هناك علاقة وطيدة وترابط وثيق بين سمات المقبولين وحُسن تطبيقهم لمراتب الدين وبين القبول والارتقاء إلى عليين. فسمات المقبولين وحسن أخلاقهم فاعلة ومؤثرة على القول والعمل وبناء على ذلك ترتفع منازلهم عند الله بعد سبوغ فضله ورحمته فقد بين النبي الكريم ﷺ: أن أقربهم منه مجلسًا يوم القيامة أحاسنهم أخلاقًا (^١)، وبين أن العبد يرتقي بحسن خلقه إلى درجة الصائم القائم (^٢).
ومن جهة ثانية فإنّه على حسب الإخلاص وتطبيق شرائع الدين يكون الارتقاء في مراتبه من إسلام فإيمان فإحسان، وبناء على حُسن القيام بها من قبَل العبد وملاءمتها لمقام الرب جلّ وعلا يرفعه بها في منازل القبول، ولذلك قال تعالى في شأن الأعراب: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٤] ومعنى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أَيْ:
_________________
(١) الحديث: (إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ) أخرجه الترمذي في السنن، (٤/ ٣٧٠/ ح ٢٠١٨)، وأخرج نحوه البيهقي في الشعب (١٠/ ٣٥٩/ ح ٧٦٢٢)، وروى نحوه ابن حبان في صحيحه، (٢/ ٢٣١/ ح ٤٨٢)، وأحمد في المسند (٢٩/ ٢٦٧/ ح ١٧٧٢٣) وقال الألباني: "صحيح" في صحيح الترمذي.
(٢) الأدب المفرد (٤/ ٢٥٢/ ح ٤٧٩٨)، والبيهقي في شعب الإيمان، (١٠/ ٣٦٤/ ح ٧٦٣٢)، وقال الألباني: "صحيح" في صحيح أبي داود.
[ ٢٠٧ ]
لَمْ تُصَدِّقُوا عَنِ اعْتِقَادِ قَلْبٍ وَخُلُوصِ نِيَّةٍ وَطُمَأْنِينَةٍ ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أَيِ: اسْتَسْلَمْنَا خَوْفَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ أَوْ لِلطَّمَعِ فِي الصَّدَقَةِ. لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ (^١).
وهذا يعني أن إسلامهم على تلك الحال لا يقبله الله حيث لم يرقَ بهم إلى درجة القبول المستلزم للإيمان المطلوب الذي هو ما وقر في القلب وصدّقه العمل. ولذلك قال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فإن أَطَاعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ وخلص توجههم لله فإن الله وعدهم بقوله: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ أي آجَرَهُم اللَّه عَلَى العمل ولم ينقصهم ثوابه (^٢).
إذن فالسمات هي العوامل المؤثرة في منازل المقبولين وقربهم من الله عزوجل ومنازل القبول عند الله درجات ومراتب كذلك بحسب سماتهم، وفيما يلي التفصيل فيها:
* * * *
_________________
(١) ينظر فتح القدير (٥/ ٧٩)، وتفسير الطبري (٢٢/ ٣١٤)، وتفسير ابن كثير (٧/ ٣٨٩).
(٢) ينظر مجموع الفتاوى (٧/ ٢٣٨).
[ ٢٠٨ ]