد من الآل المعنى العام أي جميع الأمة وأريد بالصالحين القائمون بما عليهم من حق الله وحق العباد ومن عطف المرادف إن أريد بالصالحين مطلق المؤمنين المعبر عنهم فبما سبق بالأمة أي أمة الإجابة ويقربه عموم الدعاء عليه ويبعده سياق المقام وقرنه مع الآل الكرام. قوله: (﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾) قال الواحدي قال ابن عباس وسعيد بن جبير
[ ١ / ١٤ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]
_________________
(١) اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي روي أن عبد الملك كتب إلى سعيد بن جبير في مسائل فقال في جوابها: وتسأل عن الذكر فالذكر طاعة الله فمن أطاع الله فقد ذكر الله ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن أكثر التسبيح وتلاوة القرآن وتسأل عن قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] فإن ذلك إن الله تعالى يقول "اذكروني بطاعتكم أذكركم بمغفرتي" ويشهد لصحة هذا حديث خالد بن عمران قال: قال رسول الله - ﷺ - "من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن" اهـ، وبمعناه حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - "يقول الله ﷿ أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه" وسئل الحافظ ابن حجر عن معنى هذا الخير فأجاب معنى الخير في الحديث تفضيل الجمع الذي يذكر الله ﷾ عبده فيهم على الجمع الذي يذكر العبد ربه فيه أي جمع كان ولا حجة فيه لمن فضل الملائكة على الأنبياء لأنه ليس المراد والله أعلم تفضيل الملأ والمذكور على الملأ والذاكر وحينئذ فالأفضلية للمجموع على المجموع وبهذا يزول الإشكال ولا يلزم منه ما تخيله المستدل به على تفضيل غير الأنبياء. قوله: (وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] أي معدين ليعبدون وكأن الآية تعديد نعمه أي خلقت لهم حواس وعقولًا وأجسامًا منقادة نحو العبادة كما يقال هذا مخلوق لكذا وإن لم يصدر منه الذي خلق له كذا في النهر لأبي حيان وفي الكشاف إن قلت لو كان الله تعالى مريدًا للعبادة لكانوا كلهم عبيدًا قلت إنما أراد منهم أن يعبدوا مختارين للعبادة لا مضطرين إليها اهـ. قال ابن بنت المياق وهذه عادته
[ ١ / ١٥ ]
فعلم بهذا أن من أفضل -أو أفضل-
_________________
(١) يعني الزمخشري إذا رأى ظاهرًا يوافق مذهبه أورد مذهب أهل السنة سؤالًا ومذهبه جوابًا وما أجاب به غير صحيح بل الآية دليل أهل السنة لكونها سيقت في مساق تعظيمه تعالى وأن شأنه مع عبيده لا يقاس بغيره فإن العبيد في العرف قسمان منهم من يقنيه سيده للانتفاع به ومنهم من يكون للتبجيل والتعظيم كمماليك الملوك، والعباد بالنسبة إليه تعالى من القسم الثاني فلا تتركوا عبادته وتعظيمه لأن نفعها عائد إليهم. قيل والعبادة المرادة من الآية التعظيم لله والشفقة على خلقه لاتفاق سائر الشرائع على ذلك بخلاف خصوص العبادات فالشرائع مختلفة فيها ولما كان التعظيم اللائق بجلال الله تعالى لا يعلم عقلا لزم متابعة الشرع والأخذ بقول الرسول اهـ، وقيل معنى ليعبدون ليعرفون قال ابن عباس كل عبادة في القرآن فهي بمعنى العرفان وهل الخطاب للخصوص أو للعموم خلاف عند المفسرين وأيّد بعضهم هذا التفسير بحديث "كنت كنزًا مخفيًا لم أعرف فأحببت أن أعرف" أي ما خلقت الثقلين إلَّا لأظهر عليهم صفاتي وكمالاتي فيعرفوني فيعبدوني لأن العبادة لله المعرفة ومن لم يعرفه لم يعبده وروي عن علي لم أعبد ربًا لم أعرفه اهـ، والخبر المرفوع موضوع. والمراد المعرفة التي تليق بحال الإنسان لا معرفة حقيقته تعالى على ما هو عليه فإن ذلك في الدنيا محال اتفاقًا وفي إمكانه في الآخرة خلاف، الراجح عدمه ولا يلزم ذلك من كونه تعالى يرى في الآخرة إذ الرؤية لا تستلزم الإحاطة قال تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أي لا تحيط به إذ الإحاطة من أوصاف الحوادث تعالى عن ذلك. قوله: (أو أفضل) الظاهر أن أو فيه بمعنى بل إذ لا شبهة أن الذكر سيما إن فسر بالمعنى الشامل لسائر العبادات أفضل أحوال الإنسان، ثم هذه الأفضلية للذكر المأثور كما قال "في الأذكار الواردة عن سيد
[ ١ / ١٦ ]
حال العبد، ذِكْرُه لرب العالمين، واشتغاله بالأذكار الواردة عن رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) المرسلين، قال القاضي عياض أذن الله في دعائه وعلم الدعاء في كتابه لخليقته وعلم النبي - ﷺ - الدعاء لأمته واجتمعت فيه ثلاثة أشياء العلم بالتوحيد والعلم باللغة والنصيحة للأمة فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه ﷺ وقد احتال الشيطان للناس من هذا المقام فقيض لهم قوم سوء يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي - ﷺ - وأشد ما في الحال أنهم ينسبونها إلى الأنبياء والصالحين فيقولون دعاء نوح دعاء يونس دعاء أبي بكر الصديق فاتقوا الله في أنفسكم لا تشتغلوا من الحديث إلَّا بالصحيح اهـ، وقال الإمام أبو بكر محمد بن الوليد الطرسوسي في كتاب الأدعية، ومن العجب العجاب أن تعرض عن الدعوات التي ذكرها الله في كتابه عن الأنبياء والأولياء والأصفياء مقرونة بالإجابة ثم تنتقي ألفاظ الشعراء والكتّاب كأنك قد دعوت في زعمك بجميع دعواتهم ثم استعنت بدعوات من سواهم وعن المصنف أن أوارد المشايخ وأحزابهم لا بأس بالاشتغال بها غير أن الخير والفضل إنما هو في اتباع المأثور في الكتاب والسنة وهذا ليس كذلك وفيهما ما يكفي السالك في سائر أوقاته وقد جرى أصحابنا على ذلك فقالوا في بابي الصلاة والحج يشتغل بالدعاء والذكر وأفضله الوارد وخالف الحنفية فقالوا إن الاشتغال بالوارد لكون المدار فيه على إيراد تلك الألفاظ ربما تكون محلًا للخشوع المطلوب من الداعي فالأولى أن يأتي بذكر من عنده ليتم توجهه أو يأتي بكل من النوعين ليكسب كلا من الفضلين وما أشرنا إليه أولًا أولى، والزعم بأن إيراده يفوت الخشوع ممنوع وبفرضه فبركة الأتباع تقوم بما فات من الخشوع والله أعلم وسيأتي إن شاء الله أواخر الكتاب في باب أدب الدعاء تفصيل في أذكار المشايخ فراجعه. قوله: (واشتغاله إلخ) يجوز
[ ١ / ١٧ ]
سيدِ المرسلين.
وقد صنف العلماء ﵃ في عمل اليوم والليلة والدعوات والأذكار كتبًا كثيرة
معلومة عند العارفين، ولكنها مطولة بالأسانيد
_________________
(١) في قوله اشتغاله الرفع والنصب عطفًا على قوله قبله ذكره رب العالمين المنصوب أو المرفوع بنا على إثبات من في أفضل أو حذفها منه وفي بعض النسخ حال ذكره رب العالمين بزيادة حال منصوبًا ومرفوعًا بناء على ما ذكر وحينئذٍ فيجوز في اشتغاله الرفع والنصب عطفًا على حال والجر عطفًا على ذكره المضاف إليه. قوله: (سيد المرسلين) أي مجموع الرسل وكذا كل فرد منهم كما يدل عليه حديث أنا سيد ولد آدم ولا فخر وفي كلام المصنف إطلاق السيد على غير الله وهو جائز كما يأتي في الأصل وسيأتي الكلام على إعلاله. قوله: (والأذكار) هو جمع واحده ذكر وهو كما في فتح الأله في أصل وضعه ما تعبد الشارع بلفظ مما يتعلق بتعظيم الحق والثناء عليه ويطلق على كل مطلوب قولي اهـ، وقريب منه ما قيل الذكر شرعًا قول سيق لثناء أو دعاء وقد يستعمل أيضًا لكل قول يثاب قائله وحينئذٍ فإن أريد بالأذكار في قول المصنف مقابل الدعاء كان عطفه من عطف المغاير وإن أريد به ما يشمله كان من عطف الخاص على العام والكلام في الذكر اللساني أما الذكر القلبي فسيأتي معناه عند ذكر المصنف له. قوله: (كتبًا كثيرة) أي بعضها في عمل اليوم والليلة ككتابي، ابن السني والنسائي وبعضها في الدعوات ككتابي المستغفري والبيهقي. وقوله: (مطولة) بوزن اسم المفعول من التطويل وهو تكثير اللفظ والمعنى ويقابله الإيجاز والاختصار ولذا قال فيما سيأتي مختصرًا إلى آخره والإطالة أن يكون اللفظ زائدًا على ما يؤدى به أصل المراد لا لفائدة مع كون الزائد غير متعين فإن كان لفائدة فهو الإطناب وإن تعين الزائد
[ ١ / ١٨ ]
والتكرير، فضعفتْ عنها همم الطالبين، فقصدتُ تسهيل ذلك على الراغبين، فشرعت في جمع هذا الكتاب مختصِرًا مقاصد ما ذكرته تقريبًا للمعتنين،
_________________
(١) لا لفائدة فهو الحشو والأسانيد جمع إسناد وهو الإخبار عن طريق المتن، والسند رجاله وقيل هما بمعنى وعليه جرى الجلال السيوطي في ألفيته فقال: والسند الإخبار عن طريق متن والإسناد لدى فريق وكون الإسناد سببًا للتطويل بالنظر لمريد التعبد بألفاظ الأذكار وإلَّا فهو اسم مطلوب للمحدث إذ به يعرف حال الحديث في القوة والضعف قال ابن المبارك الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء ونقل مثله عن غيره. قوله: (والتكرير) مصدر كرر المضاعف أي ذكر الشيء مرة بعد أخرى والتكرار بفتح المثناة وكسرها اسم مصدر وهذا يفعله الجامعون على الأبواب والمعاجم كثيرًا لحاجتهم إليه وقد أكثر منه الحافظ البخاري في صحيحه حتى قال فيه بعضهم: قالوا لمسلم فضل قلت البخاري أعلى قالوا المكرر فيه قلت المكرر أحلى قوله: (الراغبين) من الرغبة شدة الطلب والمراد الراغبين في طلب المتعبد بلفظه دعاء أو ذكرًا. المعرضين عما يتعلق به من الأسانيد فلا يخالف ما تقدم من قوله فضعفت عنها همم الطالبين. قوله: (مختصرًا) بوزن اسم الفاعل حال من فاعل شرع مقدرة أو من المجرور بفي كذلك أو من اسم الإشارة المضاف إليه أي حال كون هذا الكتاب مختصرًا ما تقدم وإسناد الاختصار إليه مجاز عقلي من إسناد ما للشيء لآلته وصح مجيء الحال من المضاف إليه لكون المضاف عاملًا قبل الإضافة في المضاف إليه فهو كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٤] ثم هو بالتنوين فيما وقفت عليه من الأصول المصححة ولو روي بترك التنوين والإضافة لجازت فيه الأوجه المذكورة لكون إضافته لفظية غير معرفة
[ ١ / ١٩ ]
وأحذف الأسانيد في معظمه لما ذكرته من إيثار الاختصار، ولكونه موضوعًا
للمتعبِّدين، وليسوا إلى معرفة الأسانيد متطلعين، بل يكرهونه -وإن قصر- إلا الأقلِّين،
_________________
(١) وفي نسخة مختصرًا قاصدًا وعليه فيجوز أن يقرأ مختصرًا بوزن اسم لمفعول حالا من المضاف إليه ويبعده قوله بعده قاصدًا إلخ، والمختصر كالموجز ما قل لفظه وكثر معناه. "وفي شرح مسلم" للمصنف الاختصار إيجاز اللفظ مع استيفاء الفعنى وقيل رد الكلام الكثير إلى قليل فيه معنى الكثير وسمي اختصارًا لاجتماعه ومنه المخصر وخصرة الإنسان اهـ قوله: (وأحذف الأسانيد إلخ) عبر بالحذف الذي يكون عادة الذكر إشعارًا بأن السند مما يعتني به أرباب الإتقان فكأنه ذكره ثم حذف ولو عبر بالترك ونحوه لما فهم ذلك. قوله: (إيثارًا) بالتحتية الساكنة ثم المثلثة من الأثرة، الاختصاص أي تخصيص الاختصار بالاختيار على مقابله. قوله: (ولكونه) عطف على ما من قوله لما ذكرته وأعاد الجار حذرًا من إيهام كونه لو حذف الجار معطوفًا على إيثار. قوله: (يكرهونه) وذلك لكونهم يرونه من الأمور المكسبة للنفس شرفًا وفخرًا وهم يكرهون كلما كان كذلك قال بعضهم في حق سفيان الثوري أنه نعم الرجل لولا أنه من أهل الحديث وفي تنبيه الغافل للقسطلاني قال أبو بكر الزقاق آفة المريد ثلاثة أشياء الترويج وكتابة الحديث والأسفار لكن حمل هذا الأثر على أن المراد بالحديث فيه الأخبار مثل التواريخ ونحوها وإلَّا فكثير من الأولياء الكرام الذين هم رؤوس زهاد الأنام وأكبر العارفين الفخام كمالك وأحمد وأمثالهما نظروا إلى النفع المرتب عليه وأنه من جملة العلم الذي الاشتغال به أفضل من الطاعات وأجل العبادات الموصلات قال أحمد وقد سئل ما تشتهي من الدنيا فقال بيت خال أي ليتعبد فيه وإسناد عال وهو من أسنى علوم الآخرة وعبارة التقريب للمصنف فإن علم الحديث من أفضل القرب
[ ١ / ٢٠ ]
ولأن المقصودَ به معرفةُ الأذكار والعمل بها،
_________________
(١) إلى رب العالمين وكيف لا وهو بيان طريق سنة خير الخلق وأكرم الأولين والآخرين وقال في الإرشاد في نوع معرفة آداب المحدث، علم الحديث علم شريف يناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وهو من علوم الآخرة لا من علوم الدنيا ومن حرمه فقد حرم أجرًا عظيمًا ومن رزقه فقد رزق فضلًا جسيمًا اهـ، وقال أبو الحسن شنبويه من أراد علم القبر فعليه بالأثر وفي الحديث اللهم ارحم خلفائي قيل ومن خلفاؤك قال الذين يأتون من بعدي يردون أحاديثي وسنتي رواه الطبراني وغيره. قال: (السيوطي) وكأن تلقيب المحدث بأمير المؤمنين مأخوذ من هذا الحديث وقد لقب به جماعة منهم سفيان والبخاري وآخرون وكونه قل أن يخلص فيه النية وتسلم فيه الطوية لا ينافي شرفه الذاتي وكونه من أعظم الطرق الموصلة عند صحة النية وهي معتبرة في الاعتداد بسائر الأعمال وقد كانت الصحابة وناهيك بعرفانهم توجهوا لنقل الشريعة الشريفة ولم يروا الاشتغال به مانعًا من الرتبة المنيفة ويكفيك في كون العلم طريق الولاية ما ثبت عن الشافعي إن لم يكن العلماء العاملون أولياء لله فليس لله ولي بل قد روي بهذا اللفظ مرفوعًا كما في جواهر العقدين للسمهودي فإن قلت إن القشيري حشى رسالته، التي ألفها في التصوف بالأسانيد قلت هو من الأقلين الذين هم الأجلون الجامعون بين مقام الجمع والفرق وقال القسطلاني في تنبيه الغافل إنما فعل ذلك للرد على من يرى أن لا أصل لطريق القوم فذكر ما لها من إسناد تنبيهًا على ثبوت هذا الطريق. قوله: (المقصود به) أي بالكتاب الذي ألفه. قوله: (العمل بها) بأن يأتي بالذكر في محله، أو وقته إن كان مقيدًا أو مطلقًا إن كان مطلقًا ويقصد أصل معناه (وقيل) يعتبر أن لا يقصد سواه ثم منها ما كان معلقًا على لفظه فلا يحصل بالإتيان بغيره وإن كان في معناه ألا ترى ما ورد في الخبر المتفق عليه عن البراء فيما يقال عند
[ ١ / ٢١ ]
وإيضاح مظانها للمسترشدين، وأذكر إن شاء الله تعالى بدلًا من الأسانيد ما هو أهمُّ منها مما يُخَل به غالبًا،
_________________
(١) المقام قال قلت ورسولك الذي أرسلت فقال ونبيك الذي أرسلت فقال ونبيك الذي أرسلت وفي قواعد زروق ما جاء عن الشارع في ألفاظ الأذكار يتبع اهـ، ومنها ما يكون المقصود حصول معناه كالحمد أول الكتب المؤلفة فلذا أقام مقامه، في هذا المعنى البسملة كثير من أصحاب الكتب المصنفة وهذا النوع يحصل ثوابه بأبراد، ما يؤذن ذلك المعنى من أي لفظ كان. قوله: (وإيضاح مظانها) بالرفع عطف على معرفة وفي الجر بعد، ومظان جمع مظنة بفتح الميم وكسر الظاء المشالة آخره نون مشددة بعدها هاء كذا ضبطه الحافظ الديمي في هامش نسخة من كتاب تلاوة القرآن من كتاب الأذكار قال وكان حقه فتح الظاء إلا أنها كسرت لمكان الهاء في آخره اهـ، أي بذكرها في الباب الذي يليق بها وفي ذلك تسهيل للمراجع وفي نسخة معانيها وإنما كان هذا من مقصود الذاكر لأن شرط ترتب الثواب على الذكر معرفة معناه ولو بوجه كما أفتى به السبكي بخلاف ترتيب الثواب على قراءة القرآن فإنه حاصل للقارئ وإن لم يعرف معناه لكن قضية قول المنهاج، ويسن تدبر القراءة والذكر حصول ثواب الذكر مع جهل معناه كما في القرآن ومن ثم نظر فيه الأسنوي وقال ابن العز الحجازي في مختصره فتح الباري والعبارة للفتح ولا يشترط استحضاره لمعناه ولكن يشترط أن لا يقصد به غير معناه وإن انضاف إلى الذكر استحضار معناه وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ونفي النقص عنه زاد كمالًا فإن وقع ذلك في عمل صالح مهما فرض من صلاة أو صيام أو جهاد أو غيرها ازداد فإن صح التوجه وأخلص لله تعالى فهو أبلغ الكمال. فائدة سئل الحافظ ابن حجر عن ثواب من قرأ القرآن ولم يفهم معناه هل يثاب كما نقل عن الشيخ أبي إسحاق صاحب التنبيه في اللمع مستدلًا له بأن القرآن
[ ١ / ٢٢ ]
وهو بيان صحيح الأحاديث وحسنِها وضعيفها ومنكرها، فإنه مما يفتقر
_________________
(١) لا يجوز روايته بالمعنى أي لتعلق التعبد بلفظه بخلاف الحديث (فأجاب) ما قاله الشيخ صحيح لكن مراده أن يكون القارئ لا يفهم شيئًا باللسان العربي وإلَّا فإنه يؤجر على قراءة ما يفهمه منه ولو قل لأنه ورد في الحديث الجيد أن كل حرف منه فيه ثواب لقارئه ثم أنه لا يجوز للذي لا يفهم معنى ما يقرأه أن يقرأ شيئًا لأنه لا يأمن أن يغير منه شيئًا أو يبدل فإن فرض أنه يقرأ في شيء مضبوط ضبطًا بينًا لا يخفى عليه منه شيء بحيث يقرأه مستويًا فإنه يؤجر على قراءته إن سمعه من يعلمه لكونه سببًا لتحصيل الأجر للسامع اهـ. ثم النسخة الأولى أنسب بما فعله المصنف في هذا الكتاب إذ لم يتعرض فيه لإيضاح المعاني نعم ربما بين بعض غريب المباني. قوله: (من بيان صحيح الأحاديث إلخ) وفي أكثر النسخ وهو بيان إلى آخره والظرف بيان لما في ما هو أهم والصحة ومقابلها بيانها إما بالنقل عن الغير أو بما يقوم من مقتضى الحكم بشيء منها بناءً على ما رجحه في الإرشاد والتقريب من اختيار إمكان التصحيح أي ومقابله في هذه الأزمنة الأخيرة وعليه الجمهور وهو القول المنصور وخالف ابن الصلاح وتبعه آخرون فمنعوا ذلك قال بعض المحققين وإنما منعه سدًا للباب وخشية أن يعاني ذلك من ليس أهلًا لذلك وإلَّا فقد فعل هو نفسه ذلك فحسن حديث كل أمر ذي بال وغيره ثم تبين حال الحديث من الصحة، وغيرها هو الغالب كما نبه عليه المصنف في ثالث الفصول الآتية إن شاء الله تعالى والحكم بالصحة وما بعدها باعتبار الظاهر الذي اقتضته القواعد لا أنه مقطوع به إذ قد يكون ما حكم بوضعه ظاهرًا ثابتًا في نفس الأمر وبضده ما حكم بصحته نعم في أحاديث الصحيحين كلام والصحيح في الأصل من أوصاف الأجسام ثم جعل وصفًا للحديث قال السيوطي في شرح التقريب مجازًا أو استعارة تبعية أقول وحقيقة عرفية وهو الأولى لتبادر هذا اللفظ عندهم حالة
[ ١ / ٢٣ ]
إلى معرفته جميع الناس إلا النادر من المحدثين، وهذا أهم ما يجب الاعتناء به، وما يُحققه الطالب
_________________
(١) الإطلاق إلى المعنى الآتي والتبادر آية الحقيقة ثم هو قسمان صحيح لذاته وهو ما اتصل سنده برواية العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة قادحة وصحيح لغيره وهو ما كان راويه دون ذلك في الضبط والإتقان فيكون حديثه في مرتبة الحسن فيرتقي بتعدد طرقه إلى الصحة ويقال له صحيح لغيره والحسن قسمان كذلك حسن لذاته وهو الذي عرفه الخطابي بقوله أن يكون راويه مشهورًا بالصدق والأمانة لكن لم يبلغ درجة الصحيح لقصور راويه عن رواة الصحيح في الحفظ والإتقان وهو مرتفع عن حال من يعد تفرده منكرًا، وحسن لغيره وهو الذي عرفه الترمذي بقوله أن لا يخلو الإسناد من مستور لم تتحقق أهليته وليس مغفلًا كثير الخطأ فيما يرويه ولا هو متهم بالكذب في الحديث ولا ظهر منه سبب آخر مفسق ويكون الحديث معروفًا برواية مثله أو نحوه من وجه آخر ولا بد في الحكم الحديث مطلقًا من سلامته من العلة القادحة والشذوذ، والضعيف ما فقد فيه شرط من شروط القبول الشاملة للصحيح والحسن من الاتصال والعدالة والضبط وعدم الشذوذ والعلة القادحة، والمنكر قيل أنه مرادف للشاذ وعليه جرى ابن الصلاح ومختصرو كلامه والذي عليه الحافظ ابن حجر إن بينهما فرقًا فالشاذ مخالفة الثقة من هو أوثق منه بحفظه أو زيادة عدد أو نحوه والمنكر مخالفة الضعيف الثقات. قال: "الحافظ" وقد غفل من سوى بينهما وزيادة تحقيق هذا المقام في كتب الأثر وفيما ذكر كفاية لمن اقتصر. قوله: (إلى معرفته) أي معرفة حكمه بالنقل عن قائليه الحفاظ كما يدل عليه قوله الآتي إلاّ النادر من المحدثين فهؤلاء لا يفتقرون إلى معرفة ذلك بالنقل عن الغير لتمكنهم من استفادة حكمه بالملكة التي نالوها وقوله وما تحققه الطالب من جهة الحفاظ
[ ١ / ٢٤ ]
من جهة الحفاظ المتقنين، والأئمة الحذَّاق المعتمدين، وأضم إليه إن شاء الله جملًا من النفائس من علم الحديث،
_________________
(١) إلى آخره والنادر القليل. قوله: (من جهة الحفاظ) أي لا طريق لمعرفة حال الحديث إلَّا من حفاظه الجهابذة المتقنين كما يدل عليه الكلام أي الكاملين في الحفظ والإتقان والحفاظ جمع حافظ وهو من أحاط علمه بمائة ألف حديث متنًا وإسنادا وفوقه الحجة وهو من أحاط بمائتي ألف حديث كذلك وفوقهما الحاكم وهو من أحاط بمحظم السنة. قوله: (إن شاء الله تعالى) أتى به اقتداء به - ﷺ - فقد كان يأبى بذلك امتثالًا لقوله تعالى ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ و٢٤] نعم لا يقال في محقق نحو صمت أمس أو أموت أو نحو ذلك إلَّا على سبيل التبرك ومنه قوله - ﷺ - الآتي في زيارة القبور وإنا إن شاء الله بكم لاحقون على أحد وجوه فيه يأتي بيانها إن شاء الله تعالى. قوله: (الكريم) وصف الجلالة به بعد الوصف بقوله تعالى من باب الوصف بالمفرد بعد الجملة ومنه قوله تعالى ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، وسقط في الأصل المقروء على ابن العماد الأقفهسي وبعض الأصول، الوصف بجملة تعالى وحينئذٍ فالكريم نعت مفرد وقوله النفائس جمع نفيسة لا نفيس إذ فعائل إنما يكون جمعًا لفعيلة وسكت عن وصف النفائس بالمستجادات اكتفاء باستلزامها لها وأتي بها في المنهاج تصريحًا باللازم تحريضًا للطالب على أن ما بيّن به النفائس هنا بقوله من علم الحديث إلى آخره وصف لها بأعظم أنواع الاستجادة كما لا يخفى. قوله: (علم الحديث) قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري إذا اطلق علم الحديث فالمراد به علم الحديث دراية وهو علم يعرف به حال الراوي والمروي من حيث القبول والرد وموضوعه الراوي والمروي من حيث ذلك، وغايته معرفة ما يقبل وما يرد من ذلك ومسائله ما يذكر في كتب من المقاصد اهـ، ويطلق علم الحديث
[ ١ / ٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ويراد به علم الحديث رواية ويصح كونه المراد هنا وكونه إذا أطلق ينصرف إلى الأول أغلبي ومع انتفاء القرينة ولصح إرادة الأول لما بيّنه فيه المصنف من أحوال الحديث من الصحة ومقابلها والتنبيه بعض الأوقات على تفرد بعض الرواة عن غيره ونحوه من مباحث علم الأثر وحد علم الحديث رواية قال الكرماني في شرح البخاري علم يعرف به أقوال رسول الله - ﷺ - وأفعاله وأحواله قلت وكذا تقريراته وما أضيف إليه من وصف ككونه ليس بالطويل ولا بالقصير أو أيام كاستشهاد عمه حمزة ﵁ بأحد ويعرف به أقوال وأفعال من دونه من صحابي وتابعي وكان عليه ذكره لأن علم الحديث يطلق على ذلك كله وموضوعه ذات رسول الله - ﷺ - من حيث إنه رسول وغايته الفوز بسعادة الدارين وتعقبه السيوطي في تعريفه بأنه مع كونه غير مانع لشموله علم الاستنباط غير محرر اهـ، ويتعقب أيضًا بأنه يقتضي اختصاص الحديث بالمرفوع والذي عليه الجمهور أنه يعمه والموقوف والمقطوع وغيرها ومن ثم عرفه غير واحد بأنه ما أضيف إليه - ﷺ - أو إلى من دونه من قول أو فعل أو صفة أو تقرير وقال شيخ الإسلام زكريا بعد سوق هذا التعريف قاله الكرماني وموضوعه ذات النبي - ﷺ - من حيث أنه نبي قال وفيه أن التعريف يعم ما يتعلق بذات النبي وغيره فينبغي أن يكون الموضوع على هذا التعريف أعم ويكون ما قاله الكرماني في الموضوع مبنيًا على تعريفه المقتضي لقصر الحديث على المرفوع ويكن أن يقال لما كان البحث، بالأصالة فيما يتعلق بذات الرسول وفي غيره بطريق التبع جعل موضوعه ذاته لكون البحث عن عوارض ذاته فيكون ما ذكره الكرماني موضوع علم الحديث والله أعلم. وتعقب الكافيجي أيضًا قوله إن موضوعه ذات الرسول من حيث إنه رسول بأن ذلك موضوع علم الطب من حيث إنه ذات إنسان وموضوع علم الحديث ذاته الشريفة من حيث إنه ذات رسول إذا المبحوث في علم الحديث عن عوارض الذات
[ ١ / ٢٦ ]
ودقائق الفقه، ومهمات القواعد، ورياضاتِ النفوس، والآداب التي تتأكد معرفتها على السالكين، وأذكر جميع ما أذكره
_________________
(١) المذكورة من الأقوال والأفعال من حيث إنه ذات رسول بخلاف الطب فإنه مبحوث فيه عن عوارض ذاته من حيث إنه نسيان وبخلاف الفقه فإن المبحوث فيه عن عوارض ذاته من حيث إنه مكلف وبما ذكر علم الفرق بين موضوع كل من العلوم الثلاثة وإن كان متحدًا بالذات ثم ما نقلته عن الكرماني من كون ذات الرسول إلى آخره موضوع علم الحديث رواية هو ما في شرح التقريب للسيوطي لكن في شرحه للبخاري نقلًا عن الكرماني أنه موضوع علم الحديث دراية وعبارته قال ابن جماعة وموضوعه السند والمتن وقال الكرماني موضوعه ذات الرسول من حيث إنه رسول اهـ. وما نقله السيوطي أقرب لكلام القوم نعم عوارض الذات من جملة موضوعه رواية إذ هو كما سبق السند والمتن والمراد بالمتن ما أضيف إليه من قول أو فعل إلخ. قوله: (دقائق) الفقه جمع دقيقة أي خفايا الفقه التي يحتاج في فهمها إلى ذهن سليم وفكر قويم والفقه لغة الفهم واصطلاحا العلم بالحكم الشرعي العملي المكتسب من الأدلة التفصيلية وإضافة دقائق إلى فقه تصح كونها بمعنى من وهو الأظهر ويصح كونها بيانية وكونها من إضافة العام إلى الخاص كشجر الأراك. قوله: (ومهمات القواعد) أي ما يهتم به الطالب من القواعد العلمية التي يبتني عليها كثير من الأحكام والقواعد جمع قاعدة وهي قانون كلي منطبق على جزئياته وإن شئت قلت قضية كلية يتعرف بها أحكام جزئيات موضوعها وقد أوضحت تعريف القاعدة في شرح نظمي قواعد ابن هشام النحوية أعان الله إكماله. قوله: (ورياضات النفوس) أي ما ترتاض به وتنخلع بمزاولته عن طبعها الذميم من المجاهدات والقيام على السنن المحمدي مأخوذ من رياضة الدابة. قوله: (والآداب) جمع أدب قال القسطلاني ما يحمد قولًا وفعلًا وعبر عنه بعضهم بأنه الأخذ بمكارم
[ ١ / ٢٧ ]
موضحًا بحيث يسهل فهمه
_________________
(١) الأخلاق اهـ، وقيل الوقوف مع الحسنات والإعراض عن السيئات وقيل التعظيم لمن فوقك والرفق بمن دونك ويقال أنه مأخوذ من المأدبة وهي الدعوة إلى الطعام سمي بذلك لأنه يدعى إليه وفي الروضة للمصنف الأدب والسنة يشتركان في طلب الفعل ويفترقان بالتأكد في السنة دون الأدب اهـ، وإنما كانت هذه المذكورات أهم من الأسانيد لأن القصد الأصلي منها معرفة حال الحديث وقد التزم بيانها فحصل القصد بطريق أخص منها وأما النفائس من علم الحديث وما بعدها فالحاجة إليها تامة إذ المحدث إذا لم يعرف الاصطلاح لا يفهم مراد القوم من ألفاظهم ودقائق الفقه بها يكمل المحدث ويقوى شأنه وبالقواعد العلمية تتأيد حجته وبرهانه وبالرياضات وملازمة الآداب يكمل إيمانه وعرفانه إذ من لازم الآداب وأدمن قرع الأبواب ظفر بمنازل الأحباب ومن لم يؤمن على الأدب الشرعي كيف يؤمن على سر الولاية المدعي فلذا قال رئيس الطائفة الجنيد طريقنا مضبوطة بالكتاب والسنة وقال إذا رأيتم الرجل تتخرق له العادات وتتواتر له الكرامات فانظروا حاله عند الأمر والنهي فإن قام بهما فولي كامل وإلَّا فلا عبرة بحاله عند الأولياء الأفاضل. قوله: (موضحًا) بوزن اسم المفعول حال مما أضيف إليه المفعول وهو ما في قوله ما أذكره وجاز لكون المضاف في المعنى هو نفس المضاف إليه أو بوزن اسم الفاعل حال من فاعل اذكر. قوله: (فهمه) أي وذلك إما ببسط العبارة فقد قال الخليل بن أحمد الكلام يختصر ليحفظ ويبسط ليفهم وإما بحسن الأداء فيها مع اختصاصها فربما يكون الاختصار سببًا لتقريب المعنى وتقريب أخذه من المبنى كما قال ابن مالك في الخلاصة: تقرب الأقصى بلفظ موجز. بناء على كون الباء فيها للسببية قال ابن جماعة ولا بعد في كون الاختصار سببًا لتقريب المعنى فإن قولك رأيت زيدًا وأكرمته أخصر من قولك رأيت زيدًا وأكرمت زيدًا
[ ١ / ٢٨ ]
على العوام والمتفقهين.
وقد روينا في "صحيح
_________________
(١) مع أنه أوضح منه وقد مدح - ﷺ - بإتيانه جوامع الكلم أي المعاني الكثيرة مع الألفاظ الوجيزة اليسيرة مع عذوبة الألفاظ وسلاستها ورعايتها لمقتضى الحال مع فصاحتها وقد جمع العلماء منه الدواوين والأسفار وللسيوطي درر البحار في الأحاديث القصار وأما تعريف الفهم فقال السيد الجرجاني في تعريفاته أنه تصور المعنى من لفظ المخاطب بوزن اسم الفاعل والذكاء شدة قوة للنفس معدة لاكتساب الآراء. قوله: (على العوام) جمع عامي والمراد به ما يقابل المتفقه فهو من لم يحصل من الفقه شيئًا يهتدي به إلى الباقي والمتفقه الآخذ للفقه تدريجًا والمراد به هنا من ارتقى عن مقام العوام كما يؤذن به المقابلة في الكلام ويمكن أن يراد بالمتفقهين هنا العلماء الأعلام وعبر فيهم بذلك مع ما لهم من علو المقام إعلامًا بأن العلوم لا يمكن الوصول إلى الإحاطة بجميعها بل الإنسان وإن كمل في مقام أخذ العلم على التدريج إلى أن يدرج في الأكفان قال بعض العلماء لا يزال المرء عالمًا حتى يرى أنه استغنى عن التعلم فهو آية جهله إذ ما أوتيه من العلوم وإن كثر فهو بالنسبة إلى ما غاب عنه منها يسير وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥] وقال مخاطبًا لسيد الأنبياء - ﷺ - ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤] وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه. ما حوى العلم جميعًا أحد لا ولو مارسه ألف سنه إنما العلم بعيد غوره فخذوا من كل شيء أحسنه قول: (وقد روينا) ضبطه الكازروني في شرح الأربعين النووية بالبناء للمفعول مخففًا أي روى لنا إسماعًا أو إقراءً أو إجازةً أو غيرها من باقي أنواع التحمل وبالبناء للفاعل اهـ، قال ابن المعز الحجازي في شرح الأربعين أيضًا المشهور روينا بفتح الواو مخففة من الرواية، أن النقل عن الغير ومقابل المشهور بضم الراء وتشديد الواو المكسورة يعني روانا مشايخنا أي صيرونا
[ ١ / ٢٩ ]
مسلم"
_________________
(١) رواة عنهم لما نقلوا لنا عمن أخذوا منهم فسمعنا وروينا عنهم وأتى بضمير نا الموضوع للمتكلم ومعه غيره إما لأنه أراد حكاية حال روايته أي أنه رواه مع غيره أو أخبر عن نفسه فقط وعثر بها إعلامًا بعظم مقامه تحدثا بالنعمة فيتلقى ما يخبر به بالقبول والرواية نقل الخبر من غير زيادة فيه ولا نقص ولا تغيير إعراب اهـ. قوله: (مسلم) ومسلم بن الحجاج القشيري نسبة لبني قشير قبيلة من العرب النيسابوري أحد أئمة أعلام الحديث وكبار المبرزين فيه، والرحالين في طلبه إلى أئمة الاقطار والمتفق على تمييزه وتقدمه فيه على أهل عصره كما شهد بذلك إماما وقتهما أبو زرعة وأبو حاتم فإنهما كانا يقدمانه في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما وغيرهما كأحمد وإسحاق وقتيبة بن سعيد والقعنبي روى عنه جماعات من كبار أئمة عصره وحفاظه ومنهم من هو في درجته كأبي حاتم الرازي والترمذي وابن خزيمة وله المصنفات الجليلة الكثيرة غير الصحيح الذي امتن الله به على المسلمين وأبقى له به الثناء الحسن الجميل إلى يوم الدين فإن من اطلع على ما أودعه في أسانيده وترتيبه وحسن سياقه وبديع طريقته من نفائس التحقيق وأنواع الورع التام والاحتياط والتحري في الرواية وتلخيص الطرق واختصارها وضبط متفرقها وكثرة اطلاعه واتساع روايته، علم أنه إمام لا يلحق وفارس لا يسبق قال صنفت المسند من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة ولما قدم البخاري آخر مرة لازمه مسلم وأدام الاختلاف إليه ومن ثم حذا حذوه في صحيحه وكان هذا هو مراد الدارقطني بقوله لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء، ولد عام وفاة الإمام الشافعي عام أربعة ومائتي وتوفي ﵀ يوم الأحد لست بقين من شهر رجب سنة إحدى وستين ومائتين ودفن يوم الاثنين لخمس بقين منه بنيسابور وقبره بها مشهور يزار ويتبرك به، قيل سبب موته أنه عقد له مجلس للمذاكرة فذكر له
[ ١ / ٣٠ ]
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) حديث فلم يعرفه فانصرف إلى منزله وقدمت له سلة فيها تمر وكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة فأصبح وقد فني التمر ووجد الحديث ولذا قال ابن الصلاح كان موته بسبب غريب نشأ من غمرة فكرية علمية، وسنه قيل خمس وخمسون وبه جزم ابن الصلاح وتوقف فيه الذهبي وقال إنه قارب الستين وهو أشبه من الجزم ببلوغه الستين لما عرفت من عامي ولادته ووفاته قال المصنف وجملته أحاديث صحيحة نحو أربعة آلاف بإسقاط المكرر وبالمكرر كما جاء عن أبي الفضل أحمد بن سلمة اثنا عشر ألفا قال الزركشي بعد نقله كلام ابن سلمة وقال أبو حفص الميانجي أنها ثمانية آلاف ولعل هذا أقرب، لكن نظر فيه الحافظ ابن حجر ثم الحديث المذكور أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة كما في الجامع الصغير وأخرجه ابن حبان. قوله: (عن أبي هريرة) بمنع صرفه على الأشهر أجاز بعضهم صرفه وسيأتي وجههما وبيان الخلاف في اسمه واسم أبيه وأصح ما قيل في ذلك عبد الرحمن بن صخر الدوسي من الأزد بن أوس أسلم عام خيبر ولزم النبي - ﷺ - وواظب عليه راضيًا بشبع بطنه وكانت يده مع يد النبي - ﷺ - حيث دار وكان من أحفظ أصحاب النبي - ﷺ - يحضر ما يغيب عنه الأنصار لاشتغالهم بحوائطهم والمهاجرون لاشتغالهم بالتجارات ليكتفوا به عن الغير روى البيهقي عن الشافعي "أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره" وقد شهد له النبي - ﷺ - بأنه حريص على العلم والحديث وشكا إلى النبي - ﷺ - النسيان فأمره ببسط ردائه ففعل فغرف - ﷺ - بيده فيه ثم قال ضمه قال فضممته فما نسيت شيئًا بعد وفي المستدرك عن زيد بن ثابت "كنت أنا وأبو هريرة وآخر عند النبي - ﷺ - فقال ادعوا فدعوت أنا وصاحبي وأمن النبي - صلى الله
[ ١ / ٣١ ]
قال:
"مَنْ دَعا إلى هُدًى كانَ لهُ مِنَ الأَجْرِ
_________________
(١) عليه وسلم - ثم دعا أبو هريرة فقال اللهم اني أسألك مثل ما سأل صاحباي وأسألك علمًا لا ينسى فأمن النبي - ﷺ - له فقلنا ونحن يا رسول الله كذلك فقال "سبقكما الغلام الدوسي" وجملة أحاديثه خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا اتفقا منها على ثلاثمائة وخمسة وعشرين وانفرد البخاري بثلاثة وعشرين ومسلم بمائة وتسعة وثمانين روى عنه من الصحابة والتابعين أكثر من ثمانمائة رجل منهم ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله وسعيد بن المسيب وآخرون توفي سنة ثمان وقيل سنة تسع وخمسين، وسنة ثمان وسبعون وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان أميرًا يومئذٍ على المدينة ومن كراماته ما في "حياة الحيوان للدميري" في الكلام على الحية في رحلة ابن الصلاح وتاريخ ابن البخاري عن أبي القاسم الزنجاني عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي يقول سمعت القاضي أبا الطيب يقول كنا في حلقة النظر بجامع المنصور فجاء شاب خراساني فسأل عن مسألة المصراة، ولطالب بالدليل فاحتج المستدل بحديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين وغيرهما فقال الشاب وكان حنفيًا أبو هريرة غير مقبول الحديث قال القاضي فما استتم كلامه حتى سقطت عليه حية عظيمة من سقف الجامع فهرب الناس وتبعت الشاب فقيل له تب تب فقال تبت فعادت الحية وليس لها أثر قال ابن الصلاح هذا إسناد ثابت فيه ثلاثة من أئمة المسلمين القاضي أبو الطيب وتلميذه الشيخ أبو إسحاق وتلميذ أبي إسحاق الشيخ أبو القاسم الزنجاني. هـ. قوله: (من دعا إلى هدى إلخ) قال البيضاوي أفعال العباد وإن كانت غير موجبة ولا مقتضية للثواب وللعقاب بذواتها إلاَّ أن الله تعالى أجرى عادته بربط الثواب والعقاب بها ارتباط المسببات بالأسباب وفعل ما له تأثير في صدوره بوجه فكما يترتب الثواب والعقاب على ما يباشره يترتب كل منهما على ما هو سبب في فعله
[ ١ / ٣٢ ]
مِثْلُ أجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذلكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيئًا".
فأردت مساعدة أهل الخير بتسهيلِ طريقه،
_________________
(١) كالإرشاد والحث عليه ولما كانت الجهة التي بها استوجب المسبب الأجر والجزاء غير الجهة التي بها استوجب المباشر لم ينقص أجره من أجره شيئًا قال الطيبي والهدي في الحديث ما يهتدي به من الأعمال وهو بحسب التنكير مطلق شائع في جنس ما يقال له هدي يطلق على القليل والكثير والعظيم والحقير، فأعظمه هدي من دعا إلى الله وأدناه هدي من دعا إلى إماطة الأذى عن طريق المسلمين ومن ثم عظم شأن الفقيه الداعي المنذر حتى فضل واحد منهم على ألف عابد لأن نفعه يعم الأشخاص والأعصار إلى يوم الدين اهـ .. قوله: (مثل أجور من تبعه) أي عمل بدلالته وامتثال إشارته. قوله: (لا ينقص ذلك) أي الأجر الواصل للدال من الأجور الواصلة للعمال شيئًا لما تقدم في كلام القاضي ومن اختلاف جهة إثابة كل منهما وعلم من هذا الحديث إن له - ﷺ - من مضاعفة الثواب بحسب تضاعف أعمال أمته ما لا يحيط به عقل ولا يحده وذلك أن له مثل ثواب أصحابه لما علموه وما دل عليه من بعدهم المضاعف لهم ثوابه إلى يوم القيامة فيحصل له - ﷺ - مثل ثواب ذلك جميعه هذا بالنسبة لأول الآخذين عنه وكذلك بالنسبة للآخذين عنهم فيحصل له مثل ثواب أعمالهم ودلالتهم لمن بعدهم المتضاعف ثوابه إلى يوم القيامة وهكذا في كل مرتبة من مراتب المبلغين عنه إلى انقضاء الأمة ومنه يعلم أيضًا ما لكل مرتبة من الهداية من المتضاعف المتعدد بتعدد من بعدهم فتأمله ليعلم فضل السلف على الخلف والمتقدمين على المتأخرين ومرتبة الفقيه الدال على الهدي على مرتبة العابد القاصر نفعه على نفسه وسكت المصنف نفعنا الله به عن إيراد باقي الخبر وهو قوله ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه من غير إن ينقص ذلك من آثامهم شيئًا كما سيذكره بجملته كذلك في باب فضل
[ ١ / ٣٣ ]
والإشارة إليه، وإيضاح سلوكه والدلالة عليه، وأذكر في أوّل الكتاب فصولًا مهمة يحتاج إليها صاحب هذا الكتاب وغيره من المعتنين؛ وإذا كان في الصحابة من ليس مشهورًا عند من لا يعتني بالعلم نبَّهتُ عليه فقلتُ: روينا عن فلان
الصحابيّ،
_________________
(١) الدلالة على الخير والحث عليها لتعلق غرضه بمضمون الأول فقط والمختار في الأصول جواز تقطيع الحديث والاقتصار على بعضه إذا لم يكن له تعلق بما حذف منه من استثناء أو غاية أو عطف أو نحو ذلك قال الشيخ زكريا في تحفة القارئ على صحيح البخاري حذف الزائد على محل الشاهد من الحديث يسمى خرمًا واختلف فيه فقيل بالمنع مطلقًا وقيل بالجواز مطلقًا والصحيح جوازه من العالم إن كان ما تركه غير متعلق بما رواه بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة اهـ. قوله: (والإشارة إليه) أي إلى الخير فلذا ذكر الضمير، أو إلى الطريق وجاز وإن كانت مؤنثه معنوية كما صرح به غير واحد باعتبار المعنى أي المذهب أي محل الذهاب إلى الخير ويومئ إلى الثاني قوله بعد وإيضاح سلوكه. قوله: (والدلالة) بتثليث الدال. قوله: (فصولا) بالصاد المهملة جمع فصل لغة الحاجز وعرفا اسم لجملة من الباب مشتملة على مسائل غالبًا وسيأتي له مزيد بيان. قوله: (وغيره) بالرفع بدليل تبيينه بقوله من المعتنين أو بالجر ويكون قوله من المعتنين بيانًا لصاحب المضاف لهذا الكتاب وغيره. قوله: (المعتنين) اسم فاعل من الاعتناء. قوله: (الصحابة) بفتح الصاد في الأصل مصدر قال الجوهري ويقال صحبة وصحب وصحابة والصحابة بمعنى الأصحاب واحده صاحب بمعنى الصحابي من اجتمع مؤمنًا بالنبي - ﷺ - ولو لحظة ومات على الإيمان وإن لم يره كابن أم مكتوم ولم يرو عنه وسواء كان مميزًا أو غير مميز كمحمد ابن الصديق ﵄ وأمثاله. قوله: (فلان) قال
[ ١ / ٣٤ ]
لئلا يشك في صحبته.
واقتصر في هذا الكتاب على الأحاديث التي في الكتب المشهورة التي هي أصول الإسلام
_________________
(١) المصنف في تهذيب الأسماء واللغات قال الجوهري قال ابن السراج فلان كناية عن اسم يسمى به المحدث عنه خاص غالبًا ويقال في النداء يا فل بحذف الألف والنون لغير ترخيم ولو كان ترخيمًا لقالوا يا فلا وربما جاء الحذف في غير النداء ضرورة ويقال في غير الناس الفلان والفلانة هذا ما ذكره الجوهري وقد روينا في مسند أبي يعلى بإسناد صحيح على شرط مسلم عن ابن عباس قال "ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت يا رسول الله ماتت فلانة تعني الشاة فقال النبي - ﷺ - فهلا أخذتم مسكها" الحديث. هكذا في كل النسخ فلان بغير ألف ولام وهذا تصريح بجوازه فهما لغتان اهـ، باختصار قلت ومثل هذا حديث الطبراني عن ابن مسعود كما في الحصين "أن الجبل ينادي الجبل باسمه أي فلان هل مر بك أحد ذكر الله الحديث". قوله: (لئلا يشك في صحبته) أي وليكون سببًا في الترضي عنه باتفاق عند ذكره فيحصل له كثواب فاعله لكونه كالسبب في ذلك. قوله: (التي هي أصول الإسلام) أي يبتني معظمه عليها وفي فتاوى المصنف التي جمعها تلميذه الحافظ علاء الدين بن العطار ما لفظه هل في الأصول الخمسة والمسانيد المشهورة حديث غير صحيح أو أحاديث باطلة في بعضها دون بعض فأجاب أما البخاري ومسلم فأحاديثهما صحيحة وأما باقي السنن المشهورة والمسانيد ففيها الصحيح والحسن والضعيف والمنكر والباطل اهـ، وفي الإرشاد للمصنف ذكر الحافظ السلفي الأصول الخمسة وقال اتفق على صحتها علماء الشرق والغرب وهذا تساهل لأن فيها ما صرحوا بأنه ضعيف أو منكر أو شبهه والترمذي يصرح في كتابه بانقسامه إلى صحيح وحسن وضعيف وكذا أبو داود "قلت" ومراد السلفي أن معظم الكتب الثلاثة سوى الصحيحين يحتج به اهـ. قال فيه بعد وكما تساهل
[ ١ / ٣٥ ]
وهي خمسة: "صحيح البخاري"، و"صحيح مسلم"
_________________
(١) السلفي فيما ذكر تساهل الحاكم فأطلق على الترمذي الجامع الصحيح والخطيب فأطلق عليه وعلى سنن النسائي الصحيح قال المصنف في الإرشاد أيضًا قسم أبو محمد البغوي أحاديث كتابه المصابيح إلى صحاح وحسان مريدًا بالصحاح ما في الصحيحين أو أحدهما وبالحسان إما سنن أبي داود والترمذي أو شبههما وهذا اصطلاح لا يعرف ولا هو صحيح فقد تقدم إن هذه الكتب فيها الصحيح والحسن والضعيف والمنكر فكيف تجعل كلها حسانًا اهـ. قوله: (وهي خمسة) بإسقاط الموطأ وسنن ابن ماجة ومنهم من يعدها ستة بإدخال الموطأ وعليه عرف المتقدمين ومنهم من أدخل سنن ابن ماجة في العد وأخرج الموطأ وهو المشهور في عرف المتأخرين. قوله: (البخاري) هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن المغيرة بن بردزبه وقيل ابن المغيرة بن الأحنف البخاري الجعفي مولاهم أمير المؤمنين في الحديث مؤلف الصحيح والتاريخ وغير ذلك كتب بخراسان والجبال والعراق والشام ومصر روى عن مكي بن إبراهيم وأبي نعيم الفضل ابن دكين وخلائق من هذه الطبقة ومن بعدهم حتى كتب عن أقرانه وعن أصغر منه حتى زاد أعداد شيوخه عن الألف روى عنه مسلم خارج الصحيح والترمذي وأبو زرعة وابن خزيمة وابن حبان ومحمد بن يوسف الفربري ومنصور بن محمد البزدوي وهو آخر من روى الصحيح وآخرون كثيرون وآخر من زعم أنه سمع منه عبد الله بن فارس البلخي ولد البخاري في ثالث شوال سنة أربع وتسعين ومائة وألهم حفظ الحديث في الكتاب وهو ابن عشر سنين وحضر عند الداخلي وهو ابن إحدى عشرة سنة فروى عن أبي الزبير سفيان عن إبراهيم فقال له البخاري إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم فقال كيف هو يا غلام فقال هو الزبير بن عدي فأخذ القلم وأصلح كتابه، وحفظ كتب ابن المبارك ووكيع وهو ابن ست عشرة سنة وخرج
[ ١ / ٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مع أمه وأخيه أحمد إلى مكة وتخلف بها يطلب وهو ابن ثماني عشرة سنة التاريخ عند قبر رسول الله - ﷺ - قال ابن عقدة لو كتب الرجل ثلاثين ألفًا ما استغنى عن تاريخ البخاري وشرع في جمع الصحيح في أيام إسحاق بن راهويه وقال أخرجته من زهاء ستمائة ألف حديث وما أدخلت فيه إلاّ ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول وروى الفربري عنه ما وضعت في الصحيح حديثًا إلاَّ اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين وروى ابن عدي أنه كان يصلي لكل ترجمة من تراجم التاريخ ركعتين قال أحمد ما أخرجت خراسان مثله وقال ابن المديني ما رأى مثل نفسه وقال أبو يعقوب الدورقي ونعيم بن حماد هو فقيه هذه الأمة ولما دخل البخاري البصرة قال بندار دخل اليوم سيد الفقهاء وقال أبو مصعب لو أدركت مالكًا فنظرت إليه إلى محمد بن إسماعيل لقلت كلاهما واحد في الفقه والحديث وقال أبو حاتم هو أعلم من دخل العراق وقصته مع أهل بغداد في أنهم قلبوا عليه مائة حديث فرد كل حديث إلى إسناده مشهورة خرجها ابن عدي عن عدة من المشايخ وكان له ببغداد ثلاثة مستملين واجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفا وجرت له محنة مع خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى فنفاه من البلد فجاء إلى خرتنك قرية من قرى سمرقند فنزل على أقارب له بها فقال عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي سمعته ليلة وقد فرغ من صلاة الليل يدعو ويقول اللهم إنه قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك فما تمّ الشهر حتى قبضه الله فتوفي ليلة عيد الفطر سنة مائتين وستة وخمسين قال المصنف وجملة أحاديث صحيحة سبعة آلاف حديث ومائتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة وبإسقاط المكرر أربعة آلاف وقال الحافظ ابن حجر وقد حررتها فبلغت بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات والموقوفات على الصحابة والمقطوعات عن التابعين فمن بعدهم سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وسبعين حديثًا وبدون المكرر ألفين وستمائة وحديثين وفيه من التعاليق ألف وثلاثمائة وأحد وأربعون قال وأكثرها يخرج في أصولنا
[ ١ / ٣٧ ]
و"سنن أبي داود"
_________________
(١) متونه والذي لم يخرج مائة وتسعة وخمسون وفيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات ثلثمائة وأربعة وثمانون. قوله: (وسنن أبي داود) هو الحافظ صاحب السنن سليمان بن الأشعث بن إسحاق ابن بشير بن سداد بن عمران السجستاني وقيل في نسبه غير ذلك روى عن القعنبي وأحمد بن حنبل وإسحاق وعلي بن المديني ويحيى بن معين وخلائق بالحجاز والشام ومصر والعراق وخراسان والجزيرة روى عنه ابنه أبو بكر عبد الله والترمذي وأبو عوانة وأبو بكر النجار وغيرهم قال ابن حبان أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وحفظًا ونسكًا وورعًا وإتقانًا جمع وصنف وذب عن السنن. وقال أبو بكر الخلال هو الإمام المقدام في زمانه لم يسبقه أحد إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعه في زمانه رجل ورع مقدم سمع منه أحمد بن حنبل حديثًا وقال محمد بن مخلد كان أبو داود يعني بمذاكرة مائة ألف حديث وقال ابن داسة سمعت أبا داود يقول كتبت عن رسول الله - ﷺ - خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب يعني السنن جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث وذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه ويكفي الإنسان من ذلك لدينه أربعة أحاديث: الأعمال بالنيات ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ولا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه والحلال بين والحرام بين، وأبدل بعضهم حديث لا يكون المؤمن إلخ بحديث أزهد في الدنيا يحبك الله وأزهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ونظمها كذلك ابن معوز فقال: عمدة الناس عندنا كلمات أربع قالهن خير البريه اتق الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنيه قال أبو عبيدة الآجري سمعت أبا داود يقول ولدت سنة اثنتين ومائتين قال الآجري ومات لأربع عشرة بقين من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين
[ ١ / ٣٨ ]
و"الترمذي "
_________________
(١) بالبصرة قال بعض المتقنين اختلف مقاصد أصحاب الكتب فيها فللصحيحين منها صنوف وللبخاري لمن أراد التفقه مقاصد جليلة ولأبي داود في حصر أحاديث الكلام من استيعابها ما ليس لغيره وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه فيه غيره وقد سلك النسائي اغمض تلك المسائل وأدقها اهـ. قوله: (ترمذي) قال الأصفهاني في كتابه لب اللباب في الأنساب الترمذي بضم التاء وفتحها وكسرها نسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له جيحون منها جماعة منهم الترمذي صاحب الجامع والعلل وسكت عن بيان حركة ميمه وبينها أصل أصله السمعاني وعبارته الترمذي بكسر المثناة من فوق والميم وبضمها وبفتح المثناة وكسر الميم اهـ. وفي الراجح من هذه اللغات خلاف فقال ابن سيد الناس المتداول بين أهل تلك المدينة فتح التاء وكسر الميم والذي نعرفه قديمًا كسرهما معًا والذي يقوله المتقنون أهل المعرفة بضمهما وكل واحد يقول لها معنى يدعيه اهـ، في طبقات الحفاظ للذهبي قال شيخنا ابن دقيق العيد ترمذ بالكسر هو المستفيض على الألسنة حتى يكاد يكون كالمتواتر وقال الباجي سمعت عبد الله بن محمد الأنصاري يقول هو بضم التاء اهـ، والترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك وقيل في نسبه غير ذلك السلمي الحافظ الضرير أحد الأئمة الستة قيل إنه ولد أكمه طاف البلاد فسمع من قتيبة وعلي بن حجر وأبي كريب وخلائق وأخذ علم العلل والرجال عن البخاري وروى عنه حماد بن شاكر وأحمد بن حسنويه ومحمد بن أحمد بن محبوب وآخرون وقد سمع منه البخاري أيضًا قال ابن حبان في الثقات كان ممن جمع وصنف وحافظ وذاكر ولد سنة مائتين وتسعة قال المستغفري مات في شهر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين وكذا قال ابن عنجار وابن ماكولا وبه رد الزين العراقي وغيره قول الخليلي في الإرشاد
[ ١ / ٣٩ ]
و"النسائي" وقد أروي يسيرًا من الكتب المشهورة وغيرها.
_________________
(١) ومات بعد الثمانين بل قال بعضهم هذا باطل وفي بعض شروح الشمائل كان الترمذي مكفوفًا قيل ونوزع بقول الكشاف ولم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة وقد يقال هذا نفي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ وكان يضرب به المثل في الحفظ قال المروزي قال لي الترمذي كنت في طريق مكة وكنت كتبت جزأين من أحاديث شيخ فمر بنا ذلك الشيخ فذهبت إليه وأنا أظن إن الجزأين معي وحملت معي جزأين كنت أظنهما إياهما فسألته في القراءة فأجابني فأخذت الجزأين وإذا هما بياض فتحيرت فجعل الشيخ يقرأ علي من حفظه ثم نظر فرأى البياض في يدي فقال أما تستحي فقصصت عليه القصة وقلت احفظه كله فقال اقرأ فقرأت جميع ما قرأه علي على الولاء فما أخطأت في حرف منه فقال لي ما مر بي مثلك قط. قوله: (والنسائي) بفتح النون والسين المهملة المخففة بعدها ألف ممدودة منسوب إلى نساء مدينة بخراسان كذا في المغني للعتبي وفي لب اللباب ويقال في النسب إليها نسوي أيضًا اهـ. والنسائي هو أحمد بن شعيب ابن علي بن سنان بن بحر بن دينار أبو عبد الرحمن الحافظ مصنف السنن وأحد الأئمة المبرزين روى عن قتيبة بن سعيد وإسحاق بن راهويه وهشام بن عمار وعيسى بن حماد زغبة في خلق كثيرين آخرين روى عنه ابن عبد الكريم وأبو سعيد بن يونس وأبو جعفر الطحاوي وأبو جعفر العقيلي وأبو القاسم الطبراني والدولابي وابن السني وخلائق آخرهم أبيض بن محمد الفهري قال الحافظ أبو يعلى النيسابوري النسائي إمام الحديث بلا مدافعة وقال الطحاوي إمام من أئمة المسلمين وقال الدارقطني يقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره وسئل الدارقطني أيضًا إذا حدث النسائي وابن خزيمة أيهما يقدم فقال النسائي لم يكن مثله ولا أقدم عليه أحدًا ولم يكن في الورع مثله قال الحاكم سمعت الدارقطني يقول كان النسائي أفقه مشايخ
[ ١ / ٤٠ ]
وأما الأجزاء والمسانيد، فلست أنقل منها شيئًا إلا في نادر من المواطن، ولا أذكر من الأصول المشهورة أيضًا من الضعيف إلا النادر مع بيان ضعفه، وإنما أذكر فيه الصحيح غالبًا،
فلهذا أرجو أن يكون هذا الكتاب أصلًا معتَمدًا، ثم لا أذكر في الباب من الأحاديث إلا ما كانت
_________________
(١) مصر في عصره وأعرفهم بالصحيح والسقيم وأعلمهم بالرجال وقال ابن يونس كان إمامًا في الحديث ثقة ثبتًا حافظًا كان خروجه من مصر في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة وتوفي بفلسطين قال الطحاوي مات في صفر سنة ١١١ بفلسطين وقال الحاكم أبو عامر العبدري إنه توفي بالدجلة مدينة فلسطين وحمل إلى بيت المقدس حكى ابن منده عن مشايخه بمصر إنه خرج من مصر إلى دمشق فوقعت له بها كائنة ثم حمل إلى مكة ومات سنة ثلاث وثلاثمائة وهو مدفون بها وكذا قال الدارقطني إنه حمل إلى مكة فتوفي بها في شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة وكان مولده سنة أربع عشرة ومائتين. قوله: (وأما الأجزاء والمسانيد فلست أنقل منها إلخ) وذلك لأن مخرجيها جل نظرهم رواية مروي ذلك المخرج عنه مقبلًا كان أو لا فلذا لم يلحق المسانيد بالكتب الأربعة والموطأ ونحوها في الاعتماد. قوله: (الضعيف) هو عند أهل الحديث ما فقد شرطًا من شروط لقبول وهي الاتصال وعدالة الراوي وضبطه وفقد العلة القادحة والشذوذ ويزداد الضعف بتزايد الفقد أو نحوه. قوله: (مع بيان ضعفه) بفتح أو ضم الضاد المعجمة وإنما بين ذلك إعلامًا برتبته فيقدم عليه معارضه من خبر مقبول وإلَّا فالسكوت عن بيان حال الحديث الضعيف غير الموضوع لا محذور فيه بوجه خصوصًا والمقام للفضائل المعمول فيها بذلك أما الحديث الموضوع فلا يجوز ذكره للعالم بحاله إلاّ مقرونًا بالبيان وسيأتي إن المصنف ربما أغفل التنبيه على حال الحديث لغفلة أو نحوها. قوله: (الصحيح) المراد منه ما يشمل الصحيح لغيره
[ ١ / ٤١ ]
دلالته ظاهرة في المسألة.
واللهَ الكريمَ أسألُ التوفيقَ والصيانةَ،
_________________
(١) بل والحسن فيراد من الصحيح المقبول وقد أطلق كثير عليه الصحيح. قوله: (دلالته) مثلث الدال والفتح أفصح وإنما اعتبر ظهور دلالة الحديث في المطلوب ليعم الفهم العالم والمتعلم وإن لم يكن لغير العالم أي المجتهد أخذ الأحكام من الأحاديث. قوله: (المسألة) مطلوب يبرهن على إثبات محموله لموضوعه. قوله: (والله الكريم) يجوز فيهما النصب بجعل الاسم الكريم مفعولًا مقدمًا لأسأل إذ هو متعد لاثنين والرفع بجعله مبتدأ ومفعول أسأل ضمير محذوف والجملة خبر أي اسأله والأول لسلامته من الحذف المرتب على الثاني أولى. قوله: (التوفيق) هو لغة جعل الأسباب موافقة للمسببات وعرفًا قال في التهذيب قال إمام الحرمين وغيره من أصحابنا المتكلمين هو خلق قدرة الطاعة في العبد وقيل خلق الطاعة فيه ويساويه اللطف وهو ما يقع به صلاح العبد آخرة ما صدقًا لا مفهومًا وقد يطلق التوفيق على أخص من ذلك ومن ثم قال المتكلمون اللطف ما يحمل المتكلم على الطاعة ثم إن حمل على فعل المطلوب سمي توفيقًا أو ترك القبيح سمي عصمة وصرح أهل السنة في مبحث خلق الأفعال بأن لله تعالى لطفًا لو فعله بالكفار لآمنوا به اختيارًا غير أنه لا يفعله وهو في فعله متفضل وفي تركه عادل وضد التوفيق الخذلان كذا قالوا لكن في التهذيب التوفيق خلاف الخذلان ولعزة التوفيق لم يذكر في القرآن إلاَّ في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨] وأما قوله تعالى: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ [النساء: ٦٢] فمن الوفاق ضد المخالفة. قوله: (والصيانة) بكسر الصاد قال المصنف في التهذيب قال الجوهري يقال صنت الشيء أصونه صونًا وصيانة وصيانا بالكسر فهو مصون ولا يقال مصان ويقال ثوب مصون ومصوون الأول على النقص والثاني على الإتمام اهـ، وأصل صيانة وصيان الواو كما في قيام ولئلا يلتبس الأخير بصوان الشيء أي قشره وطرد فيما قبله.
[ ١ / ٤٢ ]
والإنابةَ والإعانةَ، والهدايةَ وتيسيرَ ما أقصده من
الخيرات، والدوام على أنواع المكرمات، والجمع بيني وبين أحبائي
_________________
(١) قوله: (والإنابة) بكسر الهمزة مصدر أناب وكذا الإعانة مصدر أعان وأصلهما إنواب وإعوان على وزن إفعال فنقلت حركة حرف العلة إلى الساكن ثم قيل تحرك حرف العلة باعتبار الأصل وانفتح ما قبله أي حالًا فقلب حرف العلة ألفًا فحصل التقاء الساكنين الألف المنقلبة وألف الأفعال فحذفت إحداهما وهل هي الأولى أو الثانية خلاف عند الصرفيين ثم عوض عن المحذوف الهاء في آخر الكلمة. قوله: (والهداية) في تهذيب اللغات الهداية والهدى يطلق بمعنيين أحدهما خلق الأيمان واللطف والآخر بمعنى البيان فمن الأول الحمد لله الذي هدانا لهذا ونظائره ومن الثاني ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد: ١٠] أي بيّنا له طريق الخير والشر ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ] [فصلت: ١٧] أي بينا لهم الطريق اهـ، والهداية بالمعنى الأول لا تكون إلاَّ لله تعالى وبالمعنى الثاني تكون له وللرسل وورثتهم وحمل الهداية على خلق اللطف أي يلطف بنا فيؤهلنا لما يوجهنا له من الخيرات يؤيده ما في بعض النسخ "والهداية إلى تيسير ما أقصده من الخيرات" أي يلطف بي فيهون على ذلك ويوصلني إلى هذه المسالك وعلى البيان يؤيده عطف تيسير عليه في نسخ أخرى أي أسأله أن يمن علينا ببيان طريق الخير وييسر لنا سلوكه. قوله: (والدوام) يجوز فيه النصب عطفًا على المنصوب قبله والخفض عطفًا على الخير أي وتيسير ما أقصده من الدوام على أنواع المكرمات وهي جمع مكرمة بفتح أوله وضم الراء المهملة وعلى الثاني فالعطف من قبيل عطف الخاص على العام للاهتمام والفتح أليق بالمقام. قوله: (أحبائي) بالتشديد والهمز أي من يحبوني وأحبهم وإن لم يأت زمنهم لأنه ينبغي أن يحب في الله كل من اتصف بكمال سابقًا أو لاحقًا وما أحسن قول إمامنا الشافعي ﵁. أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعه
[ ١ / ٤٣ ]
في دار كرامته وسائر وجوه المسرَّات.
وحسبي الله ونعم الوكيل،
_________________
(١) قوله: (دار كرامته) هي الجنة التي أكرم الله بها أهل طاعته. قوله: (وسائر) أي باقي (وجوه المسرات) الذي لم تشمله هذه الدعوات والعطف حينئذٍ من عطف المغاير أو جميع المسرات من باب عطف العام على الخاص بناء على كون سائر يأتي بمعنى جميع فقد قال الجوهري سائر الناس جميعهم قال المصنف في التهذيب وهي لغة صحيحة ذكرها غير الجوهري ووافقه عليها أبو منصور الجواليقي في أول كتابه شرح أدب الكاتب واستشهد على ذلك وإذا اتفق هذان الإمامان على نقل لغة فهي لغة وبهذا يندفع قول الشيخ ابن الصلاح استعمال سائر بمعنى الجميع مردود عند أهل اللغة معدود في غلط العامة وأشباههم من الخاصة قال الأزهري في تهذيب اللغة أهل اللغة اتفقوا على أن معنى سائر الباقي قال الشيخ ابن الصلاح ولا التفات إلى قول الجوهري صاحب اللغة سائر الناس جميعهم فإنه لا يقبل ما انفرد به وقد حكم عليه بالغلط في هذا. قوله: (وحسبي الله ونعم الوكيل) حسبي أي محسبي وكافي خبر قدم على مبتدأ وهو الاسم الكريم "وقوله ونعم الوكيل" معطوف إما على حسبي الخبر من باب عطف الجملة على المفرد ثم قيل جاز ذلك لتضمن حسبي معنى الفعل أي يحسبني وقال ابن رمضان في شرح العقائد لا حاجة إلى تضمن حسبي معنى يحسبني ويكفيني لأن الجمل التي لها محل من الإعراب واقعة موقع المفرد ويجوز عطفها على المفرد وعكسه والمخصوص على هذا هو الاسم الكريم أو على جملة حسبي الله من غير تقدير شيء في الجملة المعطوفة بناء على كونها إنشائية معنى هي لإنشاء التوكل فتكون من عطف إنشائية على مثلها أو مع تقدير مبتدأ هو هو بقرينة ذكره في المعطوف عليه ثم قيل يقدر القول قبل الجملة الإنشائية لوقوعها خبرًا وجرى عليه ابن رمضان في شرح الشرح وابن حجر الهيتمي فقال التقدير وهو مقول فيه نعم الوكيل أو من غير تقدير بناء على المختار كما قال ابن مالك
[ ١ / ٤٤ ]
ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، ما شاء الله، لا قوة
إلا بالله، توكلت على الله،
_________________
(١) من جواز وقوع الطلبية خبرًا من غير إضمار قول والتقدير بناء على إبقاء جملة حسبي على وضعها أي الخبرية لفظًا ومعنى فيكون من عطف خبرية على مثلها والمخصوص على هذين محذوف وبه يندفع ما قيل في هذا الكلام عطف إنشاء على خبر وهو ممنوع عند أهل النظر. قوله: (ولا حول) يقال الحول ويقال الحيلة والأول كما في النهاية أشبه يقال حال الشخص يحول إذا تحرك ويجوز في لام حول الفتح على إعمال لا والرفع على إهمالها لتكررها أو على إعمالها عمل ليس. قوله: (ولا قوة) يجوز فيه مع إعمال الأولى الفتح على إعمال الثانية إذ التكرار يمنع وجوب العمل لا جوازه والنصب بالعطف على محل اسم لا الأولى والرفع على إهمال الثانية لتكرارها أو بالعطف على محل لا مع اسمها فإنها في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه ولا زائدة والكلام جملة واحدة أو على محل اسم لا قبل دخولها ويمنع مع إهمال الأول النصب لانتفاء سببه ويجوز ما عداه. قوله: (العزيز الحكيم) هذا الوارد في ختم هذه الكلمة دون ما اشتهر من ختمها بالعلي العظيم لكن في بعض نسخ الحصين الحصين رواية ختمها بالعلي العظيم ولعلها رواية وفي شرح المشكاة لابن حجر الهيتمي وختم الحوقلة بهما لوروده في هذه الرواية الصحيحة لا سيما رواية مسلم أولى من ختمها بالعلي العظيم وإن كان قد اشتهر اهـ، وسيأتي لهذه الجملة زيادة في باب الذكر المطلق إن شاء الله تعالى. قوله: (ما شاء الله) ما فيه شرط مبتدأ حذف جوابه لظهوره أي كان وما أحسن قوله إمامنا الشافعي: وما شئت كان وإن لم أشأ وما لم تشأ إن أشأ لم يكن قوله: (لا قوة) بالفتح لاجتماع شروط الأعمال وتكراره إعلامًا بأن الاعتماد إنما هو على أقدار ذي العظمة والجلال. قوله: (توكلت على الله) جعل الرضى
[ ١ / ٤٥ ]
اعتصمت بالله، استعنت بالله، فوَّضت أمري إلى الله، وأستودعه ديني ونفسي ووالدلي وإخواني وأحبائي وسائر من أَحسن إليَّ وجميع المسلمين، وجميع ما أنعم به علي وعليهم من أمور الآخرة والدنيا، فإنه سبحانه إذا استُودع شيئًا حفظه، ونعم الحفيظ.
_________________
(١) عليّ في هذا المقام من العلو المجازي واللائق بالأدب عدم التعبير بالاستعلاء مطلقًا وأن يقال معنى علي في ذلك ونحو لزوم التفويض إلى الله تعالى فمعنى توكلت على الله لزمت تفويض أمري إلى الله تعالى واللفظ قد يخرج بشهرته في الاستعمال في الشيء عن مراعاة أصل المعنى أشار إليه المحقق ابن أبي شريف والتوكل كثر فيه التعاريف للقوم ومن أحسنها قول بعضهم التوكل اعتمادك على مولاك ورجوعك إليه وخروجك عن حولك وقوتك وانطراحك بين يديه وقول آخر التوكل اكتفاؤك بعلم الله فيك عن تعلق القلب بسواه ورجوعك في جميع أمورك إلى الله وقال الأستاذ الأكبر أبو مدين التوكل وثوقك بالمضمون واستبدال الحركة بالسكون والمال إلى واحد. عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل إلى ذاك الجمال يشير قوله: (اعتصمت بالله إلخ) الاعتصام الإمساك بالشيء افتعال من العصمة بمعنى المنعة. قوله: (فوضت أمري إلخ) قال في النهاية أي رددته إليه يقال فوّض إليه الأمر تفويضًا إذا رده إليه وجعله الحاكم فيه اهـ. قوله: (وأستودعه ديني) أي اجعله وديعة عنده وهو الأمين على ما استودع عليه الحافظ له وفي التعبير بهذا الذكر المطلوب للمسافر المؤمن إشارة إلى السفر الذي لا بد منه والاستعداد لذلك رزقنا الله إياه وسلك بنا والمسلمين أحسن المسالك. فصل هو وما أشبه من التراجم خبر مبتدأ محذوف الخبر أي هذا فصل أو مبتدأ محذوف
[ ١ / ٤٦ ]