قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٦).
والمعنى: اعملوا بطاعة الله، وانتهوا عما نهاكم عنه، ومروا أهليكم
_________________
(١) سورة السجدة، الآية: ١٧.
(٢) أخرجه البخاري في تفسير القرآن، باب قوله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، برقم ٤٧٨٠، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب، برقم ٢٨٢٤/ ٤.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، برقم ٣٢٥٠، وفي كتاب الرقاق، باب مثل الدنيا في الآخرة، برقم ٦٤١٥، والترمذي في كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في فضل الغدو والرواح في سبيل الله، برقم ١٦٤٨.
(٤) لقاب قوس أحدكم: أي قدره، والقاب معناه القدر، وكذلك القيد، فتح الباري، ٦/ ١٤.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الحور العين وصفتهن، برقم ٢٧٩٦، وفي كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، رقم ٦٥٦٨، وأخرج مسلم الفقرة الأولى منه في كتاب الإمارة، باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله، برقم ١٨٨٠، ١٨٨١.
(٦) سورة التحريم، الآية: ٦.
[ ١١ ]
بالخير، وانهوهم عن الشر، وعلِّموهم وأدِّبوهم، وساعدوهم على فعل الخير، وأعينوهم عليه، وأوصوهم بتقوى الله تعالى (١).
وقال سبحانه: ﴿فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢).
وقال - ﷿ -: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (٣).
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: لما أُنزلت هذه الآية: ﴿وأَنذِرْ عشِيرَتَكَ الأَقرَبينَ﴾ (٤) دعا رسول الله - ﷺ - قريشًا فاجتمعوا، فعمَّ وخصَّ فقال:
«يا بني كعب ابن لؤي: أنقذوا أنفسكم من النار » [وذكر في الحديث أنه نادى قريشًا بطنًا بطنًا إلى أن قال]: « يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رَحِمًا سأبُلُّها بِبِلالها (٥) » (٦).
وعن أنس، عن أبي طلحة ﵄ أن نبي الله - ﷺ -، أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقُذفوا في طويٍّ من أطواء بدر (٧) خَبيث مُخبثٍ، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليالٍ،
_________________
(١) انظر: تفسير الإمام ابن كثير، ٤/ ٣٩٢، وتفسير البغوي، ٤/ ٣٦٧.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٤.
(٣) سورة الليل، الآيات: ١٤ - ١٦.
(٤) سورة الشعراء، الآية: ٢١٤.
(٥) سأبلها ببلالها: سأصلها. شبهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة، ومنه: «بلوا أرحامكم» أي: صلوها. شرح النووي على مسلم، ٣/ ٨٠.
(٦) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى: ﴿وأَنذِرْ عشِيرَتَكَ الأَقرَبينَ﴾، برقم ٢٠٤، وبنحوه أخرجه البخاري في كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب، برقم ٢٧٥٣.
(٧) طويّ: بئر مطوية بالحجارة، والركي: البئر قبل أن تطوى. قالوا: فكأنها كانت مطوية ثم استهدمت كالركي.
[ ١٢ ]
فلما كان ببدرٍ اليوم الثالث أمر براحلته، فشُدَّ عليها رحلها، ثم مشى وتبعه أصحابه، وقالوا: ما نُرى ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شفةِ الركيّ، فجعل يناديهم بأسمائهم، وأسماء آبائهم: «يا فلانُ ابن فلانٍ، ويا فُلانُ ابن فلانٍ، أيسرّكم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنَّا وجدنا ما وعدنا ربنا حقًَّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟» فقال عمر: يا رسول الله ما تُكلِّم من أجسادٍ لا أرواح لها؟ فقال - ﷺ -: «والذي نفس محمدٍ بيده ما أنت بأسمعَ لِمَا أقولُ منهم». قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا، وتصغيرًا، ونقمةً، وحسرةً وندمًا (١).
وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «مَثَلي كمَثَل رجلٍ استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراشُ وهذه الدوابُّ التي في النار يقعن فيها، وجعل يَحْجُزُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ فيَتَقَحَّمْنَ فيها (٢). قال: فذلكم مَثَلي ومَثَلُكُم أنا آخذٌ بحُجَزِكُم عن النار، هلمَّ عن النَّار، هلمَّ عن النار، فتَغْلِبُوني تقحَّمون فيها» (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل، برقم ٣٩٧٦، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، برقم ٢٨٧٣ - ٢٨٧٥.
(٢) التقحم: هو الإقدام والوقوع في الأمور الشاقة من غير تثبت، والحجز: جمع حجزة، وهي: معقد الإزار والسراويل، شرح النووي، ١٥/ ٥٥.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب شفقته - ﷺ - على أمته ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم، برقم ٢٢٨٤/ ١٨.
[ ١٣ ]