قال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ٢٠ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ٢١ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٢ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئا وَلَا يُنْقِذُونِ ٢٣ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٢٤ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ٢٥ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ٢٦ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٠ - ٢٧]
جاء مسرعًا من أقصى مدينة أنطاكية (^٢) بالشام لما بلغه خبر اجتماع الناس على رسل عيسى ﵇ الذين أرسلهم ليبلغوا عنه دعوة الحق ثم سألهم: أتطلبون على ما جئتم به أجرًا؟ قالوا: لا. فأقبل على الناس يقول: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فقيل له: أَفأَنْتَ تتبعهم؟ قال: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ
_________________
(١) عرف في كتب التفسير والأثر والسير بأنه حبيب النجار ينظر تفسير ابن أبي حاتم (٧ - ٢٣٨٢)، والدر المأثور (٥/ ٤٣٩)، وتفسير القرطبي (١٥/ ٣٠٦)، وتفسير ابن كثير (٦/ ٥٧٠)، وفتح الباري (٦/ ٤٦٧).
(٢) مدينة عظيمة من أعيان المدن على طرف بحر الروم بالشام وثغر من ثغورها، وهي مدينة دائرية الشكل نصفها سهلي ونصفها جبلي. أطلق عليها النصارى قديما أم المدائن لأنها أول بلد ظهر فيه دين النصرانية، ينظر آثار البلاد وأخبار العباد للقزويني ص: ١٥٠، والروض المعطار في خبر الأقطار للحميري ص: ٣٨.
[ ١٧٧ ]
الَّذِي فَطَرَنِي﴾ … إلى قوله: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ثم أقبل على المرسلين فقال لهم:
﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ فتألب عليه الناس فقتلوه (^١).
فكان من أهم شمائل هذا الرجل الصالح تصديقه المرسلين ومسارعته إلى طاعة الله تعالى ومبادرته بنفسه في سبيل الله ﷿ وقوله مقالة الحق أمام أهل الظلم والطغيان.
وظاهر الآية يدل أن الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان. ولم يكن في عزوة من قومه أو منعة من عشيرته. ولكنها العقيدة الحيّة في ضميره تدفعه وتجيء به من أقصى المدينة إلى أقصاها ينصحهم ويعظهم ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾.
إن الذي يدعو مثل هذه الدعوة، ويجتهد في تبليغ الحقّ، وهو لا يطلب أجرًا، ولا يبتغي مغنمًا .. إنه لصادق. وإلا فما الذي يحمله على هذا العناء؟ ما الذي يدفعه إلى حمل همّ الدعوة؟ ومجابهة الناس بغير ما ألفوا من العقيدة؟ والتعرض لأذاهم وشرّهم واستهزائهم وتنكيلهم، وهو لا يجني من ذلك كسبًا، ولا يطلب منهم أجرًا؟
ثم تراه يعود ليناشدهم مرة أخرى ليوقظ فيهم تلك العقول السامدة الغافلة، ويشرح لهم
_________________
(١) ينظر الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره للقيسي (٩/ ٦٠١٧).
[ ١٧٨ ]
بمنطق العقل: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وهُداهم واضح في طبيعة دعوتهم. فهم يدعون إلى إله واحد. ويدعون إلى نهج واضح. لا خرافة فيه ولا غموض (^١).
ثم عاد يتحدث إليهم عن نفسه وعن أسباب إيمانه ويقلّب لهم وجوه الحقيقة بأساليب شتى لعل ذلك أن يوقظ فيهم حسًا، أو يجلو عن قلوبهم صدأ فيبصرونها كما أبصرها
﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ في لفظ (بربكم) يناشد فيهم الفطرة التي استيقظت فيه ليوقظهم بالبرهان الفطري السليم (^٢).
وهكذا يكشف الحوار عن شخص صادق، ذي سجية مستقيمة، صاحب رسالة واضحة عظيمة، انتفع بها وأراد النفع لغيره، فتقدّم غير آبهٍ للموت في سبيل نفع غيره وفي سبيل إظهار الحق، وإنصاف الحقيقة. ومثل هذا حريٌّ أن يحبه الناس فكيف لا يحبه الله وهو القائل في محكم كتابه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣].
* * * *
_________________
(١) ينظر تفسيره البيضاوي (٤/ ٢٦٥)، وتفسير ابن كثير (٦/ ٥٧٠)، وفي ظلال القرآن (٥/ ٢٩٦٣).
(٢) ينظر في ظلال القرآن (٥/ ٢٩٦٣).
[ ١٧٩ ]