أثنى الله تعالى على خُلق نبيه إسماعيل ثناء عطرًا، ذلك أنه كان صادقًا فيما بينه وبين الله فما التزم بعبادة إلا وفاها، وفيما بينه وبين الناس ما وعد شخصًا إلا وفى بوعده. وإن كانت هذه الخلال في غيره من الأنبياء ولكن خصه بها تشريفًا له فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ٥٤ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤ - ٥٥] وكان يولي أهله والأقربين منه عناية خاصة بالأمر بالمعروف اشتغالًا بالأهم، وهو أن يضع الإنسان الأولوية لتكميل نفسه ومن هو أقرب الناس إليه (^١). ومن الملاحظ أن أمر الأقربين بالمعروف عمل يتطلب الجهد والصبر أكثر من أمر العامة من سائر الناس، فتبرز أهميته من عدة وجوه:
- أولًا: أن الداعية إلى الخير كثيرًا ما يشتغل بأمر العامة عن أهله والمقربين إليه، فجاء التميّز لإسماعيل في الآية بأنه قد أولى هذا الأمر عنايته، وأوفر لهم من وقته وعلمه لتقويمهم وإصلاحهم.
ثانيًا: أن الأهل والأقربين قليلًا ما ينصاعون لأمر الداعية من أهلهم لأن إلفة الشيء تفقده قيمته مما
_________________
(١) ينظر التفسير المنير (١٦ - ١١٦)، هذا إن كان المراد بلفظ (أهله) الأسرة والأقربين فقد ذهب جمع من المفسرين إلى أن المراد بها عموم أمته، ينظر بصائر ذوي التميز في لطائف الكتاب العزيز (٢/ ٨٤)، وتفسير الخازن (٣/ ١٩٠).
[ ١٥٦ ]
يدعوه إلى بذل المزيد من الجهد والصبر عليهم. ففي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ إشارة إلى استمرارية الفعل والتجدد بلفظ المضارع، واقتران الفعل (كان) مع الفعل المضارع يدل على أن هذا الأمر كان دأبه ﵇ وكان ديدنه منذ زمن بعيد وأنه مثابر عليه مما يتطلب الصبر والمجاهدة.
ثالثًا: وزاد صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ أي " كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة، ليجعلهم قدوة لمن وراءهم" (^١). فقد كان دأبه البداءة بأهله في كل إصلاح، ولا شك أن هذا الأمر من أهم أساليب الدعوة الصحيحة، لتكون الدعوة فاعلة ومجدية فإن الله تعالى ذم اليهود بقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤].
وعند التأمل في بشرى الله تعالى لخليله إبراهيم ﵇: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ١٠١ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠١ - ١٠٢]
تُشرق بين ثنايا الآيات صفات أخرى في إسماعيل (^٢) ﵇ فهي حلمه، وصبره، وبره بوالديه، ويجدر
_________________
(١) تفسير الزمخشري (الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل) (٣/ ٢٣).
(٢) وقد فصّل عامة المفسرين الاختلاف في أمر الذبيح وأنه هو إسماعيل وليس إسحاق لدلالة باقي الآيات وسياقها، ينظر تفسير الخازن (لباب التأويل في معاني التنزيل) (٤/ ٢٤)، وتفسير الطبري (١٩/ ٥٨٧)، وتفسير السمر قندي (بحر العلوم) (٣/ ١٤٩)، وتفسير الثعلبي (الكشف والبيان عن تفسير القرآن) (٨/ ١٥٧)، وتفسير الرازي (مفاتيح الغيب) (٢٦/ ٣٤٥)، وتفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) ص: ٧٠٥ وغيره كثير. وقال ابن كثير: " وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الذَّبِيحَ هُوَ إِسْحَاقُ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ، حَتَّى نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَيْضًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَمَا أَظُنُّ ذَلِكَ تُلقى إِلَّا عَنْ أَحْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأُخِذَ ذَلِكَ مُسَلَّمًا مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ. "تفسير ابن كثير (٧/ ٢٧).
[ ١٥٧ ]
الوقوف عند قوله تعالى حكاية عنه: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ فمع رهبة الموقف، وشدة المحنة، وعِظم الفتنة، يُظهر الشابّ المؤمن كمال التفويض والانقياد، والرضا بقضاء الله وفي لفظ ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ حيث لم يقل (امض أو اذبح) دلالة على أخذه قول والده النبي الكريم كأمر من الله واجب الامتثال، لا ينبغي فيه التردد أو التأكد وكأنه خشي من حنان والده وحبه له أن يدعوه ذلك إلى التريّث وحاشا لخليل الله أن يتريث في الامتثال لربه ولكنها مشاعر الحب تتردد بين الوالد والابن البار، فيسارع الابن إلى تعجيله، ليقطع جميع العلائق من مشاعر أو عواطف يمكن أن تقف كعامل يؤدي إلى بطء المسارعة إلى رضوان الله والتسليم لقضائه وأمره. وليبرز بذلك حلمه الجميل حيث لا سخط، ولا غضب، ولا تقاعس.
فالقرآن الكريم يرسم سمات إسماعيل ﵇ بصورة بليغة موجزة فتبدو شمائل النبي الكريم وما اختصه الله به من علوّ المكانة وأرفع الدرجات كالتالي:
١ - هو المسْلم الخاضع لربه: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] فاستجاب الله دعاءهما، فرزقه شرف الاستسلام والانقياد لأمره ونهيه، بالرضا والقبول حتى يلقاه.
[ ١٥٨ ]
وهو الغلام الحَليمُ بالرغم من أنه نشأ في بيئة صحراوية، والصحراء يغلب على أهلها الجفاء وشدة الطبع إلا أنها أخلاق وسماحة النبوة التي فُطِر عليها هذا النبي الكريم قال تعالى ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] (^١).
٢ - والمسْتَسْلِم لأمر ربه، الخاضع لقضائه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣].
٣ - وهو الصابر على البلاء: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢].
٤ - ويتجلى في هذه الآية الطاعة لربه والمطاوعة والبر بوالده: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢].
٥ - وهو الآمر بالمعروف: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٥٥]. وما يلزم ذلك من المجاهدة والمصابرة لتحقيقه.
٦ - وهو الصادقُ الوَعْد: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤].
فكان عند الله في درجات القبول مرضيًا: ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥] وفيها الثناء والمدح من ربه فعمله محمود في كل طاعة، وجاء في أدائها بما يرضي ربه ﷿، راضٍ بقدره وقضائه فأرضاه واختاره الله فكان رَسُولًا نبيا: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٤].
* * * *
_________________
(١) من المفسرين من ذهب إلى أن الذبيح والغلام الحليم هو إسحاق، والأظهر أنه اسماعيل ﵇ لدلالة السياق عليه ينظر تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٢٠)، وتفسير السمر قندي (٣/ ١٤٧)، وغرائب التفسير وعجائب التأويل (٢/ ٩٨١)، وتفسير ابن كثير (٧/ ٢٧).
[ ١٥٩ ]