إلى نفسه اجتمعت عليه، فكانت الهَلَكةُ.
• لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسُّنَةِ والمحاكمةِ إليهما، واعتقدوا عدمَ الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراءِ والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ؛ عرضَ لهم من ذلك فسادٌ في فِطَرِهم، وظلمةٌ في قلوبِهِم، وكدَرٌ في أفهامِهِم، ومَحْقٌ في عقولِهِم، وعَمَّتْهم هذه الأمورُ وغلبتْ عليهم؛ حتى رُبِّيَ فيها الصغيرُ، وهَرِمَ عليها الكبيرُ، فلم يَرَوْها منكرًا!
فجاءتهمْ دولةٌ أخرى قامتْ فيها البدَعُ مقامَ السُّنَنِ، والنفسُ مقامَ العقل، والهوى مقام الرُّشدِ، والضلالُ مقام الهدى، والمنكرُ مقامَ المعروفِ، والجهلُ مقام العلم، والرِّياءُ مقامَ الإخلاصِ، والباطلُ مقام الحقِّ، والكذِبُ مقامَ الصِّدْقِ، والمداهنةُ مقام النصيحة، والظلمُ مقام العدل؛ فصارت الدولةُ والغلبَةُ لهذه الأمور، وأهلُها هم المشارَ إليهم، وكانتْ قبل ذلك لأضدادها، وكان أهلُها هم المشارَ إليهم.
• فإذا رأيتَ دولةَ هذه الأمور قد أقبلتْ، وراياتُها قد نُصِبَتْ، وجيوشُها قد رَكِبَتْ؛ فبطنُ الأرض والله خيرٌ من ظهرها، وقُلَلُ الجبال خيرٌ من السهول، ومخالطةُ الوحشِ أسلمُ من مخالطةِ الناس.
اقشعرَّتِ الأرضُ وأظلمتِ السماءُ وظهر الفسادُ في البرِّ والبحر من ظلم الفَجَرَةِ، وذهبتِ البركاتُ وقلَّتِ الخيراتُ وهزُلتِ الوحوشُ وتكدَّرتِ الحياةُ من فسق الظَّلَمَةِ، وبكى ضوءُ النهارِ وظلمةُ الليل من الأعمال الخبيثةِ والأفعال الفظيعةِ، وشكا الكرامُ الكاتبون والمُعَقِّباتُ إلى ربِّهم من كثرةِ الفواحش وغلبةِ المنكرات والقبائحِ. وهذا والله مُنذِرٌ بسَيلِ عذابٍ قد انعقد غمامُهُ، ومُؤذِنٌ بليل بلاءٍ قد ادْلهَمَّ ظلامُهُ؛ فاعزِلوا
[ ٦٥ ]
عن طريق هذا السَّيل بتوبةٍ نَصوح ما دامتِ التوبةُ ممكنةً وبابُها مفتوحٌ! وكأنَّكم بالباب وقد أُغْلِقَ، وبالرهنِ وقد غَلِقَ (^١)، وبالجَناح وقد عَلِقَ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٢٧].
• اشترِ نفسَك اليومَ؛ فإنَّ السوقَ قائمةٌ، والثمنَ موجودٌ، والبضائع رخيصةٌ، وسيأتي على تلك السوق والبضائع يومٌ لا تَصِلُ فيه (^٢) إلى قليل ولا كثير، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ﴾ [الفرقان: ٢٧].
إذا أنْتَ لمْ تَرْحَلْ بزادٍ من التُّقى … وأبْصَرْتَ يومَ الحَشْرِ منْ قَدْ تَزوَّدا
نَدِمْتَ على أنْ لا تكون كَمِثِلِه … وأنَّكَ لمْ تُرْصِدْ كما كان أرْصَدا (^٣)
• العملُ بغير إخلاص ولا اقتداءٍ كالمسافر يَملأُ جرابَهُ رملًا يُثْقِلُهُ ولا ينفعُهُ.
• إذا حملتَ على القلب همومَ الدُّنيا وأثقالهَا، وتهاونتَ بأورادِهِ التي هي قُوتُهُ وحياتُهُ؛ كنتَ كالمسافر الذي يُحمِّلُ دابَّتَهُ فوق طاقتِها، ولا يُوفيها علفَها؛ فما أسرع ما تَقِفُ به!
• ومُشَتَّتُ العَزَماتِ يُنْفِقُ عُمْرَهُ … حيْرانَ لا ظَفَرٌ ولا إخْفاقُ (^٤)
• هلِ السَّائقُ العَجْلانُ يَمْلِكُ أمْرَهُ … فما كُلُّ سَيرِ اليَعْمَلاتِ وَخيدُ
_________________
(١) أي استحقه المرتهن.
(٢) في الأصل: "فيها".
(٣) البيتان للأعشى في ديوانه (ص ٤٦).
(٤) البيت لابن سنان الخفاجي في فوات الوفيات (٢/ ٢٢٣)، وبلا نسبة في المدهش (ص ١٨٨).
[ ٦٦ ]
رويدَا بأخفافِ المَطِيِّ فإنَّما … تُداسُ جِباهٌ تَحتَها وخُدود (^١)
• من تلمَّحَ حلاوة العافية هان (^٢) عليه مرارةُ الصَّبرِ.
• الغايةُ: أولٌ في التقديرِ، آخرٌ في الوجودِ، مَبدأٌ في نظرِ العقلِ، منتهًى في منازل الوصول.
• ألِفْتَ عَجْزَ العادةِ؛ فلو عَلَتْ بك هِمَّتكَ رُبا المعالي؛ لاحتْ لك أنوارُ العزائم.
• إنَّما تفاوَتَ القومُ بالهِمَم لا بالصُّوَرِ.
• نزولُ هِمَّةِ الكَسَّاح دَلَّاهُ في جُبِّ العَذِرَة.
• بينَك وبين الفائزينَ جبلُ الهوى، نزلوا بين يديهِ ونزلْتَ خَلْفَهُ؛ فاطْوِ فَضْلَ منزل تَلْحَقْ بالقوم.
• الدُّنيا مِضْمارُ سباقٍ، وقد انعقد الغبارُ، وخَفِيَ السابقُ، والناسُ في المِضمارِ بين فارسٍ وراجل وأصحابِ حُمُرٍ مُعَقَّرةٍ.
سَوْفَ تَرى إذا انْجَلى الغُبارُ … أفَرَسٌ تَحْتَكَ أمْ حِمارُ (^٣)
• في الطبع شَرَهٌ، والحِميةُ أوفقُ.
• لصُّ الحرص لا يمشي إلا في ظلام الهوى.
• حَبَّةُ المشتَهى تحتَ فَخِّ التَّلَفِ؛ فتفكَّرْ في الذبح؛ وقد هان
_________________
(١) البيتان لمهيار الديلمي في ديوانه (١/ ٣١٠).
(٢) ط: "هانت".
(٣) الرجز ضمن رسالة للبديع الهمذاني في جمع الجواهر (ص ٢٦٥)، وبلا نسبة في التمثيل والمحاضرة (ص ٣٤٥).
[ ٦٧ ]
الصَّبْرُ.
• قوةُ الطَّمع في بلوغ الأمل تُوجبُ الاجتهادَ في الطلبِ وشدةَ الحَذَرِ من فَوْتِ المأمول.
• البخيلُ فقيرٌ لا يُؤْجَرُ على فقرِهِ.
• الصبرُ على عطش الضُّرِّ، ولا الشُّرْبُ من شِرْعَةِ مَنٍّ.
• تجوعُ الحُرَّةُ ولا تأكلُ بثَدْيَيها.
• لا تسألْ سوى مولاكَ؛ فسؤالُ العبدِ غيرَ سيِّدِهِ تشنيعٌ عليه.
• غَرْسُ الخَلْوَةِ يُثْمِرُ الأنسَ.
• استوحِشْ مما لا يدومُ معكَ، واستأنِسْ بمَن لا يفارِقُك.
• عزلةُ الجاهل فسادٌ، وأما عزلةُ العالِم فَمَعَها حِذاؤُها وسِقاؤُها.
• إذا اجتمع العقلُ واليقينُ في بيتِ العُزْلَةِ، واستَحْضَرا الفكرَ، وجرتْ بينَهم مناجاةٌ:
أتاكَ حديثٌ لا يُمَلُّ سَماعُهُ … شَهِيٌّ إلَينا نَثْرُهُ ونِظامُهُ
إذا ذَكَرَتْهُ النَّفْسُ زال عَناؤها … وزال عَنِ القلبِ المُعَنَّى ظلامُهُ (^١)
• إذا خَرَجَتْ مِن فِي عَدُوِّكَ لفظةُ سَفَهٍ فلا تُلْحِقْها بمِثْلِها؛ تُلَقِّحْها، ونَسْلُ الخصام نَسْلٌ مذمومٌ.
• حَميَّتُكَ لنفسِكَ أثرُ الجهل بها؛ فلو عَرَفْتَها حقَّ معرِفَتِها أعَنْتَ
_________________
(١) الأول للقاضي المرتضى الشهرزوري في "خريدة القصر" قسم الشام (٢/ ٣٠٩).
[ ٦٨ ]
الخصمَ عليها.
• إذا اقْتَدَحَتْ نارُ الانتقام من نارِ الغَضَبِ؛ ابْتَدَأتْ بإحراقِ القادح.
• أوْثِقْ غضبَكَ بسلسلة الحِلْم؛ فإنَّه كلبٌ؛ إنْ أَفْلَتَ أَتلفَ.
• مَن سبقتْ له سابقةُ السعادة؛ دُلَّ على الدليل قبل الطَّلَب.
• إذا أراد القَدَرُ شخصًا؛ بَذَرَ في أرض قلبهِ بذْرَ التوفيقِ، ثم سقاه بماءِ الرغبةِ والرهبةِ، ثم أقام عليه ناطُورَ (^١) المراقَبةِ، واستخدمَ له حارسَ العلم؛ فإذا الزرعُ قائمٌ (^٢) على سوقِهِ.
• إذا طَلَعَ نجمُ الهِمَّةِ في ظلام ليل البَطالةِ، ورَدِفَهُ قمرُ العزيمةِ؛ أشرقتْ أرضُ القلبِ بنورِ ربِّها.
• إذا جَنَّ الليلُ تغالبَ النومُ والسهرُ؛ فالخوفُ والشوقُ في مقدَّم عسكرِ اليَقَظَةِ، والكسلُ والتَّواني في كتيبةِ الغفلةِ؛ فإذا حَمَلَ العزمُ حَمَلَ على الميمنةِ، فانهزمتْ جنود التفريطِ؛ فما يَطْلُعُ الفجرُ؛ إلا وقد قُسِمَتِ السُّهْمانُ وبَرَدَتِ الغنيمةُ لأهلِها.
• سَفَرُ الليل لا يُطيقهُ إلَّا مُضَمَّرُ المجاعةِ.
• النجائبُ في الأوَّلِ، وحاملاتُ الزادِ في الأخير.
• لا تَسأَمْ من الوقوفِ على الباب ولو طُرِدْتَ، ولا تقطع الاعتذارَ ولو رُدِدْتَ؛ فإنْ فُتِح البابُ للمقبولين دونكَ؛ فاهْجمْ هجومَ الكذَّابينَ، وادْخُلْ دخولَ الطُّفَيلِيَّة، وابْسُطْ كَفَّ ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَينَا﴾ [يوسف: ٨٨].
_________________
(١) في الأصل: "بأطوار".
(٢) في الأصل: "قائمًا".
[ ٦٩ ]
• يا مستفْتِحًا بابَ المعاشِ بغيرِ إقليدِ (^١) التَّقوى! كيفَ تُوسِعُ طريقَ الخطايا وتَشْكو ضِيقَ الرِّزْقِ؟!
• لو وَقَفْتَ عند مرادِ التَّقوى لم يَفُتْكَ مرادٌ.
• المعاصي سَدٌّ في باب الكسبِ، و"إنَّ العَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بالذَّنْب يُصيبُهُ" (^٢).
• تَاللهِ ما جِئْتُكُمُ زائرًا … إلَّا وَجَدْتُ الأرْضَ تُطْوَى لِيْ
ولا انْثنَى عَزْميَ عن بابِكُمْ … إلَّا تَعَثَّرْتُ بأذْيالي (^٣)
• الأرواحُ في الأشباح كالأطيار في الأبراج، وليسَ ما أُعِدَّ للاستفراخ كمن هُيِّئَ للسِّباق.
• من أراد من العمَّالِ أن يَعرِفَ قدرَه عند السلطان فلينظر ماذا يُوليهِ مِن العمل؟ وبأيِّ شُغْلٍ يَشْغَلُهُ؟
• كنْ من أبناءِ الآخرةِ، ولا تكُنْ من أبناءِ الدُّنيا؛ فإنَّ الولد يَتْبَعُ الأمَّ.
• الدُّنيا لا تُساوي نَقْل أقدامِكَ إليها؛ فكيف تَعْدو خلفَها؟!
• الدُّنيا جيفةٌ، والأسدُ لا يقعُ على الجِيَفِ.
_________________
(١) الإقليد: المفتاح.
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٧، ٢٨٠، ٢٨٢) وابن ماجه (٩٠، ٤٠٢٢) وابن حبان (٨٧٢) والحاكم (١/ ٤٩٣) من حديث ثوبان مرفوعًا. وصححه ابن حبان والحاكم، وحسّنه البوصيري في الزوائد.
(٣) هما للمرتضى الشهرزوري في وفيات الأعيان (٣/ ٥٢).
[ ٧٠ ]