من نافلة القول أن إيجاب القبول على العمل إنما هو محض تفضل وتكرّم من الله تعالى، فلا أحد من الخلق يوجب على الله شيئًا ولكن الله سبحانه هو الذي أوجب على نفسه ذلك كرمًا منه تعالى (^١) فحث على أمور وأمر بها، وعلق عليها القبول والفلاح وأول تلك الموجبات هي أداء الفرائض قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ٤ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٤ - ٥]
_________________
(١) ينظر إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للشيخ صالح للفوزان (١/ ٤٧).
[ ٥٦ ]
والفرض شرعًا: "هو ما طلب الشرع فعله طلبًا جازمًا، بحيث يترتب على فعله الثواب، كما يترتب على تركه العقاب" (^١).
قيل في الفرق بين الفرض والواجب: أن الْفَرْضَ هُوَ مَا كَانَ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ اللُّزُومِ، وَالثُّبُوتِ، والفرض أثبت من الواجب (^٢).
ولا شك أن أداء الفرائض والواجبات والحرص عليهما من أهم موجبات القبول قال النبي ﷺ حكاية عن ربه جل وعلا في الحديث القدسي: (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ) (^٣). فأداء الفرائض طاعة لله وانقياد لأمره، وهي أعظم أسباب القبول.
قال الصديق ﵁: (واعلم أن لله حقًا بالليل لا يقبله بالنهار، وحقًا بالنهار لا يقبله بالليل، وأنه لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة) (^٤).
_________________
(١) الفقه المنهجي للدكتور مصطفى الخن (١/ ٢٢).
(٢) ينظر الفصول في الأصول (٣/ ٢٣٦).
(٣) ينظر مدارج السالكين ص: ٤٩٥.
(٤) ينظر الفتاوى الكبرى (١/ ١٣٥).
[ ٥٧ ]
والناس في أداء الفرائض يتفاوتون في أمرين مردّهما إلى درجة الصدق مع الله فكلّما كان مع الله أصدق ومحبته مقدمة على كل ما سواها كان أكثر حرصًا أن تكون فريضته أتمّ وأكمل وهذان الأمران هما:
١ - سرعة الامتثال: فمن الناس من يقوم ملبيًا داعي الفريضة فيؤديها لأول وقتها أو فور سماعه للأمر بها ومنهم من يتأخر عن ذلك.
٢ - حُسن الأداء: فمنهم من يجاهد نفسه الإتيان بها على وجهها الأمثل، ومنهم من يفرط في ذلك فالناس في أدائها على درجات.
وبناء على درجات التفاوت في الامتثال والأداء تكون درجات الرضا والقبول، ويتبع ذلك درجات المحبة والثواب، ومن جمع بينهما فأسرع في أداء الفريضة لوقتها وأحسن الأداء فلا شك أنه بأفضل المراتب.
فعلى قدر استجابة العبد لأوامر الله، تكون استجابة الله له وقبوله له ولطاعته.
والله تعالى يحب من العبد أن يكون ملتزمًا ما أمره به، مستجيبًا معظمًا لشعائره وشرائعه، طائعًا لمنهجه وحكمه، لأن تعظيم أوامر الله وشرعه إنما هي تعظيم لله تعالى. فبقدر تعظيم الأمر والنهي
[ ٥٨ ]
وبقدر الاستجابة والطاعة يكون تعظيم الله في النفس. فمَن أجَلَّ الله تعالى وقدّره، أنزل أحكامه منزلة التعظيم والتوقير.
وقد تكلم ابن القيم ﵀ في منزلة التعظيم مبينًا بأن أول التعظيم هو تعظيم الأمر والنهي
وهو أن لا يُعارَضا بترخّص جاف، أو يُعرّضا لتشدد غالٍ فالأول تفريط والثاني إفراط (^١)، فإذا أدى العبد الطاعة على وجهها فقد أحقّ الله تعالى على نفسه الإجابة والقبول تفضلا وكرمًا.
وقد ذكر ابن القيم مثالًا على تباين الناس في أداء الصلاة ومن ثم تباينهم في قبولها فبين أنهم على مراتب خمسة وقد ذكرها في مدارجه وهي بإيجاز:
الأول: مرتبة الظالم لنفسه المفرط الذي انتقص من ومواقيتها وحدودها وأركانها.
الثاني: من حافظ عليها لكنه ضيع مجاهدة نفسه فذهب مع الوساوس والأفكار.
الثالث: من حافظ عليها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار، فهو في صلاة وجهاد.
الرابع: من حافظ عليها واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها، وهمه مصروف إلى إقامتها وإتمامها، واستغرق قلبه عبودية ربه ﵎ فيها.
_________________
(١) ينظر الوابل الصيب من الكلم الطيب ص: ٢٣.
[ ٥٩ ]
الخامس: من أقام صلاته وحافظ عليها، وأخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه ناظرًا بقبله إليه، ممتلئًا من محبته وعظمته، كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلت الوساوس وارتفعت الحجب فهو مشغول بربه قرير العين به.
فالأول معاقب، والثاني محاسب، والثالث مكفّر عنه، والرابع مثاب، والخامس مقرب من ربه. لأنه ممن جعلت قرة عينه في الصلاة، فمن قرت عينه بصلاته، قرت عينه بقربه من ربه (^١).
* * * *