قصتها في آل عمران وما ذلك إلا لرفعة شأنها وعلو مكانتها عند الله.
- وقد صرح بقبولها واصطفائها قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧].
- واصطفاها الله تعالى على جميع النساء فقال جل شأنه: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢].
فالاصطفاء الأول هو اختيارها بأن طهر دينها من دنس الشرك ورجس الأوثان وكبائر الذنوب والمعاصي، واجتباها لطاعته وطهرها من الأخلاق الذميمة، واصطفائها لتكون أمًا لنبيه عيسى ﵇ بغير أب، وَالثَّانِي بِمَعْنَى التَّفْضِيلِ عَلَى غيرها واختصها برفعة المنزلة والكرامة (^١).
نشأت ﵂ في المحراب فكانت حياتها بين عبادة الله وحده وسدانة بيته، ومن كانت حياتها في المحراب، فهي بعيدة كل البعد عما تجترحه كثير من النساء من آفات اللسان والسمع والبصر، منزهة عن مجالس اللغو، واقتراف الرذائل.
_________________
(١) ينظر تفسير الطبري (٥/ ٣٩٢)، والتحرير والتنوير (٣/ ٢٤٤)، والبحر المديد في تفسير القرآن المجيد (١/ ٣٥١).
[ ١٧٢ ]
- أمرها الله تعالى بالعبادة فامتثلت خير امتثال قال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. فوهبت نفسها لذلك وامتثلت لما أمرت به شكرًا لربها. فشهد لها تعالى بالقنوت والعبادة حيث كانت القانتة العابدة (^١) كما قال ﷿: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢].
- وشرفها الله تعالى بالارتقاء إلى مرتبة الصديقية في القرآن حيث قال: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ؟﴾ [المائدة: ٧٥]. وقيل: سميت مريم ﵂ صدّيقة، لأنها كثيرة الصدق وهي التي صدقت بآيات الله وكتبه (^٢).
وهي العفيفة الطاهرة التي أحصنت فرجها فقال تعالى فيها: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢].
وهي التي كملت في الفضائل والأخلاق فكانت من الكاملات الصالحات مما يندر ذلك في النساء قال النبي ﷺ: (كَملَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ) (^٣) وذلك لما تحلت به من خصال البر والتقوى (^٤).
_________________
(١) ينظر تفسير السعدي ص: ١٣٠، وتفسير السمعاني (٥/ ٤٨٠).
(٢) ينظر تفسير البغوي (معالم التنزيل في تفسير القرآن) (٢/ ٧٢).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ١٦٤/ ح ٣٤٣٣).
(٤) ينظر شَرْحُ صَحِيح مُسْلِمِ لِلقَاضِى عِيَاض المُسَمَّى (إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم) (٧/ ٤٤٠).
[ ١٧٣ ]
مما سبق تُستخلص سمات مريم ﵂ التي تميزت بها وهي:
- حياة موصولة بالله طاعة وعبادة.
- صدق مع الله وامتثال لأمره، وصدق مع الناس في مواجهتهم عند اتهامها بالفاحشة.
- شمائل طهر وعفاف وحسن خلق.
- ولا شك أن في الانشغال بالطاعة وعكوفها في المحراب فيه استزادة من الفضائل، وحفظ للسان عن المزالق وبعد عن مجالس اللغو، وهي التي يقع فيها كثير من النساء.