وَتَمام الْقَامَة والخلقة فَقَالَ عَن النافقين وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ﴿وَقَالَ﴾ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا أَي أَمْوَالًا ومناظر قَالَ الْحسن هُوَ الصُّور وَفِي صَحِيح مُسلم عَنهُ إِن الله لَا ينظر إِلَى صوركُمْ وَأَمْوَالكُمْ وَإِنَّمَا ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ وَأَعْمَالكُمْ قَالُوا وَمَعْلُوم أَنه لم ينف نظر الْإِدْرَاك وَإِنَّمَا نفى نظر الْمحبَّة قَالُوا وَقد حرّم علينا لِبَاس الْحَرِير وَالذَّهَب وآنية وَالذَّهَب الْفضة وَذَلِكَ من أعظم جمال الدُّنْيَا وَقَالَ وَلَا تَمُدَّن عَيْنك إِلَى مَا متّعنا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم زهرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا لنفتنهم فِيهِ وَفِي الحَدِيث البذاذة من الْإِيمَان وَقد ذمّ الله المسرفين والسرف كَمَا يكون فِي الطَّعَام وَالشرَاب يكون فِي اللبَاس
وَفصل النزاع أَن يُقَال الْجمال فِي الصُّورَة واللباس والهيأة ثَلَاثَة أَنْوَاع مِنْهُ مَا يحمد وَمِنْه مَا يذم وَمِنْه مَالا يتَعَلَّق بِهِ مدح وَلَا ذمّ فالمحمود مِنْهُ مَا كَانَ
[ ١٨٥ ]
لله وأعان على طَاعَة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة لَهُ كَمَا كَانَ النَّبِي يتجمّل للوفود وَهُوَ نَظِير لِبَاس آلَة الْحَرْب لِلْقِتَالِ ولباس الْحَرِير فِي الْحَرْب وَالْخُيَلَاء فِيهِ فَإِن ذَلِك مَحْمُود إِذا تضمّن إعلاء كلمة الله وَنصر دينه وغيظ عدوّه والمذموم مِنْهُ مَا كَانَ للدنيا والرياسة وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء والتوسل إِلَى الشَّهَوَات وَأَن يكون هُوَ غَايَة العَبْد وأقصى مطلبه فَإِن كثيرا من النُّفُوس لَيْسَ لَهَا همّة فِي سوى ذَلِك وَأما مَالا يحمد وَلَا يذم هُوَ مَا خلا عَن هذَيْن القصدين وتجرّد عَن الوصفين
وَالْمَقْصُود أَن هَذَا الحَدِيث الشريف مُشْتَمل على أصلين عظيمين فأوله معرفَة وَآخره سلوك فَيعرف الله سُبْحَانَهُ بالجمال الَّذِي لَا يماثله فِيهِ شَيْء ويعبد بالجمال الَّذِي يُحِبهُ من الْأَقْوَال والأعمال والأخلاق فيحب من عَبده أَن يجمل لِسَانه بِالصّدقِ وَقَلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل وجوارحه بِالطَّاعَةِ وبدنه بِإِظْهَار نعمه عَلَيْهِ فِي لِبَاسه وتطهيره لَهُ من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور والمكروهة والختان وتقليم الْأَظْفَار فيعرفه بِصِفَات بالجمال ويتعرف إِلَيْهِ بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة فيعرفه بالجمال الَّذِي هُوَ وَصفه ويعبده بالجمال الَّذِي هُوَ شَرعه وَدينه فَجمع الحَدِيث قاعدتين الْمعرفَة والسلوك