قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١] امتدح الله صفيه وكليمه موسى ﵇ بأنه كَانَ يخلص له العبادة، وَيُفْرِدُهُ بالْأُلُوهَية، فأَخْلَصَهُ وَاصْطَفَاهُ، وَجعلَهُ نَبِيًّا مُرْسَلا، وهو الذي اصطنعه الله وكرّمه وشرّفه وجعله موضع صنيعته وإحسانه إذ قال: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]. وقرّبه إليه وناجاه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]. قال ﷺ: (مُوسَى بن عِمْرانَ صَفيّ الله) (^١).
وفي ضوء قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى ٨٣ قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٣ - ٨٤] تتضح شخصية النبي الكريم المبادِرة للخير، وتظهر علاقته بربه ﷿، وتتجلى مسارعته إلى طاعته، شوقًا إليه، ومحبة له، فإذا علم محبة الله في أمر لم يكن ليتقاعس أو يتخلف عن مقدمة الركب. فقدّم بين يديه طاعة ربه ورضاه.
وفي قوله تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦٢٩/ ح ٤١٠٠)، والسيوطي في جامع الأحاديث، (٤٢٢/ ح ٢٣٣٩٠) وقال حديث صحيح وقال الألباني: "صحيح" في صحيح الجامع (ح ٦٦٣٣).
[ ١٦٠ ]
فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ [طه: ٨٦] تتجلى صفة من صفات موسى ﵇ وهي الغضب لله أن يُعصى أمامه، والحرص على دين الله أن يُنال منه. فموسى ﵇ ذو شخصية مبادرة، سريع التفاعل مع المشاهد التي تعرض له، قويّ في الدفاع عمّا يؤمن به ويدعو له.
وفي هذه الآيات: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي
الْمُحْسِنِينَ ١٤ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ١٥ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ
هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ١٦ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٤ - ١٧].
تبرز جوانب أخرى من شخصية موسى ﵇، ومنها الرجعة والتوبة إلى الله بعد إغواء الشيطان له بقتله القبطي نصرة للحق، ولا يقدح ذلك في عصمته لكونه خطأ وإنما عدّه من عمل الشيطان وسمّاه ظلمًا واستغفر منه جريًا على سنن المقربين في استعظام ما فرط منهم وكان هذا قبل النبوة فقد اختصّه الله تعالى بخلق الإنصاف والعدل، وهو الذي خرج في مجتمع جائر، مائل عن الصراط، فكان قامعًا للفتنة، ماحقًا للباطل.
[ ١٦١ ]
وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ تتضح براءته من الباطل وأهله، وولايته ووفاؤه للمنعم بأن لا يقف في صف ظالم أبدًا، ولا يعين مجرمًا على فجوره وإجرامه (^١).
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ٢٢ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا
شَيْخٌ كَبِيرٌ ٢٣ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٢ - ٢٤]
جاءت الآيات السابقة لتبين في موسى ﵇ صفة الرحمة والإحسان وحبه لنفع غيره وبذله للمعروف، وتُظهر حُسن توكله على ربه والتجائه إليه.
وفي قوله تعالى حكاية عن موسى قاصدًا النبي شعيب ﵉: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] صور مشرقة تتجلى فيها أدب المعاملة وصفة المسامحة، وحسن الصحبة، والوفاء، والاعتماد على الله تعالى (^٢).
_________________
(١) ينظر تفسير عبد الرزاق (٢/ ٤٩٠)، وتفسير الطبري (١٩/ ٥٤٢).
(٢) ينظر تفسير الشوكاني (فتح القدير) (٤/ ١٨٧)، وتفسير السعدي ص: ٦١٤.
[ ١٦٢ ]
ويجمع ﵇ بين صفتي القوة والأمانة في قوله تعالى حكاية عن ابنة شعيب ﵇: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَئْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] فقمة المروءة هي الأمانة للقادر المتمكن على خلافها.
وفي خلاصةٍ نستقرئ فيها سمات موسى ﵇ التي بيّنها القرآن الكريم تصريحًا وتعريضًا نجد باقة عطرة مما ميّزه الله به واختصه من عظيم الشمائل وكريم الخلال منها:
- سماته مع نفسه وربه:
- تعجيل الطاعة، والمبادرة بالخير: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤].
- التسبيح والذكر: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣].
- الهداية والاستقامة: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨].
- صدق العبودية وكمال الإيمان: ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢]
- الغضب في ذات الله، والانتصار للحقّ: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠].
- كمال التوكل: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢].
- التوبة والإنابة: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦].
[ ١٦٣ ]
- التذلل والفقر وحسن التوجه إلى الله: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].
الولاء لربه والبراءة من الكفر وأهله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ
ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧].
- دوام الاستعانة والتوجه والطلب: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢].
سماته مع الناس:
- الصبر في تلقي العلم، وأدب المتعلم: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]
- سمو الأخلاق وتتجلى في حسن الاعتذار: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣].
- كمال القوة والأمانة وما تتضمن من فطنة وكياسة ومروءة: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَئْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
- الإحسان والبرّ: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ [القصص: ٢٤].
- النخوة والشجاعة والرغبة في الانتصار للحق: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥].
- الوفاء بالعهد، والالتزام بالعقد: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ [القصص: ٢٩].
* * * *
[ ١٦٤ ]