بتأمل ما ورد في القرآن الكريم من الآيات الدالة على التهديد بعدم قبول العبد أو عدم قبول عمل بعينه أو تأخير القبول لما بعد استيفاء العقاب. وهي الآيات التي تضمنت الوعيد الشديد للخارجين عن الملة، أما بالنسبة لأهل الكبائر من الموحدين فقد تكون لهم أعمالًا تمنع إنفاذ العقوبة كالتوبة وكثرة الحسنات الماحية، وكثرة المصائب المكفرة، وإقامة الحدود في الدنيا أو عفو الله تعالى أو شفاعة الشافعين يوم الدين (^٢)، ولكن لا بد من ذكر هذه الألفاظ لما تحتمله من وعيد حتى يأخذها المسلم على محمل الجدّ ويتجنب أسباب تأخير القبول، ولا يجوز
_________________
(١) ينظر تفسير الطبري (٩/ ١٤٢)، وتفسير ابن كثير (٨/ ٤٥٨).
(٢) ينظر المستدرك على مجموع الفتاوى لابن تيمية (١/ ٢٢٣).
[ ٢٠ ]
إسقاطها على شخص بعينه بل هي عامة للردع والزجر. ونجد ألفاظ الوعيد قد عبر بها القرآن الكريم بمعان شتى وألفاظ مختلفة، وعلى أوجه متعددة ترهيبًا وتحذيرًا ومن ذلك:
١ - التصريح بعدم القبول كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ
مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٥٣] فالخارج عن دائرة الإيمان لا يقبل منه توصّل ولا تَقرّب، فعملهم مردود لا ثواب عليه إلا بتوبة (^١).
٢ - التعبير بالسخط أو المقت إما للعمل أو لصاحبه كقوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ
يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٨٠] وكما قال النبي ﷺ: (من أعان على خصومة بظلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع) (^٢) فهذه صفات تبين التحذير من نفي الرضا، للوقوع في الكبيرة
_________________
(١) ينظر تفسير ابن كثير (٢/ ١٤٨)، وتفسير الطبري (١٤/ ٢٩٣)، وهذه الآية المراد بها المنافقون قال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: " بل المنافقون قد يصومون ويصلون ويصدقون، ولكن لا يقبل منهم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] وقال تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٥٣] " منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس ص: ٢٦٩. وقال صاحب كتاب نور الإيمان " النفاق الأكبر يُحبط جميع الأعمال، قال الله ﷿: ﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ " نور الإيمان وظلمات النفاق في ضوء الكتاب والسنة للدكتور سعيد القحطاني ص: ٥٢.
(٢) أخرجه ابن ماجه في السنن (٢/ ٧٧٨/ ٢٣٢٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٠٤٩).
[ ٢١ ]
وعظيم الجرم إن مات على ذلك، فمن كان مسخوطًا عليه ممقوتًا ومبغوضًا عند الله فأنى له القبول؟ إلا أن يستوفي عقوبته إن كان من الموحدين أو يعفو الله عنه (^١). قال تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ١٦٢].
٣ - النذارة أو التخويف بجهنم كقول القوي العزيز سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] فبغض النظر عن نوع المعصية فإن النذارة بجهنم قد تكون للخلود المستلزم لعدم القبول البتة، وقد تدلّ على تأخير القبول إذا عُني بها عُصاة الموحدين حتى يأخذوا حظهم من جهنم عياذًا بالله. ومثل ذلك الوعيد بالخلود فيها (^٢) كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا
_________________
(١) هذه الألفاظ دالة على الوعيد لعظم الجرم و" الكبيرة هي ما جُعل له حدٌّ في الدنيا أو توعد عليه بلعنة أو غضب أو نار أو حبوط عمل ونحو ذلك" قطف الجني الداني شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني لعبد المحسن العباد البدر ص: ١٢٠ "أصحاب الكبائر التي دون الشرك ليسوا كفارًا، وأنهم إذا لقوا الله ولم يتوبوا من هذه الكبائر فإنهم تحت المشيئة، إن شاء عذبهم بقدر ذنوبهم، ثم يخرجهم من النار ويدخلهم الجنة بتوحيدهم وإيمانهم، لا يخلدون في النار، … هذا مذهب أهل السنة والجماعة" التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية للشيخ صالح الفوزان. إذن صاحب الكبيرة هو من الظلمين لأنفسهم الداخلين تحت المشيئة إذا لم يتب منها فهي دالة على تأخير القبول حتى تُستوفى العقوبة أو يعفو الله عنه. وينظر تخريج العقيدة الطحاوية للألباني ص: ٦٠.
(٢) قال ابن تيمية: " فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنًا وظاهرًا بما جاء به الرسول، وما تواتر عنه أنهم من أهل الوعيد، وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها، ولا يخلد منهم فيها أحد" الإيمان لابن تيمية ص: ٢٣٣، وينظر تفصيل ذلك في هامش رقم ١ ص: ٢١ من هذا البحث في بند التعبير بالسخط.
[ ٢٢ ]
فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].
٤ - الوعيد بالعذاب الأليم كقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] والتخويف بالعذاب الأليم كذلك يستلزم عدم القبول في كثير من الآيات الدالة على الكفر والنفاق، وأما بخصوص عصاة الموحدين فتدلّ على تأخير القبول واستحقاق العذاب المسبق أو يوكَل إلى مشيئة الله وسعة عفوه كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤]. فمن قتل الصيد متعمدًا عالمًا بحرمته على المحرِم، فذلك يوكَل إلى نقمة الله (^١). ومثل ذلك قوله ﷺ: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارًا، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ) (^٢)
_________________
(١) ينظر تفسير الطبري (١٠/ ٩). وقد أفتى بعض الفقهاء بأن قتل المحرِم للصيد عمدًا من الكبائر لما فيه من وعيد في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤] وقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥] ينظر الزواجر عن اقتراف الكبائر لأحمد أبوالعباس (١/ ٣٣٢).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، (١/ ١٠٢/ ح ١٠٦).
[ ٢٣ ]
فما ذُكر من وعيد في الحديث هو جزاء للموعودين به إن لم يعف الله عنهم أو ماتوا على غير توبة (^١).
٥ - التهديد بالخسارة كقول الحكم العدل سبحانه: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] وباستقراء الآيات المتضمنة للوعيد بالخسران يظهر أنها تدل على غبن النفس فهو تهديد بانتفاء القبول في كثير من الآيات أو بتقديم المؤاخذة وتأخير القبول في بعض منها إن لم يتب أو يعفو الله عنه وذلك كما في قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٣٠]. وإنما تحرّج هابيل الصالح من قتل أخيه قابيل في قوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ
لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨] لأنه يعلم أنه مؤمن موحّد ولو علم كُفره لقتله بلا حرج لقتاله ومنها قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١].
وكذا في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] "ووجه الاستدلال
_________________
(١) ينظر التكفير وضوابطه للسقار ص: ٣٨.
[ ٢٤ ]
بالآية الكريمة أنه سبحانه حكم بالخسران المطلق لمن ألهاه ماله وولده عن الصلاة والخسران المطلق لا يحصل إلا للكافرين، فإن المسلم لو خسر بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الربح" (^١) وذلك بعد المؤاخذة وهي الخسران الجزئي- إن صح التعبير - إن لم يتب أو يعف الله عنه.
٦ - التخويف بحبوط العمل جميعه للكافر أو إبطال ثوابه للمؤمن كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦]. وأما ما يدل على إبطال ثوابه للمؤمن فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] (^٢). قال ابن جرير " أَنْ لَا تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ فَتَذْهَبَ بَاطِلَةً لَا ثَوَابَ لَكُمْ عَلَيْهَا، وَلَا جَزَاءَ بِرَفْعِكُمْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ نَبِيِّكُمْ" (^٣).
وقال السعدي: "فكما أن الحسنات يذهبن السيئات فالسيئات تبطل ما قابلها من الحسنات، وفي هذه الآية مع قوله تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] حث على تكميل
_________________
(١) الأدلة على كفر تارك الصلاة، كتاب التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لسليمان بن عبد الوهاب ص: ١١٢.
(٢) "ومذهب أهل السنَّة أنها لا تحبط إلا بالكفرِ، ويتأول حبوط عمل هذا على أنه أسقطت حسناته في مقابلة سيئاته" أصول الإيمان للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص: ٤٧، وهو ما يراد به في هذا البحث بأنه قبول إجزاء لا قبول إثابة.
(٣) تفسير الطبري (٢١/ ٣٤٢)، وقال البغوي: "أن تحبط حسناتكم " تفسير البغوي (٤/ ٢٥٣)
[ ٢٥ ]
الأعمال وحفظها من كل ما يفسدها لئلا يضيع العمل سدى" (^١).
٧ - التخويف باللعن والطرد كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ
وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥٢] وبناء على ما هو معلوم من الدين فإن اللعن من الله تعالى على درجات فمنه الماحق والمانع للقبول بالكلية كلعنهِ إبليس وطرده من رحمته، ولعنهِ الكافرين والمشركين، ثم هناك اللعن المؤخِّر لقبول الحسنات وهو لعصاة الموحّدين، الموجب للنقمة والحسرة عياذًا بالله، فيُحمل هذا التهديد على طول المكث إن أنفذ الله الوعيد، فيبقى في تلك اللعنة يمكث في بوارها إلى ما شاء الله ثم يخرج بعفو الله (^٢). وقد قال تعالى في عقوبة القذف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣] فرمي المحصنات من كبائر الذنوب، ومن أكبر الذنوب ما
_________________
(١) تفسير السعدي ص: ١١٣، وانظر التفسير الوسيط (٩/ ٩٧٢)، وتفسير العز بن عبد السلام (٣/ ١٩٩).
(٢) بين ابن تيمية أن لعن زوجات الرسول ﷺ يستوجب اللعن الذي لا توبة منه أما لعن إحدى المحصنات غيرهن فتقبل توبته إذا تاب وقال "فهذا ابن عباس قد بين أن من لعن هذه اللعنة لا توبة له واللعنة الأخرى أبلغ منها". الصارم المسلول على شاتم الرسول ص: ٣٣٨. يظهر من ذلك أن هناك لعن أبلغ من لعن. واللعن للمؤمن على الكبيرة إنما يراد به المكث الطويل وليس الخلود وقد يراد به الوعيد والتهديد والله له المشيئة المطلقة في إنفاذه من عدمه أو قد يكون سببًا لكفره في مستقبل أمره فيكون مآله إلى النار. ينظر شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين ص: ٢٦٢.
[ ٢٦ ]
تعلّق بظلم الغير فكيف بقذف المحصنات الطاهرات العفيفات؟ فلعن الفاعل هنا طول مكثه مطرودًا في نار جهنم عياذًا بالله إن لم يتب ويعفو الله عنه.
٨ - الطبع والختم على القلب كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦] وقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧]. وَأَصْلُ الْخَتْمِ: الطَّبْعُ، وَالْخَاتَمُ: هُوَ غلقها عن إدراك حقائق الدار الآخرة والغيبيات (^١) فلا يصل بذلك إليها الخير ولا يخرج منها خير، والطَّابَعُ هو الذي يُختم به الكتاب، فالقلوب كالكتب أوعية للمعارف والختم عليها هو إحكام
غلقها حتى يعود صاحب ذلك القلب إلى صوابه إن حصل له ذلك، وإلا فإن من خَتم الله على قلبه وطبع عليه مُنع الخير كله (^٢) وحُرم الرحمة وبعيدٌ أن تعودان إليه; لأن الطبع والختم إنما يحصل له بعد إمهال من الله، فإذا انقضت مدة الإمهال وهو على ما هو عليه من شرّ وباطل استحق به المقت، وكان الطبع بعد ذلك طبعًا لا صلاح بعده، ولا هادي له بعد الله إلا هو إذا تغمده برحمته، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣] وذلك مصداق قول المصطفى ﷺ: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى
_________________
(١) ينظر تفسير الطبري (١/ ٢٦٥).
(٢) ينظر الاستذكار للقرطبي (٢/ ٥٥).
[ ٢٧ ]
الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) (^١) قال حذيفة ﵁: "القلب كالكف فإذا أذنب العبد انقبض وقبض إصبعًا، ثم إذا أذنب انقبض وقبض إصبعًا أخرى، ثم إذا أذنب انقبض وقبض أصابعه ثم يُطبعُ عليه ". (^٢).
وقد ورد الطبع في القرآن والختم بما يدل على عدم القبول البتة في معرِض الحديث عن الكفار والمنافقين واليهود، وقد وردت في السنّة في حق الموحدين وتُحمل على الوعيد بسوء العاقبة أو تأخير القبول حتى استيفاء العقوبة كما أسلفنا (^٣) قال النبي ﷺ: (لَيَنْتَهِيَنَّ
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ١٢٨/ ح ٢٣١). ومعنى مربادًا أي: شدة بياض في سواد قيل كالجمل الأجرب يُطلى بالقار، ارْبَدَّ لَوْنُهُ إِذَا تَغَيَّرَ وَدَخَلَهُ سَوَادٌ ومجخّيًا أي: منكوسًا. ينظر صحيح مسلم وفيض الباري على صحيح البخاري (٥/ ١٣١/ ح ٤٣٥٦)،، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (٢/ ١٧٣/ ح ٢٣١).
(٢) يؤثر ذلك عن حذيفة بن اليمان ﵃ ينظر تفسير الثعلبي (١/ ٩).
(٣) ينظر مطلب مؤخرات القبول في هذا البحث ص: ٢٠٤.
[ ٢٨ ]
أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ) (^١).
٩ - التصريح بعدم الرضا كقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] وعدم الرضا يدل على السخط وعدم القبول فالله تعالى لا يرضى عن النفاق وأهله ومن كانت سجيته الكذب، وغضب الله تعالى يؤدي بالعبد إلى الشقاء ولزوم المساءلة والعقاب، فلا ريب أن الله تعالى لا يرضى من القول والعمل إلا عبادته وحده لا شريك له واتباع رسوله ﷺ.
* * * *
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٢/ ٥٩١/ ح ٨٦٥). قال الغزالي " ومهما تراكمت الذنوب طبع على القلوب وعند ذلك يعمى القلب عن إدراك الحق وصلاح الدين ويستهين بأمر الآخرة ويستعظم أمر الدنيا ويصير مقصور الهم عليها فإذا قرع سمعه أمر الآخرة وما فيها من الأخطار دخل من أذن وخرج من أذن ولم يستقر في القلب ولم يحركه إلى التوبة " إحياء علوم الدين للغزالي (٢/ ١٢).
[ ٢٩ ]
الفصل الأول