بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمدُ لله رب العالمين، وصلاته وسلامه عَلَى إمام المتقين، وخاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إِلَى يوم الدين.
أما بعد:
فهذه كلماتٌ مختصرةٌ جامعةٌ في الفرق بين النصيحة والتعيير، فإنهما يشتركان في أنَّ كلًاّ منهما ذكر للإنسان بما يكره ذكرُه، وقد يشتبه الفرق بينهما عند كثير من الناس. والله الموفق للصواب.
اعلم أن ذكر الإنسان بما يكره مُحَرَّم، إذا كان المقصود منه مجردَ الذم والعيبِ والنقصِ، فأمَّا إِن كان فيه مصلحة لعامة المسلمين، أو خاصة لبعضهم، وكان المقصودُ منه تحصيلَ تلك المصلحةِ، فليس بمحرم، بل مندوب إِلَيْهِ.
وقد قرَّر علماء الحديث هذا في كتبهم في "الجرح والتعديل"، وذكروا الفرق بين جرح الرواة وبين الغيبة، وردُّوا عَلَى من سوَّى بينهما من المتعبدين وغيرهم ممن لا يتَّسع علمه. ولا فرق بين الطعن في رواةِ ألفاظ الحديث والتمييز بين من تُقبل روايتُه منهم ومن لا تُقبل، وبين تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة وتأوَّل شيئًا منها عَلَى غير تأويله، وتمسَّك بما لا يتمسَّك به؛ ليحذر من الاقتداء به فيما أخطأ فيه، وقد أجمع العُلَمَاء عَلَى جواز ذلك أيضًا.
ولهذا تجد كتبهم المصنَّفة في أنواع العلوم الشرعية من التفسير، وشرح الحديث، والفقه، واختلاف العُلَمَاء وغير ذلك ممتلئة من المناظرات، وردوا أقوال من تضعَّف أقواله من أئمة السلف والخلف، من الصحابة والتابعين
[ ٢ / ٤٠٣ ]
ومن بعدهم. ولم ينكر ذلك أحدٌ من أهل العِلْم، ولا ادَّعى فيه طعنًا عَلَى من ردَّ عليه قوله، ولا ذمًّا ولا نقصًا، اللهم إلا أن يكون المصنَّفُ يُفحش في الكلام، ويسيء الأدب في العبارة فيُنكرُ عليه فحاشتُه وإساءتُه دون أصل رده، ومخالفته إقامة الحجج الشرية، والأدلة المُعتبرة.
وسبب ذلك أن علماء الدين كلهم مُجمعون عَلَى قصد إظهار الحق الَّذِي بعث الله به رسوله - ﷺ -، وأن يكون الدينُ كلُّه لله، وأن تكون كلمته هي العليا.
وكلُّهم معترفون بأن الإحاطة بالعلم كلِّه -من غير شذوذ شيء منه- ليس هو مرتبةَ أحدٍ منهم، ولا ادَّعاه أحدٌ من المتقدمين ولا من المتأخرين، فلهذا كان أئمة السَّلف المجمع عَلَى علمهم وفضلهم يقبلون الحقَّ ممن أورده عليهم، وإن كان صغيرًا، ويوصون أصحابهم وأتباعَهُم بقَبول الحق إذا ظهر في غير قولهم.
كما قالَ عُمر في مهور النساء، وردَّت تلك المرأة عليه بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (١) فرجع عن قوله وقال: "أصابت امرأةٌ ورجلٌ أخطأ"، ورُوي عنه أنه قال: "كل أحد أفقه من عمر".
وكان بعضُ المشهورين إذا قال في رأيه بشيء يقول: "هذا رأينا، فمن جاءنا برأي أحسن منه قبلناه".
وكان الشافعي يُبالغ في هذا المعنى ويوصي أصحابه باتِّباع الحق، وقبول السنة، إذا ظهرت لهم عَلَى خلاف قولهم، وأن يضرب بقوله حينئذ الحائط، وكان يقول في كتبه: لا بد أن يوجد فيها ما يخالف الكتاب والسنة؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢).
وأبلغُ من هذا، أنه قال: "ما نَاظَرني أحدٌ فباليتُ، أظهرت الحجةُّ عَلَى لسانه أو عَلَى لساني". وهذا يدلُّ عَلَى أنه لم يكن له قصدٌ إلا في ظهور الحق ولو كان عَلَى لسان غيره ممَّن يناظرُه أو يخالفه.
_________________
(١) النساء: ٢٠.
(٢) النساء: ٨٢.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
ومن كانت هذه حاله، فإنه لا يكره أن يُردَّ عليه قولُه ويتبين له مخالفتُه للسنة لا في حياته ولا في مماته.
وهذا هو الظنُّ بغيره من أئمة الإسلام، الذَّابين عنه، القائمين بنصره من السَّلف والخلف، ولم يكونوا يكرهون مُخالفة من خالفهم أيضًا بدليلٍ عَرَضَ له، ولو لم يكن ذلك الدليل قويًّا عندهم بحيثُ يتمسكون به ويتركون دليلهم له.
ولهذا كان الإمام أحمد يذكر إسحاق بن راهويه ويمدحه ويثني عليه ويقول: "وإن كان يخالفُ في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا"، أو كما قال.
وكان كثيرًا يُعرضُ عليه كلامُ إسحاق وغيره من الأئمة، ومأخذُهم في أقوالهم، فلا يوافقُهم في قولهم، ولا يُنكر عليهم أقوالهم ولا استدلالهم، وإن لم يكن هو موافقًا عَلَى ذلك كله.
وقد استحسن الإمام أحمدُ ما حُكي عن حاتم الأصَم، أنه قِيلَ لَهُ: أنت رجلٌ أعجمي لا تفصح، وما ناظرك أحدٌ إلا قطعته، فبأي شيء تغلبُ خصمَك؛ فَقَالَ: بثلاث، أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ لساني عنه أن أقول له ما يسوءه، أو معنى هذا، فَقَالَ أحمد: "ما أعقَلَه من رجل".
فحينئذ، فرد المقالات الضعيفة، وتبيين الحق في خلافها بالأدلة الشرعية ليس هو مما يكره العُلَمَاءُ، بل مما يحبونه ويمدحون فاعله، ويُثنون عليه. فلا يكون داخلًا في باب الغيبة بالكلية، فلو فُرض أنَّ أحدًا يكره إظهارَ خطئه المخالفِ للحقّ، فلا عبرةَ بكراهته لذلك، فإنَّ كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفًا لقولِ الرجل ليس من الخصال المحمودة، بل الواجب عَلَى المسلم أن يُحبَّ ظهورَ الحق ومعرفة المسلمين به، سواء كان ذلك في موافقته أو
[ ٢ / ٤٠٥ ]
مخالفته. وهذا من النصيحة لله ولكتابه ورسوله ودينه وأئمّة المسلمين وعامتهم وذلك هو الدينُ كما أخبر به النبيُّ ﷺ (١).
وأما المبين لخطأ من أخطأ من العُلَمَاء قبله، إذا تأدَّب في الخطاب، وأحسن الرد والجواب فلا حَرَج عليه ولا لوم يتوجَّه عليه، وإن صدر منه من الاغترار بمقالته، فلا حرج عليه، وقد كان بعضُ السَّلف إذا بلغه قولٌ يُنكره عَلَى قائله يقول: "كَذَب فلان"، ومن هذا قولُ النبي - ﷺ -: "كَذَبَ أبو السّنابل" (٢) لما بلغه أنه أفتى أن المتوفى عنها زوجُها إذا كانت حاملًا لا تحل بوضع الحمل حتى يمضي عليها أربعة أشهر وعشر.
وقد بالغ الأئمة الورعون في إنكار مقالاتٍ ضعيفةٍ لبعض العُلَمَاء وردوها أبلغَ الرد كما كان الإمام أحمد ينكر عَلَى أبي ثور وغيره مقالاتٍ ضعيفة تفردوا بها، ويُبالغ في ردِّها عليهم، هذا كله حكمُ الظَّاهر.
وأما في باطن الأمر: فإن كان مقصودُه في ذلك مجردَ تبيين الحق، وأن لا يغترَّ الناسُ بمقالاتِ من أخطأ في مقالاته، فلا ريب أنهُ مُثابٌ عَلَى قصده، ودَخَلَ بفعله هذا بهذه النية في النُّصح لله ورسوله وأئمةِ المسلمين وعامَّتهم.
وسواء كان الَّذِي يبين خطؤه صغيرًا أو كبيرًا، وله أسوة بمن ردَّ من العُلَمَاء مقالات ابن عباس التي شذ بها، وأنكرت عليه من العُلَمَاء مثلَ المُتعة والصرف والعُمْرتين وغير ذلك.
ومَنْ رد عَلَى سعيد بن المسيِّب قوله في إباحته المُطلقة ثلاثًا بمجرَّد العقد، وغير ذلك مما يُخالف السنَّة الصريحة، وردَّ عَلَى الحسن قوله في ترك الإحداد عن المتوفى عنها زوجُها، وعلى عطاء قوله في إباحته إعارة الفُروج، وعلى
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٥) من حديث تميم الداري.
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٤٤٧).
[ ٢ / ٤٠٦ ]
طاوس قوله في مسائل متعددة شذَّ بها عن العُلَمَاء، وعلى غير هؤلاء ممن أجمعَ المسلمونَ عَلَى هدايتهم ودرايتهم ومحبتهم والثناء عليهم.
ولم يعد أحدٌ منهم مخالفيه (١) في هذه المسائل ونحوها طعنًا في هؤلاء الأئمة ولا عيبًا لهم.
وقد امتلأت كتب أئمة المسلمين من السَّلف والخلف بتبيين خطأ هذه المقالات وما أشبهها مثل كتب الشافعي، وإسحاق وأبي عُبيد وأبي ثور ومن بعْدهم من أئمَّة الفقه والحديث وغيرهما ممَّن ادَّعوا هذه المقالاتِ وما كان بمثابتا شيءٌ كثير، ولو ذكرنا ذلك بحروفه لطال الأمرُ جدًّا.
وأما إِن كان مُرادُ الرادِّ بذلك إظهار عيب من ردَّ عليه وتنقُّصه، وتبيين جهله، وقصوره في العِلْم ونحو ذلك كان محرمًا، سواء كان ردُّه لذلك في وَجْهِ من ردَّ عليه أو في غيبته، وسواء كان في حياته أو بعد موته، وهذا داخلٌ فيما ذمَّه اللهُ تعالى في كتابه وتوعد عليه في الهمز واللمز، ودخل أيضًا في قول النبي - ﷺ -: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُوْمِنُ بِقَلْبِهِ، لا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ يَتَّبِعُ عَوْرَاتِهِمْ، يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ» (٢).
وهذا كلُّه في حقِّ العُلَمَاء المُقتدى بهم في الدِّين، فأمَّا أهلُ البدع والضلالة ومن تشبه بالعُلماء وليس منهم، فيجوزُ بيانُ جهلهم، وإظهارُ عيوبهم تحذيرًا من الاقتداء بهم. وليس كلامنا الآن في هذا القبيل، والله أعلم.
_________________
(١) في جمع النسخ المخطوطة: "مخالفوه".
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٤٢٠)، وأبو داود (٤٨٨٠) من حديث أبي برزة الأسلمي.
[ ٢ / ٤٠٧ ]