وقد زكاه ربه ﷿ بصفات عديدة، وخلال عظيمة فقد آمن وحده وكل من سواه كانوا كفارًا، وأنكر على قومه الشرك وعبادة الأوثان بكل ما أوتي من حجة باليد واللسان والجنان. وتترادف الآيات في بيان الثناء وجزيل العطايا لإبراهيم الخليل ﵇ حيث بيّن القرآن الكريم بالتَّعريض والتصْريح في مواضع عديدة تضافرت مع بعضها البعض لتشكّل معًا سمات هذا النبي الكريم وهذا الإنسان الفذّ العظيم بأنه:
- كان صدّيقًا قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١] واسم الصدّيق مبالغة من كثرة الصدق في الحديث والوعد، فهو في جميع أحواله صادقًا مع نفسه لا يناقض سره علنه، صادقًا مع الناس قد أخلص النصح لأبيه وقومه، صادقًا مع ربه قد أخلص له
[ ١٤٨ ]
ولاءه، ومن الشرك والرجس أعلنها براءة. قال البغوي: " صَدَّقَ اللَّهَ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ وَصَدَّقَ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَصَدَّقَ بِالْبَعْثِ" (^١).
- كان مؤمنًا: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١]، وفي الآية تعليل للدلالة على جلالة الإيمان في صدره، وقوة إخلاصه وتصديقه، فهو الذي كمّله الله وآتاه الرشد وألهمه الحجة وهداه إِلى الحق في صغره قبل النبوة (^٢) فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٥١].
صاحب القلب السليم: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] السَّلِيم من آفات الشُّبْهَة الَّتِي توجب اتِّبَاع الظَّن وَالشَّهْوَة الَّتِي توجب اتِّبَاع الهوى (^٣)، وكان حنيفًا مسلمًا: ﴿حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]. مقبلًا على ربه، في وقتٍ أحاطت به الفتن، وأناخت بكلكلها على القلوب، فعمّ الإقبال على الأوثان والطواغيت، فما زاده ذلك إلا تمسكًا وميلًا إلى طريق الاستقامة، ومجانفة عن طريق الباطل.
- البَرِئ من الشرك: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] وتوحي هذه الجملة بزيادة في المعنى فهو لم يركع يومًا قط ولم يُطأطئ رأسه لغير الله. فهي تنفي عنه الشرك بالكلية في ماضيه وحاضره.
_________________
(١) تفسير البغوي (٥/ ٢٣٣).
(٢) ينظر تفسير السمر قندي (بحر العلوم) (٣/ ١٤٩)، والتفسير الوسيط للزحيلي (٨/ ٤٢٨).
(٣) ينظر الروح لابن القيم ص: ٢٤٤.
[ ١٤٩ ]
- الهاجر لدار الكفر، المفارق لرجس الأوثان كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، والذاهِب إلى ربه، اللائذ به والراغب إليه يطلب رضاه (^١): ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩].
- المتوجه إلى الله بكلّيته: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] وفي ذلك كمال الاستقامة وصفاء التوحيد، وتطهير القلب من سائر الضلالات.
- المحسِنُ العمل المظهر كمال الطاعة والانقياد لأمر ربه ويظهر ذلك جليًا في تصديقه لرؤيا ذبح ابنه فجزاه بإحسانه وطاعته العفو عن ذبحه، والثناء الحسن في العالمين (^٢) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤].
- المعادي والموالي في الله وحده، ولا يطلب نفعًا من أحدٍ غيره، والبريء من الشرك وأهله (^٣): ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ٧٥ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ٧٦ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧].
_________________
(١) ينظر تفسير السمعاني (٤/ ١٧٦)، وتفسير البغوي (٤/ ٣٥)، والبحر المحيط في التفسير لأبي حيان (٩/ ١١٥).
(٢) ينظر لباب التأويل في معاني التنزيل (٤/ ٢٤)، وتفسير مقاتل بن سليمان (٣/ ٦١٥).
(٣) ينظر تفسير الوسيط للواحدي (٣/ ٣٥٥)، وتفسير السمعاني (٤/ ٥٣)، (٩/ ١١٥)، وتفسير ابن كثير (٦/ ١٤٥).
[ ١٥٠ ]
الحَلِيمُ، الأَوّاهُ، المُنيب: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]، ويتضح حلمه فيما احتمله وصبر عليه من بلايا، وماقاساه من قومه وذويه من رزايا.
- الكريم الضيافة: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١].
- الحامِدُ لربه المثني عليه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، والشاكِرُ لآلائه وعظيم نعمه: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢١] شاكرًا بالجنان واللسان وبالقول والعمل، رادًا الفضل لله في كل شيء.
وقد ذكر لفظ ﴿لِأَنْعُمِهِ﴾ بصيغة القلّة للتنبيه على أنه لم يترك الشكر على القليل من النعم فكيف بكثيرها (^١).
- الصابر والوفي فقد ابتُليَ فصبر الصبر الجميل، وأتمّ ابتلاءه بالإذعان للجليل، وأدى ما عليه حق الأداء، ووفى به أكمل ما يكون الوفاء قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] وقال سبحانه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧].
ونتيجة لما أبداه إبراهيم الخليل ﵇ من طاعة، وما طواه من نقاء سريرة وما ألزم به نفسه من استمساك بالحق، وصلابة في ذات الله، فقد تقبّله الله تعالى ووهبه جليل الصفات وزاده من المزايا والمكرمات ومن ذلك أنه:
_________________
(١) ينظر فتح القدير للشوكاني (٣/ ٢٤١).
[ ١٥١ ]
١ - اجتباه: أي اختاره واصطفاه قال تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ﴾ [النحل: ١٢١]. والمراد اصطفاه الله لنبوته، واختاره لخُلته، ومازه على الناس بإمامته (^١).
٢ - هداه إلى صراط مستقيم: أنعم عليه بالهداية إلى سبيل الحق والرشاد قال تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١].
٣ - آتاه في الدنيا حسنة: قيل هي الذكر الحسن بين الناس، وقيل الثبات على ما أولاه من نعم، والدوام على ما حباه من يقين بلا انقطاع أو تحول (^٢) قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل: ١٢٢].
٤ - جعله في الآخرة من الصالحين: شهادة من مولاه سبحانه أنه أدى ما عليه من حق، ووفى ما بما عقد له من عهد، فكان عنده من الصالحين، ورفع شأنه، وأصلح أمره، وأحسن إكرامه فكان في الجنة في زمرة الصالحين، قال جلّ وعلا: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢].
٥ - واصطفاه بالإمامة فقال: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] فكان أَبو المِلَّة: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] فقد كان الأُمَّةَ القانِتَ مديمًا على طاعة ربه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] والأمة هو القدوة الذي
_________________
(١) ينظر البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (٣/ ١٧٢)، وتفسير الطبري (١٧/ ٣١٦).
(٢) ينظر تفسير الطبري (١٧/ ٣١٩)، والوجيز للواحدي (١/ ٦٢٣)، وتفسير الثعلبي (الكشف والبيان عن تفسير القرآن) (٦/ ٥٠).
[ ١٥٢ ]
يؤتمّ به وقيل معلم الناس الخير.
وأوضح ابن القيم: أن الفرق بين "الأمة" و"الإمام" من وجهين، أحدهما: أن الإمام كل ما يؤتم به، سواء كان بقصده أو بغير قصد، ومنه سمي الطريق إمامًا (^١) كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ٧٨ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٨ - ٧٩] أي: بطريق واضح يتبعه الناس ويقصدونه في أسفارهم. أما لفظ
﴿أُمَّةً﴾ ففيه زيادة معنى أي هو الذي تميّز فيها فردًا وحده، وجمع خصال الكمال في العلم والعمل التي تفرقت في غيره، فكأنه باين غيره باجتماعها فيه. فكان أمة يتّبعه الناس ليأخذوا منه الخير.
كما يدلّ لفظ ﴿أُمَّةً﴾ على معنى آخر: فالأمة هي الطَّائِفَةُ الْعَظِيمَةُ مِنَ النَّاسِ الَّتِي تربطها صفة جَامِعَةٌ، وَوَصْفَ إِبْرَاهِيمَ- ﵇ بِذَلِكَ وصفٌ بديع جَامع لِمَعْنَيَيْن:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ فِي الْفَضْلِ وَالْكَمَال بِمَنْزِلَةِ أُمَّةٍ كَامِلَة، وكما قال البُحتُرِيّ:
وَلَمْ أَرَ أَمْثَالَ الرِّجَالِ تَفَاوُتًا … لَدَى الْفَضْلِ حَتَّى عُدَّ أَلْفٌ بِوَاحِدِ (^٢)
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ أُمَّةً وَحْدَهُ فِي الدِّينِ والهداية، حيث أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي وَقْتِ بِعْثَتِهِ شخصٌ مُوَحِّدٌ لِلَّهِ
_________________
(١) ينظر مفتاح دار السعادة لابن القيم (١/ ١٧٤).
(٢) ديوان البحتري ص: ٦٢٥.
[ ١٥٣ ]
غَيْرُه. فَهُوَ الَّذِي أَحْيَا اللَّهُ بِهِ التَّوْحِيد، وَبَثَّهُ فِي الْأُمَمِ وَالْأَقْطَارِ (^١).
وهو الصّدِّيق والَّنبِىُّ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١]
٦ - اختاره الله لطُهرة بيته فقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ
السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]. ورفع قواعده فقال: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧]. واصطفاه للأذان بالحج: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] والدعوة للخير ﵊ (^٢).
٧ - كافأه الله بالمحبة والخُلّة والتي هي أعلى مراتب القبول قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].
- فجماع القول أن إبراهيم ﵇ قد اجتمعت فيه خصال وسمات ارتقى بها أعلى مقامات القبول. فقد قيل كان لإِبراهيم ﵇ في طريق الحقّ عشرةَ مقاماتٍ نال بها غاية المرامات، بل ظهر مما سبق أنها تزيد على ذلك ومنها:
الأَوّل مقام الإخلاص: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤].
الثاني مقام الصدق: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١].
_________________
(١) ينظر التحرير والتنوير (١٤/ ٣١٤).
(٢) ينظر بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز (٦/ ٣٤).
[ ١٥٤ ]
الثالث مقامُ الدَّعْوة: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧].
الرابع مقام الفَقْر والفاقة: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩].
الخامِسُ مقام الشكر:: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ﴾ [النحل: ١٢١]
السّادِس مقام المغفرة: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]
السّابع مقامُ المعْرِفَة: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].
الثامن مقام اليقين: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥].
التَّاسع مقام التسليم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١].
العاشر مقام الاستقامة: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١].
الحادي عشر مقام التوكل: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئا﴾ [الأنعام: ٨٠].
الثاني عشر مقام الإحسان: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤].
الثالث عشر المحبَّة والخلة: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] (^١).
* * * *
_________________
(١) ينظر بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز (٦/ ٣٤).
[ ١٥٥ ]