قال الله تعالى: ﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا
_________________
(١) سورة المطففين، الآيتان: ١٨ - ١٩.
(٢) انظر: تفسير البغوي، ٤/ ٤٦٠، وتفسير ابن كثير، ٤/ ٤٨٧.
(٣) تفسير ابن كثير، ٤/ ٤٨٧.
(٤) سورة الذاريات، الآية: ٢٢.
(٥) تفسير ابن كثير، ٤/ ٢٣٦.
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، برقم ٢٧٩٠، وفي كتاب التوحيد، باب ﴿(وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، برقم ٧٤٢٣.
[ ١٩ ]
سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ (١).
والمعنى أن مأواهم ومصيرهم لفي سجِّين، فعيل من السجن، وهو الضيق، كما يُقال: فتِّيق، وشرِّيب، وخمّير، وسكِّير، ونحو ذلك؛ ولهذا عظم أمره فقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ أي هو أمرٌ عظيم، وسجن مقيم، وعذاب أليم (٢)، وقد ذكر الإمام البغوي، والإمام ابن كثير، والإمام ابن رجب الحنبلي ﵏ آثارًا، تُبيِّن وتذكر أن سجِّين تحت الأرض السابعة: أي تحت سبع أرضين، كما أن الجنة فوق السماء السابعة (٣).
وقال ابن كثير: والصحيح أن سجِّينًا مأخوذ من السجن، وهو الضيق؛ فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق، وكل ما تعالى منها اتَّسع؛ فإن الأفلاك السَّبعة كُلُّ واحدٍ منها أوسع، وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها، حتى ينتهي السفول المطلق، والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة (٤).
ثم ذكر رحمه الله تعالى: «أن مصير الفجار إلى جهنم، وهي أسفل سافلين كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٥). وقال هَهنا: ﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾، وهو يجمع الضيق والسفول، كما قال
_________________
(١) سورة المطففين، الآيات: ٧ - ٩.
(٢) تفسير ابن كثير، ٤/ ٤٨٥، وتفسير البغوي، ٤/ ٤٥٨.
(٣) انظر: تفسير البغوي، ٤/ ٤٥٨ - ٤٥٩، وتفسير ابن كثير، ٤/ ٤٨٥ - ٤٨٦، والتخويف من النار لابن رجب، ص٦٢ - ٦٣.
(٤) تفسير ابن كثير، ٤/ ٤٤٦.
(٥) سورة التين، الآيتان: ٥ - ٦.
[ ٢٠ ]
تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ ليس تفسيرًا لقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾، وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين، أي مرقوم، مكتوب، مفروغ منه، لا يُزاد فيه أحد، ولا يُنقص منه أحد» (٢).
قال ابن رجب ﵀: «وقد استدلَّ بعضهم لهذا (٣) بأن الله تعالى أخبر أن الكفار يُعرضون على النار غدوًا وعشيًَّا - يعني في مدة البرزخ - وأخبر أنه لا تفتح لهم أبواب السماء، فدل على أن النار في الأرض وفي حديث البراء بن عازب ﵄ عن النبي - ﷺ - في صفة قبض الروح، قال في روح الكافر: «حتى يُنتهى به إلى السماء الدنيا، فَيُسْتَفْتَحُ له، فلا يُفتَحُ له»، ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٤)، فيقول الله - ﷿ -: «اكتبوا كتابه في سجِّين في الأرض السُّفلى» ثم قال: « فَتُطْرَحُ رُوحُه طرحًا » الحديث (٥) بطوله (٦).
_________________
(١) سورة الفرقان، الآية: ١٣.
(٢) تفسير ابن كثير، ٤/ ٤٨٦.
(٣) وقد استدل بعضهم لهذا: أي على أن النار في الأرضين السبع في الأرض السابعة السفلى.
(٤) سورة الأعراف، الآية: ٤٠.
(٥) التخويف من النار، والتعريف بحال دار البوار، ص٦٣.
(٦) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب المسألة في القبر وعذاب القبر، برقم ٤٧٥٣، والنسائي في كتاب الجنائز، باب مسألة الكافر، برقم ٢٠٥٩، وابن ماجه في كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، برقم ٤٢٦٩، وأحمد في المسند، ٤/ ٢٨٧، ٢٩٥، ٢٩٦، والحاكم في المستدرك، ١/ ٣٧ - ٣٨، وهناد في الزهد، برقم ٣٣٩، وقد جمع طرقه واعتنى بتخريجه وتصحيحه العلامة الألباني في أحكام الجنائز، ص١٥٨.
[ ٢١ ]