[البقرة: ٢١٦].
• يا آدم! لم أُخرج إقطاعك إلى غيرك، إنما نحَّيتُك عنه؛ لأكمِّل عمارتهُ لك، وليبعث إليَّ العمالُ نفقةَ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ [السجدة: ١٦].
• تالله ما نفعَهُ عند معصيته عزُّ ﴿اسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤] ولا شرف ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾ [البقرة: ٣١]، ولا خصيصةُ ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ولا فخرُ ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وإنما انتفع بذُلِّ ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣].
• لَمَّا لبس دِرْعَ التوحيد على بدن الشُّكر؛ وقعَ سهمُ العدوِّ منه في غير مقتل، فجرحهُ، فوضع عليه جُبارَ الانكسار، فعاد كما كان، فقام الجريح كأن لم يكن به قلبةٌ (^١).
فصل
نجائبُ النجاةِ مُهيَّأةٌ للمُراد، وأقدامُ المطرود موثوقةٌ بالقُيود.
هَبَّتْ عواصفُ الأقدار في بيداءِ الأكوان، فتقلَّب الوجود، ونجَمَ الخيرُ، فلما ركدت الريحُ إذا أبو طالب غَرِيقٌ في لُجَّةِ الهلاك، وسلمانُ على ساحل السَّلامة، والوليدُ بن المغيرة يقدُمُ قومَهُ في التِّيهِ، وصُهيبٌ قد قدم بقافلة الرُّوم، والنجاشيُّ في أرض الحبشة يقولُ: لبيك اللهمَّ لبيك، وبلالٌ ينادي: الصَّلاةُ خيرٌ من النوم، وأبو جهل في رقدةِ المخالفة.
لما قُضي في القدم بسابقةِ سلمان (^٢)؛ عرَّجَ به دليلُ التوفيق عن
_________________
(١) أي الداء والألم.
(٢) خبر إسلام سلمان الفارسي مع الأبيات الواردة هنا في المدهش (ص ٢١٣ - ٢١٥).
[ ٥٢ ]
طريق آبائه في التَّمَجُّس، فأقبل يناظرُ أباه في دين الشرك، فلما عَلاهُ بالحُجَّة؛ لم يكن له جوابٌ إلا القيد -وهذا جوابٌ يتداولُه أهلُ الباطل من يوم حرَّفوه، وبه أجاب فرعونُ موسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي﴾ [الشعراء: ٢٩]، وبه أجاب الجهميَّةُ الإمامَ أحمد لما عرضوه على السِّياط، وبه أجاب أهل البدع شيخَ الإسلام حين استودعوهُ السجن، وها نحنُ على الأثر-، فنزل به ضيفُ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٥]، فنال بإكرامِهِ مرتبةَ "سلمانُ منَّا أهلَ البيت" (^١)، فسمع أن ركبًا على نية السفر، فسرقَ نفسَه من أبيه ولا قطع، فركب راحلة العزم يرجو إدراك مطلب السعادة، فغاص في بحر البحث ليقع بدُرَّةِ الوجود، فوقف نفسه على خدمة الأدلَّاء وقوفَ الأذلَّاء، فلما أحسَّ الرهبانُ بانقراض دولتهم؛ سلَّموا إليه أعلام الإعلام على نبوَّة نبيِّنا، وقالوا: إنَّ زمانه قد أظلَّ؛ فاحذر أن تضلَّ! فرحل مع رفقةٍ لم يرفُقوا به، فشَروهُ بثمن بَخْسٍ دراهم معدودةٍ، فابتاعه يهوديٌّ بالمدينة، فلما رأى الحرَّة؛ توقَّد حَرُّ شَوقِه، ولم يعلم ربُّ المنزل بوجدِ النازل؛ فبينا هو يُكابدُ ساعات الانتظارَ؛ قدم البشيرُ بقدوم البشير، وسلمان في رأس نخلةٍ، وكاد القلقُ يُلقيه، لولا أنَّ الحزم أمسكهُ؛ كما جرى يوم ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠]، فعجَّل النزولَ لتلقِّي رَكْبِ البشارة ولسانُ حالِه يقولُ:
خليليَّ من نجدٍ قِفا بي على الرُّبا … فقدْ هبَّ منْ تلكَ الدِّيارِ نسيمُ (^٢)
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/ ٨٣، ٧/ ٣١٩) والطبراني في الكبير (٦٠٤٠) والحاكم (٣/ ٥٩٨) من حديث عمرو بن عوف. وإسناده ضعيف جدًّا. وأخرجه ابن سعد (٤/ ٨٦) والطبراني (٦٠٤١) من كلام علي. وإسناده صحيح.
(٢) البيت بلا نسبة في المدهش (ص ٢١٤).
[ ٥٣ ]