فائدة
ما أخذ العبدُ ما حُرِّم عليه إلا من جهتين:
إحداهُما (^١): سوءُ ظنِّهِ بربِّهِ، وأنَّه لو أطاعَهُ وآثَرَهُ لم يُعطِهِ خيرًا منه حلالًا.
والثانيةُ: أن يكون عالِمًا بذلك، وأنَّ مَنْ تركَ لله شيئًا أعاضَهُ خيرًا منه (^٢)، ولكن تغلِبُ شهوتُهُ صبَرهُ وهواهُ عقلَهُ.
فالأولُ مِن ضَعْفِ علمِهِ، والثاني من ضَعْفِ عقلِهِ وبصيرتِهِ.
• قال يحيى بن معاذٍ: من جمع الله عليه قلبَهُ في الدُّعاءِ لم يَرُدَّهُ.
قلتُ: إذا اجتمع عليه قلبُهُ، وصَدَقتْ ضرورتُهُ وفاقتُهُ، وقَوِيَ رجاؤُهُ؛ فلا يكاد يُرَدُّ دعاؤُهُ.
فصل
• لما رأى المتيقِّظون سطوةَ الدُّنيا بأهلها، وخداعَ الأملِ لأربابهِ، وتملُّك الشيطانِ قيادَ النُّفوس، ورأوا الدولة للنفس الأمَّارةِ؛ لجأوَا إلى حصنِ التضرُّع والالتجاءِ؛ كما يأوي العبدُ المذعورُ إلى حَرَمِ سيِّدِهِ.
_________________
(١) في الأصل: "أحدهما".
(٢) أخرج أحمد (٥/ ٣٦٣) من طريق حميد بن هلال حدثنا أبو قتادة وأبو الدهماء عن رجل من أهل البادية سمع رسول الله ﷺ يقول: "إنك لن تدع شيئًا لله ﷿ إلَّا بدلك الله به ما هو خير لك منه". وإسناده صحيح.
[ ٦٣ ]
• شهواتُ الدُّنيا كلُعَبِ الخيال، ونظرُ الجاهل مقصورٌ على الظاهر، فأمَّا ذو العقل فيرى ما وراء السِّتْرِ.
• لاحَ لهمُ حَبُّ المشتهَى، فلما مدُّوا أيدي التناول؛ بانَ لأبصارِ البصائرِ خيطُ الفخِّ، فطاروا بأجنحةِ الحَذَرِ، وصوَّبوا إلى الرحيل الثاني: ﴿يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ [يس: ٢٦].
• تلمَّحَ القومُ الوجودَ، ففهِموا المقصودَ، فأجمعوا الرحيلَ قبل الرحيل، وشمَّروا للسيرِ في سواءِ السبيل؛ فالناسُ مشتغلون بالفضلاتِ، وهم في قطع الفلواتِ، وعصافيرُ الهوى في وَثاقِ الشبكةِ ينتظرونَ الذبحَ.
• وَقَعَ ثَعْلبانِ في شبكةٍ، فقال أحدُهما للآخرِ: أينَ الملتقى (^١) بعد هذا؟ فقال: بعد يومينِ في الدِّباغةِ.
• تالله ما كانتِ الأيامُ إلا منامًا؛ فاستيقظوا وقد حصلوا على الظَّفَرِ.
• ما مضى من الدُّنيا أحلامٌ، وما بقي منها أمانيُّ، والوقتُ ضائعٌ بينَهما.
• كيف يَسْلَمُ من له زوجةٌ لا تَرحمُهُ، وولدٌ لا يَعذِرُه، وجارٌ لا يأمَنُه، وصاحبٌ لا ينصحُه، وشريكٌ لا يُنصِفُه، وعدوٌّ لا ينامُ عن معاداته، ونفسٌ أمَّارةٌ بالسوءِ، ودُنيا متزينةٌ، وهوًى مُرْدٍ، وشهوةٌ غالبةٌ له، وغضبٌ قاهرٌ، وشيطانٌ مزيِّنٌ، وضعفٌ مستولٍ عليه؟!
فإن تولَّاهُ الله وجذَبَهُ إليه انقهرتْ له هذه كلُّها، وإن تخلَّى عنه ووكلَهُ
_________________
(١) في الأصل: "المتلقى".
[ ٦٤ ]