القبول في اللغة: ضد الرفض والرد (^١)، ويقال تقبّله أي أخذه. والله تعالى يقبل الأعمال من عباده ويتقبّلها. ويقال قبلت الشيء قَبولًا إذا رضيته، فالقبول الرضا بالشيء، (^٢).
ومما سبق يظهر أن الألفاظ المتعلقة بالموضوع لفظان رئيسان:
الأول: لفظ (يقبَل): كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]
_________________
(١) ومنه قول عائشة ﵂: (من عملَ عملا ليسَ عليهِ أمرُنا فهو ردٌّ) أي مردود غير مقبول والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، (٣/ ١٣٤٣/ ح ١٧١٨).
(٢) ينظر لسان العرب (١١/ ٢١)، والمفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص: ٦٥٤.
[ ١١ ]
ويراد به الموافقة على الشيء ويتبين معناه بحسب موقعه في سياق الآية فقد يراد به قبول الإجزاء أو الإثابة أو قبول الرضا وقبول المحبة المؤدي إلى المزيد من العناية والرعاية والارتقاء عند الله (^١).
الثاني: لفظ (يتقبَّل): وهو مضارع على وزن يتفعَّل كما في قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] وفيه أربعة أقوال:
١ - أنه يفيد دوام الصعود والترقي في معارج القبول (^٢). فإن محبة الله للعبد تتفاوت بحسب التماس العبد وإتيانه لمحابّ الله، وكلما أدام العبد رفْع العمل الصالح بين يدي ربه وتقبّله الله منه خالصًا لوجهه انتهى به ذلك إلى شرف الحصول على أعلى درجات المحبة والقبول.
٢ - ويفيد الأخذ والتلقي والتكفّل بالشيء فمعنى قوله تعالى ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ
حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] أي تكفّل بها وتسلّمها وتلقّاها بالرضا والمحبة (^٣).
٣ - ويفيد قبول الشيء على الوجه الذي يقتضي ثوابًا كالهدية.
_________________
(١) ينظر تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) (٨/ ٢٠٥).
(٢) ينظر المفردات في غريب القرآن ص: ٦٥٣.
(٣) ينظر تفسير الخازن (لباب التأويل في معاني التنزيل) (١/ ٢٤١)، وتفسير الزمخشري (الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل) (١/ ٣٥٧).
[ ١٢ ]
٤ - ويفيد معنى التكلّف في القبول أو المبالغة في إظهار القبول (^١) قال ابن حيان "فالتَّقَبُّلُ تَكَلُّفُ الْقَبُولِ، وَذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ الْعَمَلُ نَاقِصًا لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقْبَلَ" (^٢) أو كما يتوهم صاحبه ذلك، فيتقبله الله ويتجاوز عن عيوبه ويتلقاه بالنظرة الراضية المستحسنة (^٣)، لذا قالت أم مريم حينما نذرت ما في بطنها: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران: ٣٥] فتقبّل الله منها مريم ﵂ وقال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾
[آل عمران: ٣٧] أي تسلّم هذه النذيرة بالرضا وذلك مع كونها أنثى والمعلوم أن الأنثى لا تصلح لخدمة بيوت العبادة فتقبلها كما يقبل الذكر بل وتقبّلها قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة (^٤).
وكذا قول النبيين الكريمين إبراهيم وإسماعيل ﵉ وهما يبنيان البيت كما حكى الله تعالى عنهما في قوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٧] فهما يقدمّان هذا العمل المتواضع على حريرة من الإشفاق واعتراف بالتقصير والقِلّة وخوف عدم القبول (^٥).
يظهر من خلال المعنى السابق أن طلب التقبّل من مقدّم العمل كقولك (تقبّل مني) فيه استشعار بقصور العمل وتواضع العامل.
_________________
(١) ينظر تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) (٨/ ٢٠٥).
(٢) تفسير البحر المحيط (١/ ٥٥٧).
(٣) ينظر زهرة التفاسير (٣/ ١١٩٩).
(٤) ينظر تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (١/ ٣٤٧)، وتفسير النيسابوري (غرائب القرآن ورغائب الفرقان) (١/ ٤٠١).
(٥) ينظر تفسير ابن عرفة (١/ ٤١٨)، ونظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي (٢/ ١٥٨).
[ ١٣ ]
والتقبل من المتلقي كقولك (تقبّلت منك) هو أخذه بالاستحسان والرضا والتجاوز عما فيه من عيوب.
ويمكن الجمع بين المعاني الأربعة للتقبّل من المتلقي بأن يقال: هي المبالغة في القبول بالإثابة عليه والترقّي في درجاته (^١).