القبول ثمرة العمل الصالح، وقد رغّب القرآن الكريم فيه، وبسطه على أوجه مختلفة للتشويق، وزرع أهميته في النفوس، وبيّنه بدلالات وإشارات وأساليب متنوعة إما باللفظ أو بالمعنى أو بهما معًا.
ومن خلال استقراء آيات الاصطفاء في القرآن الكريم يظهر أن الاصطفاء في القرآن هو أحد المعاني الدالة على القبول، فالاصطفاء والاختيار دليل القبول، وهو درجات متفاوتة، فالله تعالى اصطفى هذه الأمة على سائر الأمم، واختصها بالقبول. ومناط الاصطفاء هو مناط القبول وهو الإيمان المتمثل في الاعتقاد والانقياد بالقول والعمل.
والاصطفاء في اللغة: هو الاختيار والصِّفوة بالكسر هو خيار الشيء وخلاصته (^١).
وكما أن هناك قبول عام لأمة محمد ﷺ (أمة الإجابة) وقبول خاص لأفراد وفئات، فكذلك الاصطفاء فإن الله اصطفى المؤمنين واختارهم وتقبل أعمالهم على ثلاثة مراتب في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ٣٢﴾ [فاطر: ٣٢].
_________________
(١) ينظر لسان العرب (٧/ ٣٧٠)، والكليات لأبي البقاء الحنفي ص: ١٣٠.
[ ١٥ ]
فمنهم مؤمن ﴿ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بالذنوب، والتفريط في المأمورات و﴿مُقْتَصِدٌ﴾ وهو من اقتصر على أداء الفروض والواجبات تائب إلى الله من الذنوب، و﴿سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ مقرب إلى ربه بالنوافل وهذا في المرتبة العليا، وكلًا وعد الله الحسنى (^١). قال ابن تيمية ﵀: "فالمسلم الذي لم يقم بواجب الإيمان هو الظالم لنفسه، والمقتصد هو المؤمن المطلق الذي أدى الواجب وترك المحرم، والسابق بالخيرات هو المحسن الذي عبد الله كأنه يراه" (^٢).
فالظالم لنفسه من هؤلاء تحت المشيئة وقد يُؤخَر قبوله حتى يصفو من الخبث وقد فُصّل ذلك في مؤخرات القبول (^٣).
واصطفاء الله للعباد يتفاوت في درجاته كتفاوت السموات والأرض بدءًا من اصطفاء النجاة من الخلود في النار إلى اصطفاء مريم ﵍ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ٤٢﴾ [آل عمران: ٤٢]. وأعلى من ذلك اصطفاء الأنبياء. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ٣٣﴾ [آل عمران: ٣٣].
_________________
(١) ينظر الإيمان لابن تيمية ص: ١١.
(٢) ينظر المصدر السابق ص: ٢٨١.
(٣) ينظر مطلب مؤخرات القبول في هذا الكتاب ص: ١٢٢
[ ١٦ ]
فهل يستوي اصطفاء الأنبياء واصطفاء الظالم لنفسه من الموحدين.
وهل يستوي الظالم والمقتصد والسابق في ذلك؟ وفي آية مريم إشارة إلى درجات الاصطفاء فقد بينت الآية اصطفاءها مرتين: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ٤٢﴾ فالاصطفاء الأول يرجع إلى علو قدرها وما خصّها الله به من الصفات الحميدة والأفعال السديدة، والاصطفاء الثاني يرجع إلى تفضيلها على نساء العالمين (^١). وقد قال الله تعالى في محكم كتابه أنه تقبّل مريم بقبول حسن وقال إنه اصطفاها فدل على أن الاصطفاء كما هو القبول مراتب ودرجات فهو اصطفاء واختيار واجتباء ثم كرامة ومنزلة وعلو شأن ورفعة على الخلق وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
ومن هنا يتضّح أن الاصطفاء في القرآن يندرج فيه معنى القبول وهو متضمّن له.
وهناك ألفاظ في الكتاب الكريم تشير إلى القبول تصريحًا أو تتضمّن أن الله تعالى تقبل عملًا معينًا أو عبدًا معيّنًا ممن دلّت عليهم بعض الآيات على وجه الخصوص، أما على وجه العموم ففيها دعوة للعمل بمقتضى هذه الآيات لنيل شرف القبول والدخول في حظيرته ومن ذلك التصريح:
١ - بلفظ القبول أو أحد مشتقاته كقوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] وذلك لما
_________________
(١) ينظر تفسير السعدي ص: ١٣٠، والبحر المحيط في التفسير (٣/ ١٤٦)، وتفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن (٤/ ٨٢).
[ ١٧ ]
منّ الله به على مريم ﵍ من صفات الصلاح والتقوى، والقبول الحسن هو حصول العبد فوق ما يتمنى، ويتولاه الله في أحسن من تولى في جميع أمره، وسلوك سبيل السعداء (^١).
٢ - بنيل محبة الله تعالى كقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] فالله تعالى يحب المؤمنين، والمحبة دالّة على القبول وما يتبع ذلك من رحمة وعفو وتكريم ورفعة بحسب مكانة العبد عند الله، روى الإمام أحمد عن الحسن ﵁ قال: "والله لا يعذب الله حبيبه ولكن قد يبتليه في الدنيا" (^٢) كما صرّح النَّبِيّ ﷺ فقَالَ: (إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ العَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ) (^٣).
٣ - بالبشارة بالجنة: كما في قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ٧٦﴾ [طه: ٧٦]. والمعلوم أن الجنة جزاء المقبولين.
٤ - باختصاصهم برحمته: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[التوبة: ٧١] ولا يرحم الله تعالى إلا من تقبلهم واختارهم ونالوا رضاه.
_________________
(١) ينظر تفسير ابن كثير (٢/ ٣٩)، وتفسير الثعلبي (الكشف والبيان عن تفسير القرآن) (٣/ ٥٦).
(٢) الزهد لابن حنبل ص: ٤٨/ ح ٢٩٨.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ١١١/ ح ٣٢٠٩).
[ ١٨ ]
٥ - بتعليق الفلاح عليهم أو الهدى وما شابه ذلك كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] أي: أولئك على بيان وبصيرة من الله (^١). ومن كان على بيان وهداية من الله كان ولا شك مفلحًا فائزًا مقبولا عند ربه.
٦ - بالوعد بالثواب أو تكفير السيئات كقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ٧٠﴾ [الفرقان: ٧٠]
قال أبو حيان: "مَنْ تَابَ وآمن وعمل صَالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَلْقَى عَذَابًا البتة" (^٢).
٧ - بالثناء على العبدكقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾
[ص: ٣٠] ففيه ثناء على عبده سليمان ﵇ لأنه رجّاع إلى طاعة الله توّاب إليه مما يكرهه منه (^٣) وكفى بثناء الله تعالى على العبد دليل قبول ومحبة.
_________________
(١) ينظر البرهان في علوم القرآن (١/ ١٠٣).
(٢) البحر المحيط (٨/ ١٣١) وقيل: التبديل في الدنيا فيمحو الكفر بالإيمان ويمحو المعاصي بالتوبة. وقيل: بل في الآخرة يغفرها لهم فيجعلها حسنات وقد جاء في الصحيح: (إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَا هُنَا " فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) أخرجه مسلم في صحيحه، (١/ ١٧٧/ ح ٣١٤) ولا يمنع الجمع بين القولين فيكون التبديل في الدنيا والآخرة.
(٣) ينظر تفسير مقاتل بن سليمان (٣/ ٦٤٣)، وتفسير الطبري (٢١/ ١٩١).
[ ١٩ ]
٨ - بالرضا عن العبد كقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩] إنهم صدقوا الله ما وعدوه، فوصلوا إلى رضاه، فوفّى الله لهم ما وعدهم به من الثواب. ورضاء الحق- سبحانه- إثبات محلّ لهم، وثناء عليهم ومدحٍ لهم. والفوز العظيم هو الظفر بالطلِبة فنالوا ما كانوا يطلبون ويؤملون من ربهم (^١) وماذا بعد الرضا والجنة من قبول؟