أو حديثٍ، أو علم -ولا سيَّما إذا لم يحتج إليه-، والتكاثر في الكتب، والتصانيف، وكثرة المسائل، وتفريعها، وتوليدها، والتكاثر أن يطلب الرجلُ أن يكون أكثر من غيره، وهذا مذمومٌ؛ إلَّا فيما يُقَرِّبُ إلى الله؛ فالتكاثر فيه منافسةٌ في الخيرات ومسابقة إليها.
وفي "صحيح مسلم" (^١) من حديث عبد الله بن الشخِّير أنه انتهى إلى النبيِّ ﷺ وهُو يقرَأُ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾، قال: "يقولُ ابنُ آدم: مالي! مالي! وهل لك من مالك إلَّا ما تصدقتَ فأمضيتَ، أو أكلتَ فأفْنيتَ، أو لبِستَ فأبليتَ؟! ".
تنبيه
• من لم ينتفع بعينه لم ينتفع بأذُنه.
• للعبد سترٌ بينه وبين الله وسترٌ بينه وبين الناس؛ فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله؛ هتك الله الستر الذي بينه وبين الناس.
• للعبد ربٌّ هو ملاقيه وبيتٌ هو ساكنُهُ؛ فينبغي له أن يسترضيَ ربَّه قبل لقائه، ويعمُرَ بيته قبل انتقالِهِ إليه.
• إضاعة الوقت أشدُّ من الموت؛ لأنَّ إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموتُ يقطعك عن الدنيا وأهلها.
• الدُّنيا من أولها إلى آخرها لا تُساوي غمَّ ساعة؛ فكيف بغمِّ العُمر؟!
• محبوبُ اليوم يعقب المكروه غدًا، ومكروه اليوم يعقب
_________________
(١) برقم (٢٩٥٨).
[ ٤٤ ]
المحبوب غدًا.
• أعظم الرِّبْح في الدُّنيا أن تشتغل نفسك كلَّ وقتٍ بما هو أولى بها وأنفعُ لها في معادها.
• كيف يكون عاقلًا من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة؟!
• يخرُجُ العارفُ من الدُّنيا ولم يقضِ وَطَرهُ من شيئين: بكاؤُهُ على نفسه، وثناؤُهُ على ربِّه.
• المخلوق إذا خِفتَه؛ استوحشتَ منه وهربتَ منه، والربُّ تعالى إذا خِفتَه؛ أنستَ به وقَرُبتَ إليه.
• لو نفع العلم بلا عمل؛ لما ذمَّ الله سبحانه أحبار أهل الكتاب، ولو نفع العمل بلا إخلاص؛ لما ذمَّ المنافقين.
• دافع الخطرةَ؛ فإن لم تفعل صارت فكرةً؛ فدافع الفكرة؛ فإن لم تفعل صارت شهوةً؛ فحارِبْها؛ فإن لم تفعل صارت عزيمة وهمَّةً؛ فإن لم تُدافعها صارت فعلًا؛ فإن لم تتداركهُ بضدِّه صار عادةً، فيصعُبُ عليك الانتقالُ عنها.
• التقوى ثلاث (^١) مراتب: إحداها: حميةُ القلبِ والجوارح عن الآثام والمحرَّماتِ. الثانية: حميتُها عن المكروهات. الثالثة: الحميةُ عن الفُضول وما لا يعني. فالأولى تُعطي العبدَ حياتَه، والثانيةُ تفيدُهُ صحَّتَه وقوَّتهُ، والثالثةُ تُكسِبُهُ سرورَه وفرحهُ وبهجَتَهُ.
غُموضُ الحقِّ حين تذُبُّ عنهُ … يُقلِّلُ ناصرَ الخصمِ المُحقِّ
_________________
(١) في الأصل: "ثلاثة".
[ ٤٥ ]
تَضِلُّ عن الدَّقيقِ فُهُومُ قومٍ … فتقْضي للمُجِلِّ على المُدقِّ (^١)
• بالله أبْلُغُ ما أسعى وأُدرِكُهُ … لا بي ولا بشفيعٍ لي من الناس
إذا أيستُ وكادَ اليأسُ يقطعُني … جاء الرَّجا مُسرعًا من جانب الياسِ (^٢)
• لمَّا طلب آدمُ الخلود في الجنة من جانب الشجرة؛ عُوقِب بالخُروج منها، ولما طلب يوسفُ الخروج من السجن من جهة صاحب الرُّؤيا؛ لبث فيه بضع سنين.
• إذا جرى على العبد مقدورٌ يكرهُهُ؛ فله فيه ستةُ مشاهد:
أحدُها: مشهدُ التوحيد، وأنَّ الله هو الذي قدَّرهُ وشاءهُ وخلقهُ، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
الثاني: مشهدُ العدل، وأنه ماضٍ فيه حُكْمُهُ، عدلٌ فيه قضاؤُهُ.
الثالثُ: مشهد الرحمة، وأنَّ رحمته في هذا المقدور غالبةٌ لغضبِهِ وانتقامِهِ، ورحمتُهُ حشوُهُ.
الرابع: مشهدُ الحكمة، وأن حكمتَهُ سبحانه اقتضتْ ذلك، لم يُقدِّرْهُ سُدًى ولا قضاه [عبثًا] (^٣).
الخامس: مشهد الحمدِ، وأنَّ له سبحانه الحمد التامَّ على ذلك من جميع وجوهِهِ.
السادسُ: مشهدُ العبوديَّة، وأنه عبدٌ محضٌ من كلِّ وجه، تجري
_________________
(١) البيتان لابن الرومي في ديوانه (٤/ ١٦٨٣).
(٢) لم أجد البيتين في المصادر التي رجعت إليها.
(٣) من ط.
[ ٤٦ ]