هِمَّتُهُ معرفةَ الاختلاف وتتبُّعَ أقوال الناس، وليسَ له هِمَّةٌ إلى معرفةِ الصحيح من تلك الأقوال، وقَلَّ أنْ ينتفعَ واحدٌ من هؤلاءِ بعلمِهِ.
• وأعلى الهِمَم في باب الإرادة أنْ تكونَ الهِمَّةُ متعلقةً بمحبة الله والوقوفِ مع مرادِهِ الدينيِّ الأمريِّ، وأسفلُها أن تكون الهمَّةُ واقفةً مع مرادِ صاحِبها من الله؛ فهو إنما يعبدُهُ لمُرادِهِ منه لا لمرادِ الله منه؛ فالأولُ يريدُ اللهَ ويريدُ مرادَهُ، والثاني يريدُ من الله وهو فارغٌ عن إرادتِهِ.
• علماءُ السَّوْءِ جلسوا على بابِ الجنَّةِ يدعونَ إليها الناسَ بأقوالِهِم ويَدْعونَهُم إلى النار بأفعالِهِم؛ فكلَّما قَالتْ أقوالُهُم للناس: هَلُمُّوا! قالتْ أفعالُهُم: لا تَسْمَعوا منهم! فلو كان ما دَعَوْا إليه حقًّا كانوا أولَ المستجيبين له! فهم في الصورة أدِلَّاءُ وفي الحقيقةِ قُطَّاعُ الطريق.
• إذا كان الله وحدَه حظَّكَ ومرادَكَ؛ فالفضلُ كلُّه تابعٌ لك يزدلِفُ إليك؛ أيَّ أنواعِهِ تبدأ به. وإذا كان حظُّكَ ما تنالُ منه فالفضلُ موقوفٌ عنك؛ لأنَّه بيدِهِ، تابعٌ له، فعلٌ من أفعالِهِ. فإذا حصل لك حصلَ لك الفضلُ بطريقِ الضِّمْنِ والتَّبَع، وإذا كان الفضلُ مقصودَك لم يَحْصُلِ الله بطريق الضِّمْنِ والتَّبَع. فإن كنتَ قد عرفتَهُ وأنِسْتَ به ثم سقطتَ إلى طلب الفضل؛ حرمَكَ إيَّاهُ عقوبةً لك، ففاتَكَ الله وفاتك الفضلُ.
فصل
لمَّا خرَجَ رسولُ الله ﷺ من حَصْرِ العدوِّ دَخَل في حُصُرِ النصر، فعبثتْ أيدي سراياهُ بالنصر في الأطراف، فطار ذِكْرُهُ في الآفاقِ، فصار الخَلْقُ معهُ ثلاثة أقسام: مؤمنٌ به، ومسالمٌ له، وخائفٌ منه.
ألقى بِذْرَ الصَّبْرِ في مزرعةِ ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾
[ ٨٥ ]
[الأحقاف: ٣٥]؛ فإذا أغصانُ النباتِ تَهْتَزُّ بخُزامىَ ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]؛ فدخل مكة دُخولًا ما دَخَلَهُ أحدٌ قبلَه ولا بعدَه؛ حولَه المهاجرونَ والأنصارُ، لا يَبينُ منهم إلا الحَدَقُ، والصحابةُ على مراتبِهَم، والملائكةُ فوق رؤوسِهم، وجبريلُ يتردَّدُ بينَه وبين ربِّهِ، وقد أباحَ له حَرَمَهُ الذي لم يُحِلَّهُ لأحدٍ سواه (^١).
فلمَّا قايَسَ بين هذا اليوم وبين يوم ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، فأخْرَجوه ثانيَ اثنين؛ دخلَ وذَقَنُه يَمَسُّ قرَبوسَ سرجِهِ، خضوعًا وذُلًّا لمن ألبسَهُ ثوبَ هذا العزِّ الذي رَفعَتْ إليه فيه الخليقةُ رؤوسَها، ومَدَّتْ إليه الملوكُ أعناقها.
فدخَلَ مكَّةَ مالكًا مؤيَّدًا منصورًا، وعلا كَعْبُ بلالٍ فوقَ الكعبةِ بعد أن كان يُجَرُّ في الرَّمضاءِ على جَمْرِ الفتنة، فنَشَرَ بَزًّا طُوي عن القوم من يوم قولِهِ: أحدٌ أحدٌ، ورَفعَ صوتَه بالأذانِ، فأجابتهُ القبائلُ من كلِّ ناحيةٍ، فأقبلوا يؤمُّونَ الصوتَ، فدخلوا في دين الله أفواجًا، وكانوا قبل ذلك يأتونَ آحادًا.
فلمَّا جَلَسَ الرسولُ ﷺ على منبر العزِّ -وما نَزلَ عنه قطُّ- مَدَّتِ الملوكُ أعناقها بالخُضوع إليه؛ فمنهم من سلَّمَ إليه مفاتيحَ البلادِ، ومنهم من سألَهُ الموادعةَ والصُّلْح، ومنهم من أقرَّ بالجزيةِ والصَّغارِ، ومنهم من أخذ في الجمع والتأهُّب للحرب ولم يَدْرِ [أنَّه] لم يزِد على جمع الغنائم وسَوْقِ الأسارى إليه.
_________________
(١) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (١٨٣٤) ومسلم (١٣٥٣) عن ابن عباس مرفوعًا، وفيه: "وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار".
[ ٨٦ ]