صاحب رسول الله ورفيقه في الغار المعني بقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ٢١] فهنيئًا له الرضوان، والفوز بموعود الملك الديان (^٢).
ووردت إشارة عنه في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في السنن (١/ ٣٨/ ح ١٠٠)، والترمذي في السنن (١٦)، (٦/ ٥٢/ ح ٣٦٦٦)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٣٣٠/ ح ٦٩٠٤) وروى نحوه الإمام أحمد في مسنده، (٢/ ٤٠/ ح ٦٠٢)، وقال الألباني: "صحيح " في السلسلة الصحيحة (٢/ ٤٧٦/ ح ٨٢٤).
(٢) ينظر أسباب النزول للواحدي ص: ٤٨٠.
[ ١٨١ ]
السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠] فهو رفيق رسول الله ﷺ في الغار (^١).
قال الإمام أبو حنيفة: "وَأفضل النَّاس بعد النَّبِيين عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أَبُو بكر الصّديق ثمَّ عمر بن الْخطاب الْفَارُوق ثمَّ عُثْمَان بن عَفَّان ذُو النورين ثمَّ عَليّ بن أبي طَالب " (^٢).
وهو الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].
عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (لما أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيات [﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] العَشْرَ الآيَاتِ] فِي بَرَاءَتِي قَالَ [أَبُو بَكْرٍ] الصِّدِّيقُ- وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ وَفَقْرِهِ- وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قال لعائشة: قالت: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى إِلَى قَوْلِهِ:
أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: واللَّه إني لأحِبّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي،
_________________
(١) لحديث (يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ١٨٥٤/ ح ٢٣٨١).
(٢) الفقه الأكبر لأبي حنيفة (٩/ ٦٠١٧).
[ ١٨٢ ]
فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ (^١) النفقة التي كان ينفق عَلَيْهِ وَقَالَ: لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا) (^٢).
هذا الموقف يكشف عن نفس شفافة، سرعان ما تنفضُ عنها سموم الأوزار فلا تحمل الحقد والضغينة لأحد، ما أروع القلوب إذا نُزعت منها حوائب الصدر، وبرئت من سخائم البغضاء، هكذا هو قلب هذا الرجل الكريم، وتعامله بمن تكلّم على ابنته ونقل تلك الفرية الآدّة، فخاض مع من خاضوا في حديث الإفك. ولكنّ طلاّب الكمال، وأهل المروءة دائمًا ما يتحصّنون بمثُلهم العُليا، فإذا كان الأمر يؤول إلى نيل محبة الله ورسوله ﷺ جعلوا عوالق الدنيا وكوابدها كالعصف المأكول تحت الأقدام. فيعود أبو بكر بنفس راضية إلى وصل مسطح رغبة فيما عند الله وقهرًا للنفس، وترغيمًا للشيطان.
ولعلي هنا أوجز بعض الجوانب التي تبين أبعاد القبول ومظاهره في شخصية الصديق رضي
_________________
(١) وكان مِسْطَح بن أثاثة بْن عباد بن عبد المطلب بْن عَبْد مناف كنيته أَبُو عباد، وهو ابن خالة أبي بكر الصديق ﵄ شهد بَدْرًا توفّي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَهُوَ بن سِتّ وَخمسين سنة ومن المهاجرين والمجاهدين مع رسول ﷺ، وكان ممن سعى بالإفك فأقام رسول الله ﷺ الحد عليه وجلده. ينظر الثقات لابن حبان (٣/ ٣٨٣)، والطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ٥٣).
(٢) أسباب النزول للواحدي ص: ٣٣٢، والحديث جزء من حديث طويل رواه البخاري في صحيحه، (٥/ ١١٦/ ح ٤١٤١).
[ ١٨٣ ]
الله عنه وأرضاه وهي:
١ - التصديق بالرسول والثقة التّامة بكل ما جاء به.
٢ - كونه السابق إلى ذلك وفي وقت كان الرسول ﷺ أحوج ما يكون فيه إلى الوقوف والمؤازرة.
٣ - دعم الدعوة والرسول ﷺ بكل طاقاته المالية والبدنية حيث أوقف نفسه وما يملك لهذا الدين ولمن جاء به (^١).
٤ - الحب العظيم الذي يكنه لله ورسوله ﷺ يتجلى في تحمله معه مشاق الهجرة إلى المدينة وصحبته له في الغار.
٥ - طهارة القلب من الأحقاد والضغائن للمسلمين كما دلّ على ذلك موقفه مع مسطح.
* * * *
_________________
(١) وفي ذلك قال رسول الله ﷺ: (إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ١٨٥٤/ ح ٢٣٨٢).
[ ١٨٤ ]