العبد ضعيف خطاء، تعصف به الأهواء، وتميله الشبهات والشهوات فتصدر منه الذنوب والهفوات، ولولا فضل الله تعالى بالعفو والصفح والمغفرة لشدّد العقوبة ولهلك ابن آدم كما قال ﷿ في محكم كتابه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١] وقال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥]. فَلَوْلَا سَعَة رحمة الله ومغفرته لما قامت الدنيا، ولما طاب فيها عيش لأحد، فمن آثار أسماء الله تعالى (العفو، الغفور، الرحمن) ومن صفاته غافرًا للذنب، وقابلًا للتوب، ما يبين تفضّله ﷿ برحمة عباده وغفران ذنوبهم وقبول طاعاتهم واختصاصه وحده بذلك، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ
[ ٣٩ ]
مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] أي هو وحده الذي يقبل التوبة ويردّها فاقصدوه بها، ووجهوها إليه (^١).
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠] أي هو وحده الذي يَقبل التوبة فينبغي أن يُتاب إليه، ويُطلب العفو منه، وكما أن التوبة والعفو والمغفرة بيد الله وحده، فبدهيّ أن قبول العمل كلّه بيده وحده يتقبّل من يشاء وما يشاء فيحبّه ويقرّبه، ويردّ من يشاء وما يشاء ولا رادّ لحكمه ولا معقّب لأمره.
فقد يكون العمل في ذاته صحيحًا، وموافقًا للشرع، ولا يقبله الله لعلّة في صاحبه، لذلك فإن من مأثور الدعاء سؤال الله تعالى القبول، وكما جاء حكاية عن النبيين الكريمين إبراهيم وإسماعيل عند أدائهما لطاعة وهي بناء الكعبة سألا ربهما القبول في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. والآية دالة على استحباب الدعاء بقبول الأعمال عند البدء وبعد الفراغ. فسؤال النبيين ربهما القبول كان حينما شرعا في رفع القواعد بدليل قوله: ﴿وَإِذْ﴾ للمضيّ في الأمر وهي إشارة بدء
_________________
(١) ينظر تفسير القاسمي (محاسن التأويل) (٥/ ٤٩٦).
[ ٤٠ ]
لحال ماضية، وقوله: ﴿يَرْفَعُ﴾ بالمضارع الدال على استمرار الحال حتى الفراغ من البناء (^١) ثم قوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ أي: وهما يقولان ربنا تقبل أعمالنا التي قصدنا بها طاعتك، وهذا ما يرجحه ما جاء في قوله ﷺ: (فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ البِنَاءُ، جَاءَ بِهَذَا الحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ البَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾) (^٢).
* * * *
_________________
(١) ينظر إعراب القرآن العظيم للأنصاري ص: ١٨١. وتفسير الالوسي (روح المعاني) (١/ ٣٨١)، والتصوير الفني في القرآن ص: ٥٧.
(٢) جزء من حديث أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ١٤٢/ ح ٣٣٦٢).
[ ٤١ ]