بالوصول إليه ومجاورتِهِ والنظرِ إلى وجهِهِ وسماع كلامِهِ أتمَّ. وكلُّ لَذَّةٍ ونعيمٍ وسرورٍ وبهجةٍ بالإضافة إلى ذلك كقطرةٍ في بحرٍ.
فكيف يُؤْثِرُ منْ له عقلٌ لَذَّةً ضعيفةً قصيرةً مشوبةً بالآلام على لَذَّةٍ عظيمةٍ دائمةٍ أبدَ الآباد؟!
وكمالُ العبدِ بحسب هاتين القوتين: العلم والحبِّ، وأفضلُ العلم العلمُ بالله، وأعلى الحبِّ الحبُّ له، وأكملُ اللَّذَّةِ بحَسَبهما.
والله المستعان.
قاعدة
طالبُ اللَّهِ والدارِ الآخرة لا يستقيم له سَيرُه وطلبُه إلا بحَبْسَين: حبسُ قلبه في طلبه ومطلوبه، وحبسُهُ عن الالتفات إلى غيره. وحبسُ لسانه عما لا يُفيدُ، وحبسُهُ على ذِكْرِ الله وما يزيدُ في إيمانِهِ ومعرفتِهِ. وحبسُ جوارِحِه عن المعاصي والشهوات، وحبسُها على الواجبات والمندوبات. فلا يُفارِقُ الحبسَ حتى يَلْقى ربَّهُ، فيخلصُ من السجن إلى أوسع فضاءٍ وأطيبه.
ومتى لم يصبِر على هذين الحبسين وفرَّ منهما إلى فضاءِ الشهوات؛ أعْقبَهُ ذلك الحبسُ الفظيعُ عند خروجه من الدُّنيا.
فكلُّ خارجٍ من الدُّنيا: إما متخلِّصٌ من الحبس، وإما ذاهبٌ إلى الحبس.
وبالله التوفيق.
وَدَّع ابنُ عونٍ رجلًا فقال: عليك بتقوى الله؛ فإنَّ المتَّقي ليست عليه
[ ٧٤ ]
وَحْشَةٌ.
وقال زيدُ بنُ أسلم: كان يُقالُ: من اتَّقى الله أحبَّهُ الناس وإنْ كرِهوا (^١).
وقال الثوريُّ لابن أبي ذئبٍ: إن اتَّقَيْتَ الله كفاك الناس، وإن اتقيتَ الناسَ لن يُغْنوا عنك من الله شيئًا (^٢).
وقال سليمان بن داود: أُوتينا ممَّا أوتِيَ الناس وممَّا لم يُؤْتَوْا، وعُلِّمْنا مما عُلِّمَ الناسُ ومما لم يُعَلَّموا، فلم نجد شيئًا أفضل من تقوى الله في السرِّ والعلانية، والعدلِ في الغضبِ والرِّضى، والقصدِ في الفقرِ والغنى (^٣).
وفي "الزهد" للإمام أحمد (^٤) أثرٌ إلهيٌّ: ما من مخلوقٍ اعْتصَمَ بمخلوق دوني إلَّا قطعتُ أسبابَ السماواتِ والأرضِ دونه؛ فإن سألني لم أُعْطِهِ، وإنْ دعاني لم أُجبْه، وإن استغفرَني لم أغفِرْ له. وما من مخلوقٍ اعتصمَ بي دون خَلْقيَ؛ إلا ضمنتِ السماواتُ والأرضُ رزقَه؛ فإنْ سألني أعطيتُهُ، وإنْ دعاني أجَبْتُهُ، وإن استغْفَرَني غفرتُ لهُ.
_________________
(١) الخبر في حلية الأولياء (٣/ ٢٢٢).
(٢) الخبر في حلية الأولياء (٧/ ٦٨).
(٣) أخرجه أحمد في الزهد (ص ٥١) وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٩٩) عنه.
(٤) لم أجده في "الزهد"، وأخرجه تمام في فوائدة (١٧٠٠ - الروض البسام) عن كعب بن مالك مرفوعًا. والحكيم الترمذي. ورواه الشجري في أماليه (١/ ٢٢٣) عن جعفر بن محمد عن آبائه، وهي نسخة موضوعة.
[ ٧٥ ]