امتدح الله تعالى أهل الخشوع في كتابه العظيم فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ
وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ١ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
والخشوع كما عرفه ابن القيم هو: "قِيَامُ الْقَلْبِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ بِالْخُضُوعِ وَالذُّلِّ، وَالْجَمْعِيَّةِ عَلَيْهِ" (^٢).
وقال صاحب التفسير المنير: "هو السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار، والتواضع لله تعالى قلبًا وسلوكًا، خوفًا من عقاب الله تعالى، ومراقبته" (^٣).
_________________
(١) ينظر تفسير الطبري (٥/ ٥٢)، وتفسير ابن كثير (١/ ٧١٦)، وتفسير الخازن (١/ ٢١٢).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٥١٦).
(٣) التفسير المنير للزحيلي (٢٢/ ١٩).
[ ٦٥ ]
والخشوع لله يتضمن أمرين:
أحدهما: التواضع والذل.
والثاني: السكون والطمأنينة (^١).
وأصل الخشوع الحاصل في القلب، إِنَّمَا هو من معرفة الله، واستشعار عظمته وجلاله وكماله، واستحضار معيته ومراقبته فمن كان بالله أعرف كان له أذلّ وأخشع (^٢).
والخشوع مستلزم للين القلب مناف لقسوته متضمّن لعبودية الله، ومن هنا كان الخشوع من موجبات القبول ومن أسباب الارتقاء في مراقيه ودرجاته، فهو عبادة مختصة بجلال الله وتعظيمه ومهابته وهو ما يستجلب محبته والقرب منه، ونمو الخشوع وزيادته إنما يكون بمداومة المراقبة على النفس، وطول النظر في آفاتها وعيوبها ونقائصها من الكبر، والعجب، والرياء، وضعف الصدق، وقلة اليقين، وتشتّت النية، وعدم إيقاع العمل على الوجه الذي يرضاه العبد لربه وغير ذلك من عيوب النفس (^٣).
_________________
(١) الإيمان لابن تيمية ص: ٢٦.
(٢) ينظر مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٢٩٣).
(٣) ينظر الإيمان لابن تيمية ص: ٢٦، والتوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص: ٤٦.
[ ٦٦ ]
وإذا خشع القلب تبعته سائر الجوارح بالذلة والسكينة. فالخشوع بذوره في القلب وثماره على الجوارح، وكلما كان العبد أشدّ استحضارًا لمقام ربه كان قلبه أشد خشوعًا وخشيةً، وكان له ربه أكثر قبولًا، ولمآله أرفع منزلةً.
وتتفاوت القلوب في الخشوع بحسب معرفتها لمن خشعت له، ويقينها بأسمائه وصفاته، فمن خاشع لاستشعاره بأن الله هو القريب المجيب، ومن خاشع محبةً بأنه تعالى الودود اللطيف الوهاب الرزاق، ومن خاشع لاستحضار المشاهدة والمراقبة بأنه سبحانه الحفيظ الرقيب، ومن خاشع استحياء بأنه السميع البصير، ومن خاشع لاستشعار صفات العزة والكبرياء والجبروت، ومن خاشع شوقًا لكماله وجماله بأنه جميلٌ قدّوس، من خاشع خوفًا بأنه العزيز المنتقم، ومن خاشع رجاءً بأنه العفو الكريم، والله تعالى قريب من الخاشعة قلوبهم قريب ممن يناجيه، وممن يستغفرونه بالأسحار، ومن زوّار بيوته المتضرعين إليه، ينظر إليهم، ويباهي بهم الملائكة.
فإذا نظر الله لقلب عبده المؤمن ورآه خاشعًا ساكنًا متذللًا منكسرًا له تقبّله وأحبّه فالله تعالى عند المنكسرة قلوبهم (^١).
* * * *
_________________
(١) ينظر روائع التفسير لابن رجب (٢/ ١١) ومدارج السالكين (١/ ١٩٥).
[ ٦٧ ]