والإخلاص شرعًا: عرفه العزّ بن عبد السلام فقال: "الْإِخْلَاصُ أَنْ يَفْعَلَ الْمُكَلَّفُ الطَّاعَةَ خَالِصًا
[ ٤٦ ]
لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا يُرِيدُ بِهَا تَعْظِيمًا مِنْ النَّاسِ وَلَا تَوْقِيرًا، وَلَا جَلْبَ نَفْعٍ دِينِيٍّ، وَلَا دَفْعَ ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ" (^١).
وقيل: هو أن تجعل عبادتك لله وحده لا شريك له، ولا ترجو إلاّ ثوابه، ولا تخاف إلاّ عقابه (^٢).
واعلم أنه قد يدّعي العبد الإسلام ظاهرًا وينكره باطنًا ويشرك مع الله غيره فيخلو قلبه من حقيقة الاستسلام لله، فلا يدخل الإخلاص قلب العبد إلا إذا خلا من أمرين هامّين:
أولًا: الشرك الأكبر: وهو ما كان في صميم التوحيد وهو محبط للعمل وعامله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] فلا يُقبل العمل من مشرك كائنًا ما كان ومن صور الشرك الأكبر والذي يقع فيه بعض من يدّعي الإسلام، صرف شيء من العبادة لغير الله كالذبح والتوسل، قال جلّ ذكره: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
ثانيًا: النفاق الاعتقادي: وهو الجحود والكفر في الباطن ولذلك لم يتقبل الله تعالى عمل المنافقين إذ قال جل وعلا: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا
بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [سورة
_________________
(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (١/ ١٤٦).
(٢) ينظر تفسير ابن باديس (١/ ٥٢).
[ ٤٧ ]
التوبة ٥٤] فجعل نفاقهم وكفرهم في الباطن مانعًا لقبول النفقة وإن أظهروا الإسلام بل هو مانعٌ لقبول العامل وعمله لقوله تعالى:
﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ١٣٨ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ١٣٩ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨ - ١٤٠] (^١) وقال جلّ وعلا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾
[النساء: ١٤٥].
والنفاق الاعتقادي غير الرياء الذي هو (الشرك الأصغر)، فالنفاق فسادٌ في الدين أما الرياء ففسادٌ في العمل مع بقاء صاحبه على الدين. وكلاهما مرده النية، لكن فساد الدين محبط لجميع العمل ومقوّض لأساسه، أما في حال صدق الإسلام ووجود الإخلاص في القلب فإن العمل قد تشوبه الشوائب كما في الرياء والقبول هنا يتفاوت بتفاوت ما في القلوب، والمقصود أن يبتغي العبد بعبادته كلها وجه الله لا شيء سواه، فالإخلاص عمل قلبي مرده النية، ولله تعالى الحكم في قبول
_________________
(١) ينظر إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (١/ ٢٠٠).
[ ٤٨ ]
العمل ورده قال ﷺ: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) (^١) ولا يُتقبل العمل إذا لم يكن خالصًا لله كما جاء في الحديث الذي رواه الرسول ﷺ عن ربه: (قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) (^٢).
فبصحة الاعتقاد وصحة النية في الأعمال يرجى قبول العمل، وعليه يترتب الثواب أو العقاب. وفي ذلك قيل لبعض السلف: الحاجّ كثير، فقال: الداجّ كثير والحاجّ قليل (^٣). والدّجّ هو الدبّ (^٤) وهو المشي، فالكلُّ يمشي قاصدًا البيت الحرام فمنهم من هو مسرعٌ إلى الله للحج ومنهم من هو مسرعٌ لدنيا يصيبها.
فالرياء يشوب الإخلاص ويعكر صفوه قال ابن جزي: " الرياء في العبادات وهو الشرك الأصغر وهو ضد الإخلاص ولهما مراتب متفاوتة في قبول العمل وإحباطه وفي استحقاق العقاب على الرياء فقد يكون العمل أولا خالصًا ثم يحدث الرياء في أثنائه فيفسده إن تمادى، أو يحدث بعد
_________________
(١) جزء من حديث في صحيح البخاري (٧/ ٣/ ح ٥٠٧٠)، وذكر نحوه مسلم (٣/ ١٥١٦).
(٢) صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله (٤/ ٢٢٨٩/ ح ٢٩٨٥).
(٣) منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٦/ ٢١٨).
(٤) ينظر لسان العرب (٢/ ٢٦٤).
[ ٤٩ ]
الفراغ منه فلا يضر، وقد يكون أولا على الرياء ثم يحدث الإخلاص في أثنائه أو بعد الفراغ منه، فينبغي استئنافه وقد يبدأه ممتزجًا فينظر أيهما أغلب فيناط به الحكم. قال بعضهم العمل لأجل الناس شرك وترك العمل لأجل الناس رياء وما يتعلق بالرياء تسميع الناس بالعمل والتزين للناس بإظهار الخير في القول أو في الفعل " (^١).
والإخلاص يتغلغل في كل عمل ابن آدم فما يُنفق من نفقة ولا يزور من زورة أويعمل من عمل إلا وينبغي أن يتوجه به إلى الله أو يراعي به وجه ربه إن كان من المباح أن يقترف ما يعصيه، ولا يجاهد نفسه أو عدوه إلا ويبتغي بها وجهه الكريم، وهكذا المسلم في سائر عمله، وفي هذا يتفاوت الناس أشدّ التفاوت.
* * * *
_________________
(١) القوانين الفقهية لابن جزي (١/ ٢٨٥ - ٢٨٦).
[ ٥٠ ]