علامة قبول العبد استقامة سلوكه، وأن يشعر بالخوف من الله خوفًا لا يشوبه يأس. ومن خلال التأمل في آيات الكتاب الكريم يظهر أن العبد يراوده الخوف في أحوال مختلفة:
١ - عند التفكير في المعصية فيدفعه ذلك إلى الامتناع والارتداع وكأنه سوط يزجره .. الله يراك .. الله ناظرٌ إليك. بل وإذا ضعف وقارف المعصية فتجده خائفًا وجلًا من المؤاخذة والعقاب قال ﷻ: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾
[الذاريات: ٣٧].
٢ - عند الطاعة فهو يقدمها على حريرة من الإشفاق، والخوف من عدم بلوغها سمو المقام، راجيًا العفو على التقصير، ومن عدم القبول يستجير، فيدعوه ذلك إلى تحسينها والخشوع فيها. وأن لا يرى نفسه في العمل قال الدقاق (^١): "علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء " (^٢) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
_________________
(١) هو الْحسن بن عَليّ بن مُحَمَّد أَبُو عَليّ الدقاق الزَّاهِد النَّيْسَابُورِي شيخ أبي الْقَاسِم الْقشيرِي توفّي فِي ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَأَرْبَعمِائَة وَقيل سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَأَرْبَعمِائَة. ينظر وفيات الأعيان (٣/ ٢٠٨) والوافي بالوفيات (١٢/ ١٠٣) ومع أنه شيخ الصوفية ولكن الحكمة ضالة المؤمن.
(٢) تفسير النيسابوري (٤/ ٤١٩).
[ ٩٣ ]
أن يخاف الله تعالى هيبة منه ﷿، ومن يوم القدوم عليه خوف الحساب، ورهبةً من ناره وطمعًا في جنته، فيدفعه ذلك للمبادرة إلى التوبة. وأن يظل ذلك الخوف ملازمًا له يراوده ويتناوب عليه مع الرجاء فيغلب هذا تارة وذاك أخرى بحسب الحال فيغلب الخوف في حال الطاعة ويغلب الرجاء في حال المعصية حتى يأتيه الأجل فيغلّب الرجاء (^١) قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]
أما من نراه سادرًا في معاصيه، آمنًا مكر الله، ضاربًا فيما يغضب الله هنا وهناك، بلا اعتبار للآخرة دار القرار فتلك بلا شك علامة من علامات الاستدراج والإملاء نسأل الله السلامة.
* * * *