قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] أي هلك وضاع وخسره بشرط أن يموت على كفره (^١).
واعلم أن الحبوط حبوطان:
- حبوط كليٌ لجميع الأعمال وهو مكفّر ومخرج عن الملة.
- وحبوط جزئي لأعمال أو عمل معين غير مكفّر.
فالأعمال الفاسدة المكفرة تسبب فساد غيرها من العمل بل وفساد صاحبها عند الإصرار عليها وعدم التوبة منها.
فعندما تنتصر النفس الأمارة على صاحبها، وتجره إلى المعاصي والآثام، يسترسل معها ويتمادى في غيّه حتى يغفل عن عاقبته، وتخبث نفسه، وينسى عظمة خالقه ﷿، مما يستجلب سخطه ولعنته، فيحبط بذلك عمله.
_________________
(١) ينظر اللباب في علوم الكتاب (٧/ ٢١٥)، وتفسير السعدي ص: ٢٢١.
[ ٩٩ ]
وكما أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب وسائر أعمال الخير في قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] فإن العمل السيء يحبط الكلم الطيب وسائر العمل الصالح. فكل ما نهى عنه الشرع وحذر من حبوط العمل بسببه فإنه لا يُتوصل به إلى الجنة، ويضيع سعي صاحبه فلا يفلح، ولا يبقى له منه سوى التعب والنصب. قال الحسن: "فَإِذَا كَانَ كَلَامٌ طَيِّبٌ وَعَمَلٌ سَيِّئٌ رُدُّ الْقَوْلُ عَلَى الْعَمَلِ، وَكَانَ عَمَلُكَ أَحَقُّ بِكَ مِنْ قَوْلِكَ" (^١). وقال الحسن وقتادة: " لا يقبل الله قولا إلا بعمل، من قال وأحسن العمل قبل الله منه" (^٢).
فالأعمال المسببة للحبوط الكلي لجميع الأعمال وخلود صاحبها في النار أبدًا هي:
١ - الشرك أو الكفر: لا سبيل إلى الهدى والفلاح، ولا يحصل القبول والنجاح إلا بالإيمان التام بكل ما أنزل الله قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]. فالشرك محبط للعمل مفسد لسعي الإنسان. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ١٠٣ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ
صُنْعًا ١٠٤ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِئَايَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ
_________________
(١) تفسير عبد الرزاق (٣/ ٦٨).
(٢) تفسير الطبري (٢٠/ ٤٤٥).
[ ١٠٠ ]
لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥] وقال ﷻ: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. ومن أشرك شركًا أكبر مع الله فقد كفر به وبوحدانيته.
٢ - الردة: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ
حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] والمرتد شرعًا: " الذي يكفر بعد إسلامه نطقًا أو اعتقادًا أو شركًا أو فعلًا " (^١).
وقال النووي (^٢): " والردة هي قطع الإسلام بنية أو قول كُفر أو فعل سواء قاله استهزاء أو عنادًا أو اعتقادًا " (^٣).
_________________
(١) التو ضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق لسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ص: ٤٢.
(٢) هو يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن جُمُعَة بن حزَام الْفَقِيه الْحَافِظ الزَّاهِد أحد أعْلَام الْإِسْلَام محيي الدَّين أَبُو زَكَرِيَّا الْحزَامِي النَّوَوِيّ نسبة إلى نوى، وهي قرية من قرى حَوْران في سورية، من أئمّة المذهب الشافعي، إلا أنه أشعري العقيدة وهو صاحب الكتب النافعة المشهورة وهي" الأربعون النووية" و"الأذكار" و"رياض الصالحين". ولد عام ٦٣١ هـ في قرية نوى، ولما بلغ العاشرة بدأ في حفظ القرآن وانخرط في طلب العلم والدعوة إليه مات عام ٦٧٦ هـ. ينظر طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٥٣)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٧٤)، وتاريخ الإسلام (١٥/ ٣٢٤).
(٣) منهاج الطالبين للنووي ص: ٢٩٣، وينظر التو ضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق ص: ٤٢.
[ ١٠١ ]
والردة نوعان:
- ردة مطلقة: وهي الرجوع عن الدين كله.
- ردة ببعض مفسدات الدين: كالاستهزاء بالدين والاستهانة بحرماته فقد يحبط عمل العبد بكلمة.
وحبوط العمل بالكلية مقيد بموت صاحبه على الردة، وهي محبطة لثواب ما عمل أثناء الردة قيل وإن تاب صاحبها، وقيل بل يُحسب ثوابها إن تاب (^١) ونواقضُ الإسلام كثيرة ترجع إلى خمسة أقسام هي: ردة بالقول، وردة بالفعل، وردة بالاعتقاد، وردة بالشك، ووردة بالترك (^٢).
٢ - النفاق المخرج من الملة: وهو النفاق الاعتقادي (^٣) الذي هو إبطان الكفر وإظهار
_________________
(١) ينظر شرح كشف الشبهات لمحمد آل الشيخ ص: ١٦ وص: ٩٢.
(٢) الردة بالقول كسبّ الله تعالى أو رسوله ﷺ أو ملائكته أو ادعاء علم الغيب …، والردة بالفعل كالسجود لغير الله أو الذبح لغير الله … والردة بالاعتقاد كاعتقاد عدم وجوب الصلاة ونحو ذلك، وردة بالشك كمن شك في تحريم الخمر أو الزنا أو في رسالة النبي ﷺ وردة بالترك كمن ترك الصلاة أو صيام رمضان متعمدًا، ينظر عقيدة التوحيد وبيان ما يضادها من الشرك الأكبر والأصغر للشيخ صالح الفوزان ص: ٤٩ - ٩٥.
(٣) والنفاق الاعتقادي يتضمّن: • تكذيب الرسول ﷺ، أو بعض ما جاء به. • بغض الرسول ﷺ أو بغض ما جاء به قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]. ومن ذلك استنبط العلماء أن من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ، ولو عمل به، كفر بالإجماع، وحبط عمله، لأن الكره يتنافى مع المحبة اللازمة لله تعالى ولرسوله ودينه الحنيف، ينظر الرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص: ٢١٣. • المسرة لانخفاض الدين، أو كراهية انتصاره، ينظر عقيدة المسلم في ضوء الكتاب والسنة (١/ ٩٤). السحر، والكهانة والعرافة: السحر من الموبقات وناقض من نواقض الإسلام، والآيات صريحة في كفر الساحر لأن سحره يدعوه للكفر بالله، ينظر إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للشيخ صالح الفوزان (١/ ٣٥٣ - ٣٥٥). قال تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] وما يشبهه من الكهانة والتنجيم والعرافة. ففيهم ادعاء علم الغيب المختص بالله وحده قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ٢٦ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] وعن عبد اللَّه بن مسعودٍ ﵁ قالَ: (من أتى عرَّافًا أو ساحرًا أو كاهنًا فسألَهُ فصدَّقَهُ بما يقولُ فقد كفرَ بما أنزلَ على محمَّدٍ) أخرجه المنذري في الترغيب والترهيب،، (٤/ ١٩/ ح ٤٦١٥)، أبو يعلى في مسنده، مسند عبد الله بن مسعود (٩/ ٢٨٠/ ح ٥٤٠٨)، والبيهقي في السنن الكبرى، (٨/ ٢٣٣/ ح ١٦٤٩٦)، وقال الألباني: " صحيح موقوف"، في صحيح الترغيب (ح ٣٠٤٨). والْكَاهِنُ: هو الذي يُخبر بما يكون في مستقبل الزمان ويدعي علم الغيب، وَيَدَّعِي مَعْرِفَةَ الأَسْرَارِ بواسطة الجن والشياطين، وَالْعَرَّافُ: هُوَ الَّذِي يَدَّعِي علم الغيب ومَعْرِفَةَ الأُمُورَ بِمُقَدِّمَاتِ وأَسْبَابٍ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَوَاقِعِهَا، كَالْمَسْرُوقِ مِنَ الَّذِي سَرَقَه، وَمَعْرِفَةُ مَكَانِ الضَّالَّةِ، وَإذا اتُهمت امرأة بِالزِّنَى، يدعي معرفة صَاحِبِهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ. وَمِنْهُمْ مِنْ يُسَمِّي الْمُنَجِّمَ كَاهِنًا،، وقيل العرّاف: اسم للكاهن والمنجّم والرمّال ونحوهم، ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق. ينظر شرح السنة للبغوي (١٢/ ١٨٢)، والتوحيد لابن عبد الوهاب ص: ٧٧.
[ ١٠٢ ]
الإيمان قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ
نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ٥٢ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٢ - ٥٣].
* * * *
[ ١٠٣ ]