إن رِضا العبدِ عن الله تعالى، وعن مقاديره وما يجريه عليه من قضاء من مقتضيات الإيمان. فإن قضاء الله نافذٌ في عباده شاءوا أم أبوا، والعبد المتسخّط يجرى عليه القدر وهو مأزور.
والرضا: هو التسليم لقضاء الله وقدره، وسكون القلب له وطمأنينته (^١).
وقيل في الرضا والشكر: "الرِّضَاءُ سُرُورُ الْقَلْبِ بِمُرِّ الْقَضَاءِ، وَالشُّكْرُ انْكِسَارُ الْقَلْبِ بِرُؤْيَةِ الْمِنَّةِ" (^٢).
_________________
(١) خلاصة لعدد من الأقوال ينظر مدارج السالكين (٢/ ١٧٢).
(٢) الزهد الكبير للبيهقي ص: ٣٤١.
[ ٨٤ ]
وحقيقة العبودية أن يوافق العبد ربه فِي رِضَاه وَسُخْطِهِ، فَيَرْضَى بِمَا يُرضيه وَيَسْخَط بما يسخطه (^١).
ومما يجب الرضا به:
الرضا بإلاهيته: بمحبته وخوفه ورجائه وعبادته والإخلاص له.
الرضا بربوبيته: لا يرتضي ربا سواه ينزل به حوائجه ويدعوه. ويرضى بتدبيره فيه.
الرضا بدينه: بما يوجبه من أقوال وأفعال وأحكام وأوامر ونواهٍ.
الرضا بقضائه وقدره: بما يقدره ويجري عليه من قضاء من خير أو شر.
الرضا بنعمائه وبقسمه وعطائه قلّ أو كثُر (^٢).
ولا يستلزم الرضا بمفعولات الله تعالى كلها فمفعولاته تعالى هي مقضياته - وليس القضاء - وهي نوعان:
• الأول: مقضيّ شرعي ديني: وهو لبّ الدين وأساسه فيجب الرضا به، الرضا بما أوجب والرضا بتحريم ما حرم كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] فكل
_________________
(١) ينظر لوامع الأنوار البهية للسفاريني (٢/ ٣٤٢).
(٢) ينظر مدارج السالكين (٢/ ٢٣٤).
[ ٨٥ ]
تكاليف العبادة من ذلك كالرضا بالصلاة والصيام والحجاب للمرأة وسائر فروض وأركان وأوامر الدين والرضا بحرمة الخمر والربا وسائر المحرمات. فقضاء الله هو الحكم والتقدير بالعبادة والمقضي هنا هي العبادات المشروعة والمأمور بها بأنواعها.
• الثاني: مقضيّ كوني قدري: وهي مفعولات الله ومقدوراته التي أجراها في الكون أو على يد العباد أو من آثار أفعالهم فالمقضيات والمفعولات الكونية القدرية ثلاثة أقسام:
ـ ١ - مقضيات يرضاها الله وهي من مفعولاته من الخير فيجب الرضا بها وشكره عليها فهي بمشيئة الله وتوفيقه وإرادته وقضائه وَقدره ورضائه وأمره كسائر النعم الحسية والمعنوية.
ـ ٢ - مقضيات أذن بها الله وخلقها وهي من فعل العبد باختياره كالظلم والفسوق والمعاصي والذنوب فهي من مقدورات الله وهي مما يكرهه الله ويسخطه ويعاقب عليه والعبد مأمور ببغضها، فيجب عدم الرضا بها. وكل ما كان من شر فهو بمشيئة الله وإرادته وقضائه وقدره ولكن لا يرضاه ولا يحبه لأن رضاه ومحبته إنما تكون في ما استحسنه، والشرّ ليس إليه سبحانه.
ـ ٣ - مقضيات كونية وهي ما يكون من كوارث ومصائب كالفقر والمرض والبلاء مما ليس للعبد فيه اختيار فهي من مفعولات الله ومقدوراته خلقها وقدّرها لما في ذلك من الحكمة والاختبار والابتلاء والعقاب والتمحيص ولا يجب الرضا بها ولكن يرضى بقدر الله وقضائه الذي قدّره فيها، لأن الله
[ ٨٦ ]
يُقدرها ولا يحبها ولكن يبتلي بها عبده عدلًا وحكمة، ولا يضره كرهها كما قال تعالى: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) (الأحقاف: ١٥) فالأم قد تكره الحمل والولادة وتوابعها لما فيها من ألم ومشقة ويكره المريض المرض وما يصاحبه من آلام لكن يُستحب الرضا ولا يجب عليه، كأن يكون شعوره بوجوده وعدمه سواء لما في ذلك من كمال التسليم، ولا يتعارض ذلك مع دفع المرض ومعالجته لما يسببه من ألم ونحوه والدعاء والابتهال إلى الله برفعه (^١).
الخلاصة: يجب الرضا بالقدر فهو كل ما قدره الله وكتبه في اللوح المحفوظ، ويجب الرضا بالقضاء كله فهو فعل الله قائم بذاته وهو ما أنفذه الله من القدر، فكل ما قضاه الله فهو الحكمة والعدل والخير. وكذلك يجب الرضا بالمقضي الشرعي لأنها مقدورات الله التي حَكم بها وشرعها. أما المقضي الكوني ففيه ما يجب الرضا به ومنه ما لا يجب الرضا به ومنه ما يستحب الرضا به كما سبق تفصيله.
فالقلب المليء بالرضا، الفيّاض بالشكر، يقرّبه الله ويجتبيه، ويتقبّل منه أحسن ما عمل ويرضيه وإن استشعر الآلام وكره المشقّة ومعوقات الطريق، فذلك لا يُنافي الرضا ما لم يجزع ويتسخّط.
* * * *
_________________
(١) ينظر حاشية الدرة المضية للنجدي (١/ ٦٢)، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٣٤٣)، وأصول الدين لجمال الدين الغزنوي ص: ١٧٤.
[ ٨٧ ]