ذُكر آنفًا أن القبول مختص بالله تعالى وحده يقبل من يشاء، ويردّ من يشاء ولا معقب لحكمه، وقد ذكر الله تعالى في محكم التنزيل أنه لا يقبل العمل إلا ممن هو على دين الإسلام قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
[آل عمران: ٨٥]. فالإسلام المراد به الدين برمته الذي يتضمنه الإيمان وأركانه وفرائضه، فهما متلازمان فلا إيمان بغير إسلام، ولا إسلام بغير إيمان. ولا إيمان بغير عمل (^١)، فمسمى الدّين اسْم وَاقع على الْإِيمَان وَالْإِسْلَام (^٢).
فلا يقبل عمل بغير دين الإسلام قال عزّ من قائل: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١].
_________________
(١) وهي عقيدة أهل السنة والجماعة خلافًا للمرجئة الذين يقولون أن العمل مكمّل للإيمان لا أصلٌ فيه.
(٢) ينظر الرد على الشاذلي في حزبيه، وما صنفه في آداب الطريق لابن تيمية ص: ٢٠٢، والفقه الأكبر لأبي حنيفة ص: ٥٧
[ ٤٢ ]
والآيات في ذلك مستفيضة، وهو أمر معلوم من الدين فلا يُتصور قبول عمل الكافر وقد قال ﷿ في شأنه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. فعمل الكافر وإن كان صالحًا في ذاته إلا أنه غير مقبول، وهو غير مجزيٍ به في الآخرة (^١).
وعلى هذا فالإيمان المنوط بقبول العمل من أتباع الأمم السابقة من أهل الكتاب هو ما كان فيه اتّباع لأنبيائهم قبل بعثة الرسول ﷺ.
وأما بعد البعثة فإن الإيمان المنوط بقبول العمل هو ما كان فيه اتباع لسيد البشر، النبي المبعوث رحمة للعالمين محمد ﵊ لأن رسالته عالمية ناسخة لجميع الأديان قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨].
وقد استدل المستشرقون بشبهة داحضة، وحجة سقيمة على أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
_________________
(١) عمل الكافر غير مقبول قبول نجاة وإثابة في الآخرة وإنما يثاب على حسناته في الدنيا لحديث الرسول ﵊ في صحيح مسلم وقد ذكرته آنفا وأعيد ذكره هنا للفائده قال ﷺ: (إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِها) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢١٦٢/ ح ٢٨٠٨) إذن فعمل الكافر في الآخرة مردود، ينظر ثلاثة الأصول وشروط الصلاة والقواعد الأربع للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص: ٢٧.
[ ٤٣ ]
آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] يدل على أن من كان من هذه الطوائف صالحًا في عمله، وظلّ على دينه حتى بعد بعثة الرسول ﷺ فعمله مقبول وهو مثاب عليه ولا خوف عليهم من عقاب يوم القيامة.
والردّ عليهم هو أن هذه الآية فيها حكم لأهل الكتب السماوية السابقة (^١)، فأخبر الله أن المؤمنين
_________________
(١) وفيما يخص لفظ ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ قال السعدي: " لما ذكر [الله تعالى] بني إسرائيل وذمّهم، وذكر معاصيهم وقبائحهم، ربما وقع في بعض النفوس أنهم كلهم يشملهم الذم، فأراد الباري تعالى أن يبين من لم يلحقه الذم منهم بوصفه، ولما كان أيضا ذكر بني إسرائيل خاصة يوهم الاختصاص بهم. ذكر تعالى حكمًا عامًا يشمل الطوائف كلها، ليتضح الحق، ويزول التوهم والإشكال" (تفسير السعدي ص: ٥٤). وإذا سلّمنا جدلًا بأن الآية الكريمة فيها إخبار عن تلك الطوائف بعد البعثة فيكون المراد منها هو كما علّق الطبري في شرحها بقوله: " معنى إيمان المؤمن في هذا الموضع، ثباته على إيمانه وتركه تبديله. وأما إيمان اليهود والنصارى والصابئين، فالتصديق بمحمد ﷺ وبما جاء به، فمن يؤمن منهم بمحمد، وبما جاء به واليوم الآخر، ويعمل صالحًا، فلم يبدل ولم يغير حتى توفي على ذلك، فله ثواب عمله وأجره عند ربه" تفسير الطبري (٢/ ١٤٨). وقال الشوكاني: " إِنَّ الْمُرَادَ الَّذِينَ صَدَّقُوا النَّبِيَّ ﷺ وَصَارُوا مِنْ جُمْلَةِ أَتْبَاعِهِ، وَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ حَالَ هَذِهِ الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَحَالَ مَنْ قَبْلَهَا مِنْ سَائِرِ الْمِلَلِ يَرْجِعُ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا اسْتَحَقَّ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ، وَمَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ فَاتَهُ الْخَيْرُ كُلُّهُ وَالْأَجْرُ دِقُّهُ وَجِلُّهُ " فتح القدير (١/ ١١٠). وينظر تفسير الطبري (٢/ ١٤٨)، وفتح القدير (١/ ١١٠)، تفسير السعدي ص: ٥٤
[ ٤٤ ]
من هذه الأمة، واليهود والنصارى، والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر، وصدقوا رسلهم، فإن لهم الأجر العظيم والأمن، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأما من كفر منهم بالله ورسله واليوم الآخر، فهو بضد هذه الحال، فعليه الخوف والحزن.
فهذا الحكم بين هذه الطوائف، من حيث هم، لا بالنسبة إلى الإيمان بمحمد، ﵊ وهذا إخبار عنهم قبل بعثة النبي ﵊ (^١).
* * * *
_________________
(١) ينظر الإيمان لابن تيمية ص: ٤٨، وتفسير السعدي ص: ٥٤.
[ ٤٥ ]